كيف تحول الذكاء الاصطناعي الأخلاقي إلى سلاح لاعتقال مادورو؟
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
في الثالث من يناير 2026، استيقظ العالم على نبأ عملية عسكرية خاطفة في كاراكاس أطلقت عليها واشنطن اسم "عملية العزم المطلق"، أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بتهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات. ورغم ضخامة الحدث السياسي، إلا أن "الزلزال التقني" الذي خلفته العملية كان أكثر إثارة؛ حيث كشفت التسريبات عن الدور المحوري والمثير للجدل لنموذج الذكاء الاصطناعي "كلاود" (Claude)، التابع لشركة "أنثروبيك" (Anthropic)، في توجيه الضربة الاستخباراتية.
لم تكن "أنثروبيك" -التي بلغت قيمتها 380 مليار دولار- يوما وجها مألوفا في صفقات السلاح، بل كانت تسوق نفسها كالنقيض "الأخلاقي" لشركات الذكاء الاصطناعي الأخرى، وحملت شعار أنها رائدة في "الذكاء الاصطناعي الآمن والأخلاقي".
وتعمل العديد من شركات الذكاء الاصطناعي على بناء أدوات مخصصة للجيش الأمريكي، يتوفر معظمها فقط على الشبكات غير السرية المستخدمة عادة للإدارة العسكرية، ولكن "أنثروبيك" تُعد الشركة الوحيدة التي تتيح استخدام نموذجها للذكاء الاصطناعي ضمن "إعدادات سرية" عبر أطراف ثالثة.
ومع ذلك فإن الحكومة لا تزال ملزمة بسياسات الاستخدام الخاصة بالشركة التي تحظر استخدام "كلاود" لدعم العنف أو تصميم الأسلحة أو إجراء عمليات المراقبة. وهو ما فتح باب التساؤل حول كيفية استخدام الجيش للنموذج في عملية أدت لاندلاع اشتباكات وقتلى من الجانب الفنزويلي.
لكن الحقيقة التقنية الميدانية كشفت مسارا مختلفا؛ فلم يستخدم الجيش الأمريكي "كلاود" عبر واجهة دردشة تقليدية، بل تم توظيفه عبر شركة أخرى هي "بالانتير تكنولوجيز" (Palantir Technologies).
وبلانتير شركة متخصصة في تحليلات البيانات وهي مزود رئيسي للحكومة الأمريكية وتُستخدم منصاتها وأدواتها على نطاق واسع من قبل وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) ووكالات إنفاذ القانون.
وما فعلته بالانتير أنها كانت بمثابة "الجسر الآمن" الذي سمح بنقل نموذج "كلاود" من الاستخدام المدني إلى قلب العمليات العسكرية السرية، حيث عملت منصاتها كبنية تحتية دمجت نموذج "كلاود" مع تدفقات البيانات العسكرية الضخمة.
إعلانواستفادت بلانتير هنا من ميزة حاسمة في نموذج "كلاود، وهي أنه نموذج الذكاء الاصطناعي المتقدم الوحيد الذي تتيح الشركة المطورة له إمكانية استخدامه ضمن "إعدادات سرية" عبر أطراف ثالثة مثل "بالانتير" في هذه الحالة.
ففي حين تقتصر نماذج الشركات المنافسة مثل أوبن إيه آي (Open AI) غالبا على الشبكات غير السرية المخصصة للأعمال الإدارية، وفرت "بالانتير" القناة الأمنية المشفرة التي سمحت لـ"كلاود" بالوصول إلى بيانات حساسة وفورية لا يمكن للبشر معالجتها بالسرعة المطلوبة.
المهام العملياتية: "العقل التحليلي" خلف 150 طائرةفقد تجاوز دور "كلاود" في عملية "العزم المطلق" مجرد التحضير والتدريب، ليكون "عقلا تحليليا" يعمل في الوقت الحقيقي. وتلخصت مهامه التقنية في:
تحليل الصور العلوية: معالجة صور الأقمار الصناعية بدقة متناهية لتحديد موقع مادورو، وهو ما وصفته التقارير بـ"المراقبة العلوية" الفائقة. فك التداخل الاستخباراتي: القدرة على تحليل المعلومات المعقدة وفك شفرة البيانات المتداخلة لتوجيه القوات المنطلقة من 20 قاعدة مختلفة. الدور في "العمليات النشطة": بخلاف الاستخدامات التقليدية، استُخدم النموذج أثناء تنفيذ الغارة نفسها، حيث كان يحلل البيانات ويوفر المعلومات للقوات في الميدان لضمان دقة التنفيذ.وتجدر الملاحظة هنا أن دور "كلاود" كان تحليليا، فهو لم يتحكم في الأسلحة مباشرة، بل رسم خارطة الطريق الاستخباراتية لها، بينما استخدم البنتاغون أنظمة أخرى تولت مهام "إدارة الأنظمة المستقلة" (Autonomous Systems).
وضعت هذه العملية شركة "أنثروبيك" ورئيسها التنفيذي داريو أمودي في موقف حرج للغاية. فالشركة التي تضع "الأمان" كأولوية قصوى تجد الآن تقنيتها متورطة في عملية عسكرية غير مسبوقة، سقط فيها قتلى.
ورغم تأكيد تقرير صحيفة وول ستريت جورنال استخدام "كلاود" في عملية اعتقال مادورو فإن الشركة رفضت تأكيد استخدام تقنيتها في تلك العملية، واكتفى متحدثها الرسمي بالقول: "لا يمكننا التعليق عما إذا كان كلاود قد استُخدم في أي عملية محددة".
ويواجه استخدام "كلاود" في كاراكاس معارضة مباشرة لسياسات الشركة التي تحظر استخدامه في تسهيل العنف وتطوير الأسلحة وإجراء المراقبة.
