العميري: "مسابقة البحوث الأمنية" منصة وطنية لتعزيز "الأمن الاستباقي" وتطوير العمل الشُرطي
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
مسقط- الملازم/ منتصر الغماري
تعد مسابقة شرطة عُمان السلطانية للبحوث الأمنية منصة علمية وطنية تُعنى باستقطاب الباحثين والأكاديميين والمهتمين بالشأن الأمني، لإثراء المكتبة البحثية بدراسات رصينة تسهم في تطوير العمل الشرطي ومواكبة التحولات المتسارعة في البيئة الأمنية، وذلك في إطار سعي شرطة عُمان السلطانية إلى ترسيخ ثقافة البحث العلمي في المجال الأمني وتعزيز دوره في دعم مسارات التطوير المؤسسي.
وتهدف المسابقة إلى تحفيز الإنتاج العلمي المتخصص، وربط مخرجات البحث بالتطبيق العملي، بما ينعكس إيجابًا على كفاءة الأداء الأمني وجودة الخدمات المقدمة للمجتمع، كما تؤكد أهمية الشراكة الفاعلة بين المؤسسة الشرطية والمؤسسات الأكاديمية والمجتمع المدني، انطلاقًا من إيمانها بأن الأمن مسؤولية مشتركة، وأن البحث العلمي يمثل أداة استراتيجية لتعزيز الاستدامة والتخطيط المستقبلي.
وتحرص شرطة عُمان السلطانية من خلال هذه المسابقة على ضمان النزاهة والشفافية في عملية التحكيم، عبر اعتماد معايير علمية دقيقة، ولجان تقييم متخصصة، بما يعزز الثقة في النتائج ويكرّس ثقافة التميز والإبداع البحثي في المجال الأمني.
وقال المقدم خليفة بن سعيد العميري مدير مركز البحوث والدراسات بأكاديمية السلطان قابوس لعلوم الشرطة، إن المسابقة تمثل ترجمةً صادقة للتوجيهات السامية لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم القائد الأعلى -حفظه الله ورعاه- الذي جعل من البحث العلمي والابتكار ركيزة أساسية ومنطلقًا ثابتًا لنهضة عُمان المتجددة، كما أن أهداف المسابقة تلتقي في جوهرها مع رؤية عُمان 2040، التي تضع البحث العلمي كأولوية وطنية لبناء اقتصاد قائم على المعرفة، مضيفا: "تأتي المسابقة لتحقيق أهداف شرطة عُمان السلطانية الرامية إلى تطويع البحث العلمي لخدمة المنظومة الأمنية، وتطوير الحلول الابتكارية التي تواكب التحديات المعاصرة، بما يضمن استدامة الأمن والأمان، بالإضافة إلى بناء قاعدة بحثية صلبة لدى منتسبي شرطة عُمان السلطانية، تُسهم في تطوير مهاراتهم لتجويد العمل الشرطي، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقيمين".
وأضاف أنَّ المستقبل الأمني في سلطنة عُمان يتَّجه نحو "الأمن الاستباقي" والاعتماد على التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والجرائم العابرة للحدود، إذ تسعى المسابقة لتكون المحرك الأول للابتكار الأمني بما يتوافق مع أهداف رؤية عُمان 2040، لضمان استمرار السلطنة كواحة للأمن والاستقرار في ظل المتغيرات العالمية المتسارعة، كما تسهم البحوث بشكل مباشر في دعم جهود الشرطة لنشر الوعي الأمني، إذ غالبًا ما تسلط الضوء على الظواهر المستجدة مثل الجرائم الإلكترونية، مما يوجه التوعية الأمنية نحو قضايا أكثر دقة، ويسهم أيضًا في تطوير الخدمات المجتمعية من خلال ابتكار طرق أسهل وأكثر كفاءة لتقديم الخدمات الشرطية للمواطنين والمقيمين.
وأشار المقدم خليفة إلى أنَّ التقييم في هذه المسابقة لا يقتصر على محتوى البحث فحسب، بل يرتكز على تكامل مهارات الكتابة والتحليل العلمي، حيث يتم فحص المنهجية المتبعة، وسلامة الاستدلال، وقدرة الباحث على ربط البيانات بالواقع العملي، مما يضمن خروج بحوث ذات قيمة أكاديمية وتطبيقية عالية، موضحا أن اللجنة المنظمة تضع معايير صارمة لضمان العدالة والشفافية، حيث تخضع جميع البحوث لعملية "التحكيم التعموي" Blind Review))، يتم من خلالها إخفاء هوية الباحثين ورتبهم عن المقيمين، وتتشكل لجان التحكيم من نخبة من الأكاديميين من الجامعات العمانية بالتعاون مع خبراء ميدانيين من شرطة عُمان السلطانية، لضمان تقييم محايد يوازن بين النظرية والتطبيق.
وأكد خليفة العميري مدير مركز البحوث والدراسات أن المسابقة تمثل جسرًا متينًا لتعزيز الشراكة مع المجتمع، حيث تفتح آفاق التعاون مع الباحثين والأكاديميين والمؤسسات العلمية حيث يساهم هذا التفاعل في بناء رؤية أمنية مشتركة من خلال تشخيص التحديات واقتراح الحلول، مما يعزز من مفهوم "كلنا شرطة".
