سياسة منع الأسوأ.. الدور المصري في أزمة تُهدِّد الإقليم بأكمله
تاريخ النشر: 15th, February 2026 GMT
د. عبدالناصر سلم حامد **
في الحروب التي تنهار فيها الدول، لا ينتصر أحد؛ الذي يحدث في الغالب أن الدولة تختفي. والسودان اليوم لا يواجه خطر الهزيمة العسكرية بقدر ما يواجه خطرًا أعمق وأبقى: أن يتحوّل إلى مساحة بلا دولة، تُدار بالعنف لا بالسياسة، وبشبكات النفوذ لا بالمؤسسات. وفي مثل هذه اللحظات، يتبدّل معيار الحكم على الأدوار الإقليمية؛ فلا يُقاس بحدّة الخطاب ولا بكثرة المبادرات، بل بقدرتها على منع الانهيار من التحوّل إلى واقع دائم.
من هذه الزاوية تُقرأ المقاربة التي اعتمدتها مصر تجاه الأزمة في السودان؛ فالسودان ليس ملفًا خارجيًا عابرًا بالنسبة إلى القاهرة، ولا ساحة نفوذ قابلة للتجريب، بل عمق جغرافي وأمني واجتماعي تتقاطع عنده الحدود، وحركة السكان، واستقرار وادي النيل والبحر الأحمر. لذلك فإن أي انهيارٍ للدولة يمتدّ في السودان لا يبقى محصورًا داخل حدوده، بل يرتدّ مباشرةً على الإقليم بأسره.
وتكشف الأرقام حجم المأزق البنيوي؛ إذ وفق تحديثٍ اقتصادي للبنك الدولي (مايو 2025)، دفع النزاع في السودان إلى نحو 12.9 مليون حالة نزوح قسري، بينهم قرابة 8.9 ملايين نازح داخليًا، ونحو 3.8 ملايين عبروا إلى دول الجوار. ولا تعبّر هذه الأرقام عن مأساة إنسانية فحسب، بل تكشف تحوّلًا بنيويًا في طبيعة الصراع؛ إذ يتحوّل النزوح نفسه إلى عاملٍ مُغذٍّ للحرب عبر شبكات تهريب واتجار واقتصاد ظلّ يجد في الفوضى بيئةً مثالية للاستمرار.
في هذا السياق، اكتسب الدور المصري في البعد الإنساني معنىً يتجاوز التضامن؛ فبحسب أرقام حكومة مصر، كما نقلتها منظمة "اليونيسف" في نوفمبر 2024، وصل إلى مصر أكثر من 1.2 مليون سوداني منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023. وفي الوقت نفسه، تُظهر بيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن عدد السودانيين المسجّلين لديها في مصر بلغ 672930 شخصًا حتى 31 مارس 2025، ثم ارتفع إلى 691000 شخص حتى أبريل 2025.
هذا التباين الوظيفي بين عدد الواصلين وعدد المسجّلين ليس تفصيلًا تقنيًا؛ بل حقيقة عملية معروفة في أزمات النزوح الكبرى: تتحمّل الدولة المضيفة العبء أولًا، فيما تأتي إجراءات التسجيل والتصنيف لاحقًا. والأهم أن إدارة هذا النزوح داخل إطار دولة تقلّص، بدرجة كبيرة، احتمالات تحوّله إلى مسارات تهريب واتجار بالبشر، أي إلى أحد أخطر مصادر تمويل العنف غير المباشر. فالفراغ الإقليمي ليس حيادًا، بل بيئة مثالية لاقتصاد الحرب.
سياسيًا.. التزمت القاهرة خطًّا هادئًا ومتزنًا، بعيدًا عن الاستقطاب والمزايدة. ولم تسعَ إلى احتكار مسار الحل، ولم ترفع خطاب الوساطة إلى مستوى الاستعراض؛ بل ركّزت على فكرة محورية: الحفاظ على مرجعية الدولة، ومنع تطبيع التفكك بوصفه واقعًا سياسيًا مقبولًا. فالأزمة السودانية ليست معركة ميدانية فقط؛ بل صراع على الشرعية وعلى من يملك حق تمثيل الدولة. والتجربة الإقليمية تُظهر أن القفز فوق المؤسسات، مهما بدت هشّة، يفتح الباب أمام سلطاتٍ موازية تتحوّل سريعًا إلى أمر واقع يصعب التراجع عنه.
وتزداد أهمية هذا الخيار حين يُقارن، من دون تسمية، بمقاربات إقليمية أخرى تعاملت مع السودان كساحة تنافس مفتوح أو كورقة تفاوض مرحلي. في مقابل ذلك، اختارت القاهرة نهجًا أقل صخبًا وأكثر التصاقًا بمنطق الدولة: تيسير لا وصاية، وربط للمسارات بدل فرض صيغ جاهزة. وبهذا المعنى، لا يكتسب الدور المصري أهميته من كونه فاعلًا منفردًا، بل من كونه جزءًا من منطق إقليمي يسعى إلى كبح الانهيارات بدل التعايش معها.
أمنيًا.. تمحور التحرك المصري حول منع تمدّد الفوضى شمالًا؛ فتحصين الحدود وتقليص قابلية المنطقة للتحوّل إلى ممرّ لتدوير اقتصاد الحرب ليس إجراءً داخليًا صرفًا، بل جزء من معادلة أوسع تتعلّق بكلفة إطالة الصراع. ففي الحروب الحديثة، لا يستمر العنف بالقوة العسكرية وحدها، بل بقدرته على الوصول إلى الموارد والتمويل والأسواق الموازية. وكلما ضاقت هذه المسارات، ارتفعت كلفة الاستمرار، حتى على أطراف الصراع نفسها.
ومن زاوية أوسع، تتسق هذه المقاربة مع ما تُشير إليه تجارب الدول الهشّة: فالتسويات التي تسبق الدولة غالبًا ما تسبق الفشل. وتاريخ الأزمات في الإقليم يُظهر أن الدول التي تُركت لانهيار مفتوح تحوّلت إلى بؤرٍ دائمة للفوضى، بينما أتاح احتواء الانهيار، ولو جزئيًا، فرصةً متأخرة لإعادة البناء. لذلك يُقاس الدور الفاعل بقدرته على تقليل قابلية النزاع للتمدّد، والحفاظ على فكرة الدولة، وامتصاص الصدمات الإنسانية الكبرى إلى حين توافر شروط تسوية حقيقية.
ويمكن النظر إلى «سياسة منع الأسوأ» بوصفها أحد أنماط إدارة الانهيار في الإقليم، حيث تُقدَّم السيطرة على مسار التفكك بوصفها أولويةً على وعود الحل السريع. ووفق هذا المنطق، لا يُقاس الدور المصري بقدرته على إنهاء الحرب- وهو معيار يتجاوز إمكانات أي فاعل إقليمي منفرد- بل بقدرته على إبطاء مسار الانهيار والحفاظ على فكرة الدولة بوصفها مرجعيةً وحيدة محتملة لأي تسوية مستقبلية. فالدولة التي تختفي لا تُستعاد بسهولة، بينما الدولة المُرهَقة قد تُرمَّم إذا توفّرت نافذة سياسية لاحقة وشروط أكثر توازنًا.
ليست «سياسة منع الأسوأ» شعارًا أو توصيفًا دعائيًا؛ بل قراءة عملية لوظيفة إقليمية في زمن الانهيار: إدارة المخاطر بدل تصعيدها، وخفض الاستقطاب بدل تغذيته، وحماية فكرة الدولة إلى أن تتشكّل نافذة واقعية للخروج من الأزمة. فحين تختفي الحلول السريعة وتغيب التسويات الشاملة، تصبح هذه المقاربة إحدى الأدوات القليلة المتاحة لتقليل كلفة التفكك ومنع تحوّله إلى نمط دائم. وفي زمن تتقدّم فيه الانهيارات على الحلول، تصبح السياسات التي تمنع الأسوأ أقلّ من أن تكون خيارًا، وأقرب إلى الحدّ الأدنى من العقل السياسي.
** كبير الباحثين ومدير برنامج السودان وشرق أفريقيا- فوكس السويد
** باحث أول في إدارة الأزمات ومكافحة الإرهاب
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
رهاب العلمانية!
رهاب العلمانية!
جمال عبد الرحيم صالح
يُعرَّف الرهاب (Phobia) بأنه حالة من الخوف الشديد والمستمر من شيء أو موقف معين، تكون أكبر من الخطر الحقيقي، وتؤثر على حياة الشخص اليومية، كالخوف من الأماكن المرتفعة أو المغلقة، أو من مقابلة الحيوانات أو الحشرات المعينة، وما إلى ذلك. ورغم أن الرهاب ظاهرة تمس الأفراد، إلا أنه يمكن أن يأخذ شكل حالة ذهنية تقع في أسرها مجموعات من الناس، جوهرها التمسك بفكرة ما تجعلهم يتصورون أن التخلي عنها يمثل أمرًا مروعًا يجلب العقاب أو الشؤم لمعتنقيها.
من ضمن أنواع الرهاب الجماعي هذا، ذلك المنحى الذي تتخذه الدعوة إلى العلمانية وفصل الدين عن الدولة في العالم الإسلامي بوجه عام، وفي السودان بوجه خاص. وإن كان الأمر في العالم الإسلامي لا يزال في مرحلة الجدل النظري حول أمر لم يُطبَّق بعد، فإن الأمر في السودان يختلف من حيث المواجهة، باعتبار أن التنظيم الإسلاموي الذي يحكم البلاد منذ ربع قرن من الزمان ربط مصيره بإنفاذ هذا المشروع، بل إنه في الواقع أشعل النيران في أركان البلاد كافة، وحشد الآلاف من المواطنين تحت راية المحافظة على ذلك المشروع.
لقد ظلت الطبقة السياسية في السودان تناهض، على الدوام، مشروع الإسلامويين بحزم في جوانبه المتعلقة بالاقتصاد والسياسة، إلا أنها تجنبت الدعوة إلى إلغاء القوانين الإسلامية لسببين، في رأينا. أولهما مخاوفها من فقدان قطاع من جماهيرها، خاصة الحزبين الكبيرين، باعتبار أن جزءًا مهمًا من هذه الجماهير انضم إليهما أصلًا لأنهما يطرحان صيغة إسلامية ما. أما السبب الآخر فهو أنهما لا يمتلكان الرؤية والإرادة اللتين تدحضان الأساس العقدي الذي قامت عليه هذه القوانين الإسلامية، أي إنهما يفتقدان الحجج التي تعينهما على كسب معركة إلغاء تلك القوانين.
لقد مثّل تنصّل الحزبين من إلغاء القوانين الإسلامية التي فرضها النميري في سبتمبر 1983، رغم تمتعهما بالأغلبية البرلمانية اللازمة، دليلًا واضحًا على قدرة الإسلاميين على ابتزازهما عن طريق الدين. وهو أمر لم يكن جديدًا في الحياة السياسية السودانية، فالإسلاميون أنفسهم، على قلة عددهم حينها، ابتزوا الحزبين نفسيهما عن طريق الدين عام 1965 لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان، والقبول بما أسموه «الدستور الإسلامي» ذلك الذي كان من المفترض أن يفرض تطبيق قوانين الشريعة، كما أعلنوا حينها، إلى أن قطع انقلاب مايو 1969 الطريق على ذلك.
لقد كان منطقيًا أن يؤدي سقوط الإسلاميين في أبريل 2019 إلى فتح الباب للتخلص من تركتهم القانونية الثقيلة، التي كانت قد أدت مسبقًا إلى تشظي البلاد وانفصال جنوبها عنها بسبب الإصرار على بقائها. بل وحتى بافتراض أن الملابسات المعقدة والموازنات الدقيقة التي أحاطت بالتغيير لم تسمح بالإلغاء، فإن الواجب كان يقتضي فتح نقاشات سياسية واجتماعية عريضة تؤسس للخطوة الأهم، وهي إلغاء تلك القوانين من ناحية، ووضع الأساس النظري الذي ينبغي أن يتأسس عليه هدف فصل الدين عن الدولة من ناحية أخرى.
بدلًا من ذلك، استمر ابتزاز الإسلاميين على حاله، كما استمر تفادي الطبقة السياسية لوضع إلغاء تلك القوانين في صدارة أجندتها. وأصبح تناول شأن هذه القوانين يتم على استحياء غير مقنع، إما عبر إضافة عبارات لا تجرح أحدًا في إعلانات المبادئ التي تتم مع حركتي الحلو وعبد الواحد، مثل إدخال تعبير «فصل الدين عن الدولة» في نص المبادئ، أو عبر إحالة الأمر إلى المؤتمر الدستوري الذي لا يعلم أحد متى سيُعقد، ومن هم المدعوون إليه، وما هي قدرته على تحقيق ذلك.
وكل هذا على الرغم من وجود حزمة من الحقائق القوية، سواء على المستويين العالمي والسوداني، تدعم الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، وتجعل ذلك ممكنًا على المستويات السياسية والفكرية والفقهية. ويمكن أن نلخص بعض سمات هذه الحقائق فيما يأتي:
على المستوى العالمي
يتصف النظام الأردوغاني البراغماتي التركي الحالي، الحاضن الرئيس للجماعات الإسلاموية، بملامح إسلاموية لا تخفى، بيد أنه يقوم على العلمانية نظريةً وممارسةً. فعلى المستوى النظري، أعلن الرئيس التركي مرارًا وبشكل علني أن العلمانية تتفق مع مبادئ الإسلام، ووقف معه في الموقف نفسه إسلاميون من الوزن الثقيل، مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو في تونس، ومهاتير محمد في ماليزيا.
أما على المستوى التطبيقي، فإن إسلاميي تركيا يطبقون قوانين تخالف كثيرًا مما ينادي به الفقه الموروث، ذلك الذي يصر إسلاميو السودان على تطبيقه. فالقانون التركي ألغى عقوبة الإعدام، كما أنه لا يحرم صناعة الخمر، ولا يجرم شربها، ولا يقطع يد السارق، ولا يجلد الزاني، سواء أكان محصنًا أم غير محصن. بل إن الأعجب من ذلك أن القانون التركي يمنع تعدد الزوجات، ويساوي بين المرأة والرجل في الميراث، ويسجن الزوج إذا اعتدى بالضرب على زوجته. كما منح القانون الزوجة الحق في رفض التواصل الجسدي مع زوجها من دون رضاها، ويُعد الضغط عليها في هذا الصدد جريمة تستوجب العقاب!
على المستوى السوداني
أما إذا نظرنا إلى الوضع التشريعي في السودان، فسنرى أن الإسلامويين أنفسهم قد تجاوزوا، في الخفاء، ما ينادون به في العلن تحت مسمى «إقامة شرع الله». فعلى صعيد المبادئ الدستورية، تنازلوا عما هو مستقر في الشريعة، وهو قاعدة الولاء والبراء، إذ أقروا منذ عام 1987، في برنامجهم الانتخابي المعنون بـ «ميثاق السودان»، مبدأ أن الحقوق والواجبات تُبنى على المواطنة. وهو تنازل انبنى عليه دستور 2005، الذي اتسم بالطابع العلماني في معظم بنوده، وخلت بنوده من مبادئ ما يسمى بالشريعة الإسلامية فيما يخص نظام الحكم كحتمية أن يكون الحاكم مسلماً ذكراً حرّاً، وتطبيق فقه الجهاد، فقه الغنائم، فقه أهل الذمة، وما إلى ذلك.
أما في مجال القوانين، فقد تجاوزوا مرجعياتهم والقواعد التي وصفوها مسبقًا بأنها تمثل إرادة السماء. ومن أمثلة ذلك:
* عطّلوا تنفيذ عقوبات بتر الأعضاء فيما يتعلق بالحدود والقصاص.
* أضاف القانون الجنائي شرطًا لم يكن موجودًا من قبل لتطبيق حد السرقة، مما جعل تطبيق ذلك الحد مستحيلًا عمليًا.
* جعل القانون تحديد قيمة الدية، في القتل الخطأ مثلًا، مرتبطًا بتقديرات رئيس القضاء، متجاوزًا القاعدة المعروفة التي تحدد الدية بمائة من الإبل، علمًا بأن القيمة المقررة حاليًا تقل عن ثمن ناقة واحدة.
* ساوى القانون بين المسلم وغير المسلم في الشهادة.
* ساوى في الدية بين المرأة والرجل، وبين المسلم وغير المسلم.
* أُجيز العمل بالفائدة المصرفية (الربا) بعد تغيير صورتها الشكلية مع بقاء جوهرها، فيما سُمي بـ «مرابحة الآمر بالشراء» وغير ذلك كثير.
بالنظر إلى كل تلك الحقائق، نرى أن تجاوز العقبات المتعلقة بمسألة العلمانية، أو فصل الدين عن الدولة، أمر قابل للتحقق من دون دفع أثمان باهظة. وكل ما هو مطلوب، في نظر الكاتب، هو الخروج من ذلك الجدل الدائري، ومخاطبة القضية الأكثر أهمية، وهي مسألة العلاقة بين الدين والقانون. فالقانون الجنائي السوداني، القائم على الشريعة الإسلامية، كما يدّعي واضعوه، هو المعضلة الأساسية. فتفادي انفصال الجنوب لم يكن يحتاج إلى أكثر من إلغاء القانون الجنائي، وكذلك الحال فيما يخص حركتي عبد العزيز الحلو وعبد الواحد محمد نور.