تتجه ميليشيا الحوثي الإيرانية في صنعاء إلى تنفيذ مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الجهاز الإداري للدولة تحت عنوان "معالجة العمالة الفائضة"، في خطوة يراها موظفون ومراقبون محاولة للالتفاف على مطالبات مستمرة بصرف المرتبات الشهرية المنتظمة، عبر تقليص أعداد الموظفين وإعادة تصنيفهم ضمن فئات مالية جديدة تقلّص استحقاقاتهم إلى الحد الأدنى.

 

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أزمة رواتب ممتدة منذ سنوات، تحولت خلالها المرتبات من حق ثابت إلى مبالغ مجزأة وغير منتظمة، تُصرف وفق تصنيفات متعددة.

وبحسب مصادر عاملة في قطاعات حكومية، فقد جرى إبلاغ أعداد واسعة من الإداريين في قطاعات التربية والتعليم والتعليم العالي والتعليم الفني والصحة، وجميعهم من الفئة "ج"، بإحالتهم إلى كشوفات "الفائض" ابتداءً من يناير 2026، رغم استمرار حاجة بعض الجهات إلى خدماتهم. 

وتؤكد المصادر أن القرار أثار حالة من القلق داخل المؤسسات، خصوصاً مع غياب معايير واضحة للاختيار، ووجود حالات تم فيها الاستغناء عن موظفين بحجة الفائض، في الوقت الذي جرى فيه التعاقد مع آخرين لشغل مهام مماثلة.

أحد العاملين في مرفق تعليمي بصنعاء أوضح أن أربعة إداريين تم الاستغناء عنهم باعتبارهم قوة فائضة، رغم أن المعهد نفسه تعاقد مع موظفين جدد للعمل في وظائف إدارية، مضيفاً أن بعض من أثاروا اعتراضاتهم على القرار تعرضوا لتهديدات بإحالتهم إلى التحقيق في جهاز المخابرات. ويشير هذا التناقض، وفق موظفين، إلى أن المسألة لا ترتبط فقط بتقليص الإنفاق، بل بإعادة ترتيب داخلي في بنية المؤسسات.

وفي تطور لافت، كشف مصدر في قطاع الأجور والموازنة بوزارة الخدمة المدنية أن المحالين إلى كشوفات الفائض سيتم تسكينهم في فئة جديدة مستحدثة تحت مسمى "د"، على أن يُصرف لهم ربع راتب كل ثلاثة أشهر إلى حين تسوية أوضاعهم بالتقاعد أو إعادة توزيعهم على جهات أخرى. وأوضح أن استحداث هذه الفئة جاء بمقترح من وزير المالية وموافقة مجلس الوزراء، مشيراً إلى أن قرابة ثلاثة آلاف موظف من الفئة "ج" في قطاع التربية والتعليم سيتم إحالتهم إلى التقاعد.

ويأتي ذلك رغم تمديد مجلس النواب في صنعاء العمل بالآلية الاستثنائية لصرف المرتبات، مع تأكيده على عدم إحالة الموظفين إلى التقاعد قبل استكمال حقوقهم المكتسبة. غير أن التطورات الأخيرة تعكس مساراً مغايراً، حيث يجري تقليص الكتلة الوظيفية فعلياً عبر بوابة "الفائض"، مع إعادة توزيع الرواتب على فئات متفاوتة، تشمل الفئات "أ" و"ب" و"ج"، ثم الفئة المستحدثة "د"، في نظام تصنيفي يرى موظفون أنه أفرز تفاوتاً حاداً في آلية الصرف.

وفي سياق متصل، أفادت مصادر في وزارة المالية بصنعاء أن لجنة من مكتب الوزير تدرس إحالة مستشارين وباحثين في عدد من المراكز البحثية التي لم تعد تمتلك موازنات تشغيلية إلى التقاعد لبلوغهم أحد الأجلين، في توجه يتقاطع مع سياسات تقليص أو تصفية مراكز الدراسات التابعة لجامعة صنعاء وعدد من الوزارات الخدمية. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات قد تفضي إلى إضعاف البنية البحثية والأكاديمية في المؤسسات العامة، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية معقدة.

الخطوات الجديدة قوبلت بانتقادات حادة من أكاديميين وناشطين، إذ اعتبر الأكاديمي إبراهيم الكبسي أن ما يجري يعكس تجاهلاً متعمداً للواقع المعيشي الصعب الذي يعيشه المواطنون، مشيراً إلى أن مظاهر الفقر والتسول والبؤس لم تعد خافية، لكن الاعتراف بها يعني – بحسب وصفه – الإقرار بالفشل وما يترتب عليه من كلفة سياسية وسلطوية. 

وفي تناوله لمعاناة موظفي الدولة، أوضح الكبسي أن الموظفين لم يعودوا يطالبون برواتبهم كاملة، بل يطالبون فقط بحد أدنى من الانتظام، بعد سنوات من الانقطاع والتجزئة، واصفاً الوضع بأنه "موت بالتقسيط"، حيث يذهب الموظف إلى عمله التزاماً بالواجب، بينما يتحول حقه المالي إلى مبلغ رمزي يُصرف كل عدة أشهر.

ويرى موظفون أن سياسة "العمالة الفائضة" في صورتها الحالية لا تمثل إصلاحاً إدارياً بالمعنى المهني، بقدر ما تعكس إدارة للأزمة عبر إعادة توزيع شح الموارد، الأمر الذي قد يؤدي إلى تفريغ مؤسسات الدولة من كوادرها ذات الخبرة، وإضعاف قطاعات خدمية حيوية كالتعليم والصحة، في وقت تتفاقم فيه الأعباء المعيشية على الموظفين وأسرهم. وبينما تُسوّق الإجراءات باعتبارها تنظيماً إدارياً ضرورياً، يصفها متضررون بأنها تقنين للحرمان وترحيل للأزمة إلى الفئات الأضعف داخل الجهاز الحكومي.

المصدر

المصدر: نيوزيمن

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • شاهد| شيفروليه تراكس 2026 الكروس أوفر
  • جدول مرتبات الموظفين بعد الزيادة الجديدة 2026.. تعرف على راتب كل درجة
  • احسب قبضك الجديد.. موعد صرف المرتبات بالزيادة المقررة رسميًا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • احسب قبضك الجديد .. موعد صرف المرتبات بالزيادة المقررة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • أكاديمية الملكة رانيا ووزارة التربية تتابعان أثر برنامج التنمية المهنية لمعلمات رياض الأطفال
  • «خاص وحكومي».. موعد صرف مرتبات شهر يونيو 2026
  • المقاومة الوطنية: وحدة الصف مفتاح استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