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
كلمات دلالية: البحث العلمی
إقرأ أيضاً:
الحوكمة: خيار إداري أم ضرورة وطنية؟
د. سلطان العيسائي
أصبحت الحوكمة أحد المفاهيم المحورية في بناء المؤسسات الحديثة، لما تُمثله من إطارٍ يعزز كفاءة الأداء، ويرسّخ مبادئ الشفافية والمساءلة، ويدعم الاستخدام الأمثل للموارد والإمكانات بما يحقق الاستدامة المؤسسية والتنموية. وفي ضوء التحولات الإدارية والاقتصادية المتسارعة، برز الاهتمام بالحوكمة بوصفها أداةً استراتيجية لرفع كفاءة الدول وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية المستدامة وبناء الثقة المؤسسية. ومن هذا التوجه، جاء إدراج الحوكمة ضمن المحاور الرئيسة في رؤية "عُمان 2040"، بما يعكس التوجه نحو ترسيخ الإدارة القائمة على الكفاءة والاستدامة والفاعلية المؤسسية.
وفي البيئة العمانية، لا يمكن النظر إلى الحوكمة بوصفها خيارًا إداريًا يمكن الأخذ به أو تجاوزه، بل باتت ضرورة وطنية تفرضها طبيعة المرحلة القادمة، وما تتطلبه من رفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز جودة الخدمات، وتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، فالدول الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم مواردها، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الموارد بكفاءة وفاعلية واستدامة.
وقد أكدت رؤية "عُمان 2040" هذا التوجه من خلال التركيز على مبادئ الحوكمة المؤسسية، والشفافية، والمساءلة، ورفع كفاءة الجهاز الإداري للدولة، وتحسين جودة الأداء المؤسسي، كما ارتبطت الحوكمة في الرؤية بمستهدفات تتعلق بتحسين التنافسية العالمية، وجذب الاستثمار، ورفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز النزاهة المؤسسية.
وتشير العديد من المؤشرات الدولية إلى وجود علاقة مباشرة بين تطبيق الحوكمة وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار المؤسسي، فوفقًا لتقارير البنك الدولي المتعلقة بمؤشرات الحوكمة العالمية، فإن الدول التي تحقق مستويات مرتفعة في الشفافية والمساءلة وسيادة القانون غالبًا ما تتمتع بمعدلات أعلى في جودة الخدمات العامة، والاستقرار الاقتصادي، وجاذبية الاستثمار. إلى جانب ذلك، فإن تقارير التنافسية العالمية تُظهر أن كفاءة المؤسسات تُعد من أهم العوامل المؤثرة في تقدم الدول اقتصاديًا وتنمويًا.
وعلى المستوى المحلي، شهدت سلطنة عُمان خلال السنوات الماضية خطوات متقدمة في تطوير منظومة الحوكمة، سواء من خلال تحديث التشريعات، أو إعادة هيكلة بعض المؤسسات، أو التوسع في التحول الرقمي، أو تعزيز الرقابة المالية والإدارية، كما برز الاهتمام بتحسين كفاءة الأداء الحكومي، وتسريع الإجراءات، وتطوير الخدمات الإلكترونية، بما يعكس توجّهًا واضحًا نحو بناء مؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
وفي قطاع التعليم العالي، تبرز الحوكمة الجامعية بوصفها أحد المرتكزات الرئيسة لتطوير الأداء الأكاديمي والإداري، من خلال تعزيز كفاءة اتخاذ القرار، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وتحقيق التوازن بين الاستقلالية المؤسسية والمسؤولية التنظيمية، فضلًا عن ذلك، فإن جودة الجامعات لم تعد تُقاس بمخرجاتها التعليمية فحسب، وإنما بقدرتها على بناء منظومات إدارية فاعلة تستند إلى أسس الحوكمة الرشيدة، بما يسهم في رفع الكفاءة المؤسسية وتحقيق الاستدامة والتنافسية.
وتسهم الحوكمة بصورة مباشرة في بناء الثقة بين المؤسسة والمجتمع، وهي قضية جوهرية في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، فكلما ارتفعت مستويات الوضوح والمساءلة والعدالة في اتخاذ القرار، زادت ثقة الأفراد بالمؤسسات، وارتفعت مستويات الرضا والاستقرار المؤسسي.
ومن جانب آخر، فإن غياب الحوكمة أو ضعف تطبيقها يؤدي غالبًا إلى تضارب الصلاحيات، وضعف الكفاءة، وهدر الموارد، وبطء اتخاذ القرار، وهي تحديات قد تؤثر بصورة مباشرة على جودة الأداء والتنمية، ومن هذا المنطلق؛ تُشكّل الحوكمة إطارًا تنظيميًا يهدف إلى ضبط العلاقة بين الصلاحيات والمسؤوليات؛ لتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي ورفع مستوى الفاعلية والشفافية في بيئة العمل.
إن التحولات الوطنية الكبرى التي تشهدها سلطنة عُمان تجعل من الحوكمة ضرورة استراتيجية لضمان استدامة التنمية وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، فنجاح الرؤى الوطنية لا يعتمد فقط على وضوح الخطط، بل على وجود مؤسسات قادرة على التنفيذ بكفاءة، واتخاذ القرار بفاعلية، وإدارة الموارد وفق مبادئ الشفافية والمساءلة.
وعليه، فإن السؤال اليوم لم يعد: هل نحتاج إلى الحوكمة؟ بل كيف يمكن تعميق ثقافة الحوكمة وتحويلها إلى ممارسة مؤسسية يومية تُسهم في بناء جهاز إداري أكثر كفاءة، ومؤسسات أكثر قدرة على التكيف والاستدامة، ودولة أكثر جاهزية للمستقبل.