عين ليبيا:
2026-06-02@21:59:51 GMT

مؤتمر علمي في صرح قضائي.. وصمت إعلامي لا يليق

تاريخ النشر: 15th, February 2026 GMT

حين يُعقد مؤتمر علمي حول تيسير العدالة في ليبيا داخل المعهد العالي للقضاء في طرابلس، وبمشاركة نخبة من أساتذة الجامعات الليبية وباحثيها، فإننا لا نكون أمام فعالية عابرة أو نشاط بروتوكولي، بل أمام حدث له دلالة عميقة على مستوى الدولة والمجتمع معًا. ومع ذلك، مرّ هذا الحدث المهم في المشهد العام دون الزخم الإعلامي الذي يليق بمكانه ومضمونه.

المؤتمر الختامي لمشروع “تيسير العدالة في ليبيا”، الذي نفذه مركز دراسة القانون والمجتمع بجامعة بنغازي بالشراكة مع مؤسسة فان فولينهوفن للقانون والحوكمة والمجتمع بجامعة ليدن، لم يكن تمرينًا نظريًا ولا نشاطًا نخبويًا معزولًا، بل جاء ثمرة بحث ميداني عميق حاول الاقتراب من سؤال جوهري:

كيف يصل المواطن الليبي إلى العدالة؟ ولماذا يشعر، في كثير من الأحيان، أنها بعيدة عنه؟

المكان.. رسالة لا يجوز تجاهلها

اختيار المعهد العالي للقضاء لاحتضان المؤتمر لم يكن تفصيلًا شكليًا، بل رسالة واضحة مفادها أن نتائج هذا المشروع موجهة إلى قلب المنظومة العدلية، وأن النقاش حول العدالة يجب أن يكون داخل مؤسساتها السيادية، لا على هامشها. كما أن مشاركة أساتذة من مختلف الجامعات الليبية أكدت أن المشروع ليس عابرًا للحدود فقط، بل وطني في جوهره، يستند إلى معرفة محلية وخبرة أكاديمية ليبية.

ومع ذلك، بقي هذا الحدث حبيس القاعات، ولم يتحول إلى قضية رأي عام، وهنا مكمن الخلل.

إعلام المناسبات.. لا إعلام القضايا

المشكلة ليست في غياب الإعلام بالكامل، بل في تعاطيه الموسمي مع قضايا جوهرية مثل العدالة. فالتغطية، إن وجدت، اقتصرت على خبر مقتضب أو صورة بروتوكولية، دون متابعة للأسئلة التي طرحها المشروع، أو نقاش للتوصيات التي خرج بها، أو محاولة لربطها بواقع المواطن اليومي.

العدالة ليست مناسبة تُغطّى ثم تُنسى، بل قضية مستمرة، تمس حياة الناس وحقوقهم وثقتهم في الدولة.

لماذا يهم هذا المشروع المواطن؟

لأن مشروع تيسير العدالة لم يتحدث عن النصوص من أعلى، بل عن التجربة من أسفل:

عن المواطن الذي يتردد في اللجوء إلى القضاء،

عن التعقيد الإجرائي،

عن كلفة التقاضي،

عن غياب المعلومة القانونية المبسطة،

وعن الفجوة بين القانون كما هو مكتوب، والعدالة كما تُعاش.

هذه القضايا ليست أكاديمية، بل يومية، وتجاهلها إعلاميًا يعني ترك المواطن وحيدًا في مواجهة منظومة لا يفهمها ولا يثق بها.

قناة ليبيا الوطنية.. الاستثناء لا القاعدة

وسط هذا الفراغ، لا يمكن إنكار الدور الذي تضطلع به قناة ليبيا الوطنية في مواكبة القضايا الوطنية، ومنها ملفات العدالة وسيادة القانون، حتى بات حضورها ثابتًا لا يغيب. غير أن هذا الجهد، مهما كان مهمًا، لا يكفي وحده، ولا يمكن أن يعوّض غياب باقي المنصات الإعلامية عن أداء دورها الطبيعي.

فالعدالة ليست مسؤولية قناة واحدة، بل مسؤولية إعلام وطني كامل.

خلاصة القول

عندما يُنجز بحث علمي جاد داخل مؤسسة قضائية، وبمشاركة أكاديميين ليبيين، ثم لا يُسلّط عليه الضوء، فالمشكلة لا تكون في البحث، بل في من اختار تجاهله.

الإعلام الذي لا ينقل المعرفة الجادة، ولا يفتح نقاشًا حولها، ولا يرافق توصياتها، يساهم – بصمته – في إبقاء الفجوة بين المواطن والعدالة.

فالعدالة لا تُبنى في قاعات القضاء وحدها،

بل تُبنى أيضًا في الإعلام،

وفي النقاش العام،

وفي الجرأة على طرح الأسئلة الصعبة.

وأي عدالة بلا صوت… تظل ناقصة.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.

المصدر

المصدر: عين ليبيا

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • في التأمينات.. المهلة انتهت والحقوق مؤجلة
  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • باقي 18 يوم.. ننشر جدول امتحانات الثانوية العامة 2026 لطلاب علمي وأدبي
  • ست سنوات على اغتيال القعيطي.. أسئلة العدالة لا تزال بلا إجابة
  • متى يحق لأستاذ الجامعة الحصول على إجازة تفرغ علمي؟.. القانون يجيب
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • قرار قضائي جديد بشأن دعاوى مؤخر صداق ومتعة طليقة الفنان بيومي فؤاد
  • التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
  • ضبط أداء الإعلام الرياضي": دعم المنتخب إعلاميًا خلال كأس العالم واجب وطني
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