صحراء الإمارات.. ملهمة المبدعين
تاريخ النشر: 15th, February 2026 GMT
هزاع أبوالريش
هناك العديد من المؤلفات والإصدارات الأدبية التي لامست شغاف صحراء الإمارات، وتأثر كتابها من الطبيعية المحلية وتجليات مكوناتها البديعة، ما جعلهم ينسجون أعمالهم الأدبية بحبكة رونق الصحراء، وبهاء الطبيعة الخلابة التي أسرت مخيلتهم، وشكلت في داخلهم ذلك الحس الأدبي الرفيع ليبدعوا أعمالهم المُلهمة ساردين تفاصيل التفاصيل، معبرين عن ذلك الامتداد الذي أصبح مرجعاً مهماً للإلهام والانسجام والراحة والطمأنينة.
وفي هذا الشأن يقول الدكتور عبدالله العوضي، كاتب وباحث: «تعتبر صحراء الإمارات مصدراً مهماً ومُلهماً للعديد من المبدعين، والحقيقة هناك الكثير منهم تميّز بأعماله الأدبية والفنية التي تناولها بهذا الجمال المبهر، صحراء الإمارات تمثل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية التي تسكن في نفس الأفراد، فما بالك بالمبدع الذي يستشعر بجمالية هذه المناظر الطبيعية والتي تشكّل له جزءاً مهماً من الإلهام. لافتاً، هناك العديد من المبدعين الذين تأثروا من جمالية الصحراء ومن أبرزهم سلطان بن علي العويس الذي كتب عن الصحراء وتراثها وأسهب بإبداعاته مغذياً وجدانية الناس، وأرفف المكتبات بأعمال تُعد مرجعاً للتاريخ الوطني والأجيال القادمة».
ويقول خالد العيسى، كاتب وشاعر« إن الصحراء في الإمارات تعبّر واحدة من أهم المعالم الطبيعية في المنطقة، حيث أعطى هذا الامتداد الصحراوي المبدعين هاجساً لنسج أعمالهم الأدبية باحترافية عالية وجودة فكرية تلامس الآخرين بشفافية المعنى وعفوية المفردة التي تعبّر عن مدى هذا الجمال الطبيعي الفريد». كما ندرك من هذه الطبيعة والإبداع أن الصحراء الإماراتية ليست مجرد مكاناً جغرافياً، بل هي مصدر مُلهم للمبدعين، وهذا ما نشاهده من الأعمال والمؤلفات والإصدارات والفنون التشكيلية والقصائد والأغاني والدراسات، التي عبّرت جميعها عن هذه اللوحة الربانية الأنيقة التي حظينا بتفاصيلها، وساهمت في تشكيل مجتمع غني بالقيم والتقاليد المتنوعة التي تعد مرجعاً مُلهماً للآخرين.
وأوضحت مريم الرميثي، كاتبة، أن الصحراء في الإمارات جزءاً من الحالة الإبداعية والمشهد الثقافي، الذي يُعد مصدراً لإنتاجية ثقافية إبداعية مهمة، وأن الأعمال التي تضمّنت صحراء الإمارات في الأساس أعمالاً معرفية تعليمية للأجيال القادمة ومرجعاً مهماً للذين يريدون البحث في زوايا الوطن، ويغوصون في تفاصيل المنطقة، خاصة أن الأعمال التي تطرقت للصحراء الإماراتية في الأساس أعمالاً وطنية. مشيرة إلى أن الصحراء، أعطت للأدب جماليته السردية سواء في الروايات أو القصص أو القصائد أو الأعمال الأخرى من الفنون التشكيلية والموسيقى فجميعها تصب في معين الحراك الثقافي، وتعطي للمبدعين الفرصة على استلهام أعمالهم من هذا الامتداد الواسع والرحب الذي يغذي النفس والعقل ويجعل للإبداع رونقاً يحمل جمالية المكان.
وأوضح محمد نور الدين، كاتب وباحث، أن الصحراء تعتبر إحدى مفردات المكان الأكثر حضوراً في نصوص المبدعين الأدبية، وهي منذ القدم سطرت علاقة منفردة بامتياز مع الإلهام الفكري، هذا الامتداد الواسع والمفتوح، ما دفع المبدع لأن يكون حاضراً، منسجماً، متناغماً مع هذا اللون الذهبي العظيم والعملاق. ربما البعض يعتقد ويتصور بأن الصحراء قاحلة وجرداء ودائماً في سكون، وإنما العكس، هو المكان المتحرك والمليء بالضجيج، والمكان الذي يرسم في مخيّلة الأفراد سر الكون، وبداياته، متضمنة سردية لا متناهية، وأينما وليت وجهك وأنت تقف في وسطها ترى ذاتك، وتشعر بقيمة حضورك، وهذا ما جعل أكثر المبدعين يكتبون عن الصحراء لأنها هي السر الخالد، وهو البوح المتجدد، والإبداع الذي يسكن في نفوس الآخرين ويكون قريباً جداً منهم. مشيراً إلى أن ثيمة الصحراء ترسم في مخيّلة المبدع، مضمون إنتاجه القادم، وتعطي له كامل الأبعاد التي سيّبدأ فيها، ويبدع مجسداً من هذه الصورة البديعة لحظة من لحظات الانغماس في الفطرة والانسجام مع الطبيعة الإبداعية والرجوع إلى معجزة الأصل. فالإنسان بطبيعته ابن المكان، والصحراء جزء من هذا الكائن الذي مهما بلغ من تطور لا يستطيع الاستغناء عن عفويته وفطرته، والصحراء تعطي الإنسان العادي هذا الإحساس العظيم، فما بالك بالمبدع حين يقترب من رمال الصحراء ويلامس أرضها، كون الإبداع الحقيقي هو ما خلفته الطبيعة.
المصدر
المصدر: صحيفة الاتحاد
كلمات دلالية: صحراء الإمارات الإمارات الصحراء عبدالله العوضي خالد العيسى مريم الرميثي محمد نور الدين البيئة الإماراتية صحراء الإمارات أن الصحراء
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.