بسبب أزمة التأشيرات.. انسحاب الفيلم السوداني كرت أزرق من سوق برلين
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
أعلن فريق الفيلم السوداني "كرت أزرق" انسحابه من المشاركة في سوق برلين للإنتاج المشترك، الذي يُقام في الفترة من 14 إلى 17 فبراير/شباط الجاري، ضمن فعاليات مهرجان برلين السينمائي الدولي.
مخاطر الهجرةوأوضح المنتج والمخرج السوداني أمجد أبو العلاء أن قرار الانسحاب جاء بعد رفض طلبات التأشيرة المقدّمة له بصفته منتج الفيلم، وكذلك لمخرج وكاتب العمل، رغم تلقيهم دعوات رسمية من مهرجان برلين، وتقديم ملف كامل من المستندات، إضافة إلى حصولهم على دعم مؤسسي من معهد غوته.
وأشار إلى أن الرفض جاء بدعوى ما وُصف بـ"مخاطر الهجرة"، بحجة عدم وضوح سبب السفر، والتشكيك في نية العودة بعد انتهاء الفعاليات.اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2فيلم "ساعي البريد".. البوابة السرية لتجنيد الجواسيسlist 2 of 2فيلم "الجريمة 101".. لعبة القط والفأر بين المخرج والممثلينend of list
وأضاف أبو العلاء، في بيان رسمي نشره عبر حسابه على فيسبوك، أن الشركة المنتجة لفيلم "كرت أزرق" سبق لها المشاركة في مهرجان برلين من خلال الفيلم الروائي اليمني "المرهقون"، الذي اختير لقسم "بانوراما"، وحصد لاحقا عدة جوائز دولية، وذلك مع الالتزام الكامل بقواعد السفر ودون تسجيل أي مخالفات
وأضاف أن آخر تأشيرة حصل عليها كانت صادرة عن السفارة الألمانية في الخرطوم لمدة عامين، وانتهت عقب زيارته الأخيرة إلى برلين، في حين انتهت تأشيرة مخرج الفيلم قبل أسبوع واحد فقط من تقديم الطلب الجديد.
وأوضح أن زيارته الأخيرة إلى برلين جاءت بصفته عضوا في لجنة تحكيم قسم "جيل" ضمن مهرجان برلين السينمائي الدولي، مؤكدا أنه عاد بعدها إلى بلده من دون تسجيل أي ملاحظات، ومشددا على أن السجل المهني، والالتزامات طويلة الأمد، وكامل الوثائق المقدمة، كانت جميعها واضحة ومكتملة.
ورغم تأكيد المنتج السوداني سعادة صناع الفيلم باختيارهم للمشاركة في سوق مهرجان برلين، فإنهم رأوا أن تداعيات رفض التأشيرات تثير قلقا عميقا، لا سيما حين يتعلق الأمر بصناع أفلام قادمين من دول تعاني آثار الحروب والنزوح.
إعلانوأشار إلى أن تجاهل السجل المهني، والالتزام السابق، والدعم المؤسسي، لصالح افتراضات مسبقة تتعلق بما يسمى "مخاطر الهجرة"، يفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول آليات التقييم، ويضع الفنانين القادمين من مناطق غير مستقرة داخل قوالب جاهزة تختزلهم في تصنيفات هجرية، بدلا من النظر إليهم كمهنيين يمتلكون مشروعات إبداعية مشروعة. وحذر من أن استمرار هذا النهج يكرس صورا نمطية غير عادلة، ويؤدي إلى معاملة غير متكافئة بحق الفنانين ومن يعملون معهم.
وأشار البيان إلى أن مهرجان برلين يعد من أبرز المنصات الداعمة للأفلام التي تتناول قضايا النزوح والمنفى والبحث عن الانتماء، معتبرا أن من المقلق أن يواجه صناع هذه الأعمال عوائق نابعة من المخاوف ذاتها التي تسعى أفلامهم إلى تفكيكها.
وأضاف أن الاحتفاء بقصص المنفى على الشاشة يقابله، في الواقع، فرض قيود على صناعها استنادا إلى تصنيفات هجرية، في مفارقة تتضاعف حدتها مع حصول الشركة المنتجة على جائزة حقوق الإنسان من منظمة العفو الدولية عن فيلم "المرهَقون"، في وقت يناقش فيه فيلم "كرت أزرق" ذاته مسألة رفض الوصم بعد الحرب في السودان.
واختتم البيان بالتأكيد على أن هذا الموقف لا يستهدف مهرجان برلين بحد ذاته، بل يعبر عن احترام الكرامة المهنية لصناع الأفلام القادمين من مناطق تشهد حروبا وعدم استقرار، وعن التضامن مع اللاجئين حول العالم، مشددا على أن التبادل الثقافي لا يمكن أن يتحقق في ظل تغليب الشك على الشرعية الفنية.
مشاركة عربيةتشهد فعاليات الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي، التي انطلقت مساء الخميس 12 فبراير/شباط 2026 وتستمر حتى 22 من الشهر نفسه، حضورا عربيا لافتا ومتنوّعا.
ففي قسم بانوراما، يشارك فيلم "المتمردون فقط هم من يربحون" (Only Rebels Win) للمخرجة اللبنانية الفرنسية دانييل ربيد، حيث يقدم بيروت بوصفها مدينة معلقة بين ذاكرة الحرب وطموحات جيل شاب يسعى إلى حياة خارج القوالب التقليدية. ويرصد الفيلم علاقة عاطفية غير تقليدية تنشأ في قلب هذا التناقض، بلغة بصرية تميل إلى الشاعرية القاسية، ما جعله من أكثر أفلام القسم حضورا في النقاشات النقدية منذ الأيام الأولى لانطلاق المهرجان.
وفي قسم المنتدى، تسجل السينما المغربية والتونسية حضورا بارزا، من بينها فيلم "صمت الجدران" للمخرج المغربي مراد الخودي، الذي يقترب من عالم المهمشين في الأحياء العشوائية من خلال معالجة تمزج بين الواقعية والبعد الرمزي.
أما في قسم أجيال، فيشارك الفيلم التونسي "أحلام المنسيين"، الذي يتناول الطفولة المسلوبة في المناطق الحدودية من منظور إنساني بالغ الحساسية.
ويشمل الحضور العربي أيضا مجموعة من الأفلام القصيرة لمخرجين من الأردن وفلسطين، في تأكيد على توجه مهرجان برلين لدعم الأصوات السينمائية القادمة من مناطق لا تحظى عادة بمساحات عرض تجارية واسعة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات مهرجان برلین
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود