مقالٌ ينبغي أن يُقرَأ ببطء!
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
هذا الأسبوع قرأتُ كثيرًا عن البطء، بالصدفة التي أملتها طبيعة عملي الإذاعي في مرتين، ومتعمدًا في مرات أخرى بالعودة إلى قراءات سابقة حضر فيها البطء دون أن أنتبه له حينها أو أعيره انتباها. ولقد تسلل إليَّ "ببطء" - دون أن أدري - جمال هذا البطء، وكأنني تجسيد لمقولة نيتشه في كتابه "إنسان مفرط في إنسانيته" عن أن أسمى أنواع الجمال ليس ذلك الذي يفتِنُنا على الفور، بل الذي يتسلّل إلينا ببطء نحمله معنا ونحن لا نكاد نشعر به.
كانت البداية بكتاب «في مديح البطء: حراك عالمي يتحدى عبادة السرعة» للكاتب الكندي كارل أونوريه الذي كان ينتظر دوره في مكتبتي لسنوات، غير أن الذي أرغمني على العودة إليه هذا الأسبوع القارئ فهد الجهوري حين اختاره لبرنامج "كتاب أعجبني". يفتتح أونوريه هذا الكتاب بعبارة غاندي: "يوجد في الحياة ما هو أهم من زيادة سرعتها"، وينطلق من سؤال بسيط: متى تحوّلت السرعة من أداة نافعة إلى قيمة مهيمنة تتحكم بإيقاع حياتنا؟ يقول أونوريه إن منطق العجلة تسلّل إلى تفاصيل يومنا كلها: طريقة تناولنا للطعام، وأسلوب عملنا، ومنهج تعليمنا، وحتى علاقتنا بأوقات الفراغ. وهذا التسارع المستمر صرنا نلمس نتائجه في التوتر والغضب والإرهاق وضعف التركيز، وتراجع قدرتنا على الاستمتاع بحياتنا، ويقترح استعادة التوازن في علاقتنا بالزمن عبر اختيار الإيقاع المناسب لكل نشاط، بحيث نسرع حين يستدعي الأمر الإسراع، ونبطئ في الحالات التي تتطلب الهدوء والتأمل.
يتحدث أونوريه أيضا عن "حركة الطعام البطيء" التي نشأت في إيطاليا عام 1986 احتجاجًا على ثقافة الوجبات السريعة، ثم تطورها إلى تيار عالمي أوسع يُعرف باسم "حركة البطء"، امتد إلى مجالات العمل والتعليم والطب والتخطيط العمراني، ويؤكد أن الإبطاء الواعي يعزّز الإبداع والصحة النفسية ويعمّق الروابط الإنسانية، وأن التكنولوجيا، رغم قدرتها على توفير الوقت، إلا أنها تضيف التزامات جديدة تشتت الانتباه. وفي الخلاصة، يدعو الكتاب إلى إعادة صياغة مفهوم النجاح بعيدًا عن هوس السرعة، والعيش بإيقاع ينسجم مع طبيعة الإنسان واحتياجاته.
لعل هذا التشبع بثيمة البطء هو الذي نبهني إلى حضورها في قصة "لا بار في شيكاغو" للقاص محمود الرحبي، الذي فاز بجائزة الملتقى للقصة العربية في دورتها الأخيرة. في هذه القصة يبتكر محمود شخصية فريدة يصعب أن تغادر قارئها بسهولة؛ إنه مال الله (أو مالان) الذي قرر أن ينتقم من ماضيه عبر اختيار البطء طريقة حياة، كأنه يدرّب الزمن على التمهّل. يستيقظ صباحًا فيمنح عينيه حقهما من الامتنان، ويتعامل مع إفطاره الذي ترسله إليه أخته مع ابنتها الوسطى "كمن اكتشف فجأة أن طعامًا أمامه"؛ يتأمل جزئياته قبل تناوله، ويستغرق وقتا طويلا في مضغه. يستطيع مال الله هنا أن يسرّب إليك شعور الحزن والشفقة عليه من مجرد عمل روتيني عادي هو تناول الإفطار، بالدرجة نفسها التي تسرب بها الحزن قصيدة للشاعرة فاطمة قنديل تشبّه فيها الفقد بقطعة ثلج تضعها في الماء كي ترقبها وهي تذوب ببطء وترتشفها رشفة رشفة. هذا الحزن المتأتي من البطء يستمر حين يترك مالان "حي شيكاغو" الذي يسكن فيه في العامرات متوجها إلى حانة "نيرفانا" في روي، بإيقاعٍ بطيء يصنعه من التفاصيل الصغيرة، إذ يقف ليعبر الشارع بعكازه، "لا يهمه الوقت الذي سينتظره قبل أن يجدف قاطعًا الشارع، وأثناء ذلك الانتظار تتنزه حواسه بالنظر في شكل ومحتوى كل سيارة قادمة". يتعمد قبل أن يصل إلى الحانة التوقف ثلاث مرات في الطريق، إحداها عند عتبة دكان يشتري منه قنينة ماء صغيرة، يشربها ببطء وهو جالس، مسليًا نفسه بتأمل الداخلين إلى المحل والخارجين منه. وحين يصل إلى الحانة يقضي أكثر من ساعتين ونصف في احتساء مشروبه ببطء. ويكشف السارد أن هذا السلوك يومي، ويعود إلى ثلاث سنوات خلت، كأن البطء صار عادة يومية لمالان، يفتتح به يومه كل صباح، ويسترد به عافيته وطمأنينة يومه.
هذا الاحتفاء الكبير بالبطء يحيلني إلى رواية السويدي تورجني ليندجرين "حلاوة" (ترجمة حميد كشكولي) التي تتضمن أفضل مرافعة يمكن أن يقرأها المرء عن البطء وأهميته وضرورة رفع الظلم الواقع عليه بتنميطه في صورة سلبية: "لم يفهم البشر معنى البطء، كانوا يفهمون الأشياء التي تتحرك حسب إيقاعهم فقط. لم يفهموا تآكل الجبال وموت غابات الصنوبر والأحجار التي تظهر من تحت التربة. لم يفهموا حتى كيف تنمو أظافرهم. لقد استوعبوا الوقت، لكنهم لم يستوعبوا البطء. لذا كان البشر يقرؤون الجرائد، لتمتلئ ذواتهم بالأحداث والوقت. إلا أن البطء كان أقوى وأكثر ديمومة من الوقت: الوقت سرعان ما ينتهي، لكن البطء يكاد لا ينتهي على الإطلاق. للبطء قدرة على احتواء كل شيء على التوازي، وعندما نشبّه الوقت بالبعوض والناموس، يكون البطء حيوانًا ضخمًا مستلقيًا يجتر ويمضغ. الناس الذين استسلموا للوقت ليس لديهم ماضٍ حقيقي، بل هو ضائع ومستهلك ومستنفد ومن دون ماضٍ فإن الإنسان نفحة من الهواء".
وهكذا؛ فإنه إذا كانت فلسفة الرحبي تقوم على تحويل البطء إلى أداة انتقام من الماضي، فإن فلسفة ليندجرين ترى أن "الماضي المعاش بوعي وببطء، هو المادة الخام الوحيدة التي يمكن أن يُصنع منها الإنسان الراسخ". ويمكن أن يجد المرء تجسيدًا نموذجيًّا لهذه الفلسفة الأخيرة في بطل رواية "اكتشاف البطء" للكاتب الألماني ستِن نادولني (ترجمة سمير جريس). هذا البطل هو البحار الإنجليزي جون فرانكلن ضابط البحرية الملكية البريطانية ومستكشف القطب الشمالي، والبطء لديه - كما لدى مال الله - هو منهج حياة أيضا، ومفتاح لفهم العالم. ذلك أنه في طفولته وشبابه اصطدم بنظامٍ اجتماعي قاسٍ كان يحكم على الناس بسرعة الفهم وسرعة الرد، أما البطيء فيُساء تقديره، "كان يبحث عن مكان لا ينظر فيه أحدٌ إليه على أنه بطيء أكثر من اللازم". ثم اكتشف فرانكلن مع مرور الوقت أن البطء يعني التمهّل الذي يمنحه تركيزًا أشد على التفاصيل وقدرة على الاحتمال تزداد قيمةً كلما اشتدت الظروف. وعندما تقوده الأقدار في رحلات بحرية استكشافية، يصبح إيقاعه البطيء جزءًا من قوة شخصيته، ويتبدى ذلك في صبره الطويل على الانتظار، وانتباهه الدقيق لعناصر المكان، وتقديره الواعي للمخاطر في ظروف قد يؤدي فيها أي قرار متسرع إلى ما لا يحمد عقباه. جعل نادولني فرانكلن يعيش الزمن على مهل كي يراه كاملًا، ويتقدم كل خطوة بحذر شديد كي يضمن الخطوة التالية؛ لذلك يصير البطء لديه مهارةً في القيادة مثلما هو مهارة في النجاة.
هذه تداعيات عن البطء، وحضوره في كتابات وأعمال أدبية تحتفي به وتنزله المنزلة التي يستحقها، كتبتُها ببطء سلحفائي، وفي يقيني أن المعنى سيبقى في بطني (رغم أنني لستُ شاعرًا)، ما لم تُقرأ بالبطء نفسه. فهو إذن مقال ينبغي أن يُقرأ ببطء.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.