وكان داريو أعرب سابقا عن مخاوفه من أن الأنظمة السياسية قد لا تكون ناضجة بما يكفي لاستخدام قوة الذكاء الاصطناعي في عمليات فتاكة، وهو ما يبدو أنه تحقق بالفعل في هذه العملية.
تداعيات الصدام: هل يضحي البنتاغون بـ"كلاود"؟وأدى التوتر بين المبادئ الأخلاقية للشركة والطموحات العسكرية لوزارة الدفاع الأمريكية إلى شرخ قد يكلف الكثير، فقد بدأت "أنثروبيك" في إجراء تحقيق داخلي لاستقصاء حقيقة استخدام برمجياتها في العملية، مما أثار حفيظة البنتاغون الذي يخشى من "تمرد أخلاقي" للشركة يعيق العمليات المستقبلية.
ونتيجة لذلك يدرس المسؤولون الأمريكيون الآن بجدية احتمال إلغاء عقد بقيمة 200 مليون دولار مع "أنثروبيك"، وإعادة النظر في الشراكة الاستراتيجية بسبب القيود التي تفرضها الشركة والتي قد تعتبرها الواجهة العسكرية "عائقا" في ساحات المعارك.
إعلانويضغط البنتاغون على شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى، بما في ذلك "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك"، لتوفير أدواتها على الشبكات السرية دون القيود المعيارية التي تفرضها هذه الشركات عادة على المستخدمين.
لهذا فإن عملية اعتقال مادورو كشفت عن واقع جديد في الحروب الحديثة؛ حيث لم تعد الميزة العسكرية تقاس فقط بعدد الطائرات، بل بقدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على العمل داخل الشبكات السرية.
ومع ذلك، تظل الفجوة تتسع بين شركات التكنولوجيا التي تخشى "قوة النموذج" وبين جيوش تريد استغلال هذه القوة إلى أقصى حدودها، حتى لو كان ذلك على حساب المواثيق الأخلاقية "للذكاء الاصطناعي الآمن".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الذکاء الاصطناعی اعتقال مادورو فی عملیة
إقرأ أيضاً:
وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
افتتحت المؤشرات الرئيسية في بورصة وول ستريت تعاملات الثلاثاء على تراجع طفيف، بعد أن سجلت مستويات قياسية خلال الأسابيع الماضية، بينما عززت التطورات الإيجابية في قطاع الذكاء الاصطناعي ثقة المستثمرين بأسهم التكنولوجيا، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
وتراجع مؤشر "داو جونز" الصناعي بنحو 166 نقطة، ما يعادل 0.33 بالمئة، ليصل إلى 50,912 نقطة، بينما انخفض مؤشر "إس آند بي 500" بنسبة 0.06 بالمئة إلى 7,595 نقطة، وتراجع مؤشر "ناسداك" المجمع بنسبة 0.21 بالمئة إلى 27,030 نقطة.
ورغم الأداء السلبي للمؤشرات، تلقى قطاع الذكاء الاصطناعي دفعة قوية بعد إعلان شركة "هيوليت باكارد إنتربرايز" نتائج مالية فاقت توقعات الأسواق، مدفوعة بالطلب المتزايد على البنية التحتية الخاصة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقفز سهم الشركة بنسبة تراوحت بين 25 و29 بالمئة، بعدما رفعت توقعاتها لنمو الإيرادات خلال عام 2026 إلى ما بين 29 و33 بالمئة، كما أعلنت تقديم أهدافها المالية المقررة لعام 2028 إلى العام الجاري، مستفيدة من الطلب المتنامي على تقنيات "الذكاء الاصطناعي الوكيل" وتوسعات مراكز البيانات.
كما كشفت الشركة عن إطلاق خوادم جديدة تعتمد على معالجات "فيرا" من شركة إنفيديا، في خطوة تستهدف تعزيز حضورها في سوق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
في المقابل، أعلنت شركة "ألفابت"، المالكة لمحرك البحث "غوغل"، خطة لجمع 80 مليار دولار بهدف تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي وتوسيع مراكز البيانات الخاصة بها، بحسب تقارير اقتصادية أمريكية.
وتشمل الخطة استثمارا خاصا بقيمة 10 مليارات دولار من شركة "بيركشاير هاثاواي" التابعة للملياردير الأمريكي الشهير وارن بافيت، فيما تسعى ألفابت إلى رفع إنفاقها الرأسمالي خلال عام 2026 إلى ما بين 180 و190 مليار دولار.
ورغم ضخامة المشروع، تراجع سهم "ألفابت" بنحو 2.3 بالمئة، وسط مخاوف المستثمرين من تأثير الطرح الجديد للأسهم على قيمة حصصهم الحالية.
وامتدت موجة التفاؤل إلى شركات أخرى مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، حيث ارتفع سهم "سوبر ميكرو كمبيوتر" بنسبة 5.6 بالمئة، بينما صعد سهم "ديل" بنحو 3 بالمئة.
كما واصلت شركات أشباه الموصلات مكاسبها، إذ ارتفع سهم "إنفيديا" بنسبة 2.6 بالمئة، في حين قفز سهم "برودكوم" بنسبة 4.5 بالمئة، في ظل استمرار الرهانات على النمو السريع لسوق الذكاء الاصطناعي عالميا.
ويرى محللون أن الأداء القوي للشركات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي يعكس تحولا متزايدا في توجهات المستثمرين نحو القطاعات التكنولوجية القادرة على الاستفادة من الطفرة الحالية، رغم الضغوط التي تواجه الأسواق نتيجة ارتفاع التقييمات وجني الأرباح بعد المكاسب القياسية الأخيرة.