وزير التعليم العالي يسلم جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية للفائزين
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
شهد الدكتور عبد العزيز قنصوة، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، والدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، احتفالية تسليم "جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية"، في رحاب مكتبة الإسكندرية، تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية.
وأطلقت مكتبة الإسكندرية الجائزة بهدف تأكيد رسالتها التنويرية، والإسهام بشكل مباشر في دعم الإبداع والابتكار خاصة في الموضوعات التي تُحقق الرفاهية والسعادة للبشرية، وفاز بها كل من الدكتور حسن شفيق البريطاني من أصل مصري، وجلين باناغواس من الفلبين.
وأقيمت الاحتفالية بحضور الدكتور يسري الجمل، وزير التربية والتعليم الأسبق ورئيس لجنة تحكيم مشروعات جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية، والكاتب الكبير محمد سلماوي، عضو اللجنة العليا لجائزة مكتبة الإسكندرية العالمية، والدكتور محمود هاشم، عضو اللجنة العليا لجائزة مكتبة الإسكندرية العالمية، ولفيف من الدبلوماسيين ورؤساء الجامعات وكبار المسئولين والمثقفين والإعلاميين.
وأعرب الدكتور عبد العزيز قنصوة عن سعادته بالتواجد في مكتبة الإسكندرية هذا الصرح الثقافي العالمي الذي لم يكن يومًا مجرد مكتبة تضم الكتب بل رمزًا للمعرفة، ومنارة للفكر، وجسرًا للحوار بين الحضارات، مثمنًا إقامة هذا الحدث تحت رعاية من الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية، بما يعكس إيمان الدولة المصرية العميق بقيمة العلم والابتكار، ودورهما في بناء الإنسان وتحقيق التنمية المستدامة.
وأكد الوزير أن جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية تمثل خطوة نوعية في مسار دعم الإبداع العلمي والفكري، وتأكيدًا على أن مصر كانت وستظل حاضنة للعلماء والمبدعين، وداعمة لكل جهد يسهم في رفاهية الإنسان وسعادته.
ولفت وزير التعليم العالي إلى أن تخصيص الدورة الأولى من الجائزة لتطبيقات التكنولوجيا الخضراء يبعث برسالة واضحة مُفادها أن مستقبل البشرية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على تحقيق التوازن بين التقدم العلمي والحفاظ على البيئة، فالتكنولوجيا لم تعد ترفًا، بل أصبحت أداة أساسية لمواجهة التحديات العالمية، وعلى رأسها تغير المناخ، وأمن الطاقة، والعدالة البيئية، مشددًا على أن دعم المبادرات المعنية بالعلم والمعرفة والابتكار يأتي في صميم رؤية مصر 2030، التي جعلت من بناء اقتصاد معرفي متطور هدفًا استراتيجيًا للدولة، فالمستقبل يُصنع بالعلم، والتقدم يتحقق بتوطين التكنولوجيا وتعميق البحث العلمي وتعزيز الشراكات الدولية الفاعلة.
وأشار الدكتور عبد العزيز قنصوة إلى مواصلة العمل على ترسيخ التكامل بين مؤسسات الدولة والجامعات والمراكز البحثية وقطاعات الصناعة، لضمان تحويل الأفكار المبدعة إلى تطبيقات عملية تسهم في خدمة المجتمع، وتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز تنافسية مصر إقليميًا ودوليًا، لافتًا إلى أهمية أن تكون الجامعات بمثابة منصات لإنتاج المعرفة وتداولها، ومراكز لنقل التكنولوجيا، وحاضنات للابتكار وريادة الأعمال، وجسورًا للتواصل مع الصناعة والمجتمع المدني، مؤكدًا أن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ستعمل على دعم التحول نحو جامعات ذكية ومبتكرة قادرة على توظيف التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في تطوير العملية التعليمية والبحثية، وتعزيز ثقافة التعلم مدى الحياة، وإتاحة المعرفة للجميع بصورة عادلة ومستدامة، بما يسهم في بناء مجتمع واعٍ قادر على التفكير النقدي والمشاركة الفاعلة في صناعة المستقبل.
وقدم الوزير التهنئة للفائزين وهما الدكتور حسن شفيق، والسيد جلين باناغواس، باعتبارهما نموذجين ملهمين للعلم الذي يتجاوز حدود الجغرافيا، ويضع الإنسان في قلب اهتماماته، مثمنًا الإسهامات العلمية للفائزين التي تُجسد كيف يمكن للبحث العلمي أن يتحول إلى حلول واقعية تُحسن جودة الحياة، وتدعم الفئات الأكثر احتياجًا، وتفتح آفاقًا جديدة للتنمية المستدامة، موضحًا أن جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية ليست مجرد تكريم، بل هي دعوة مفتوحة لكل باحث ومفكر ومبدع بأن يجعل من العلم رسالة، ومن الابتكار مسئولية، ومن خدمة الإنسانية هدفًا أسمى، مقدمًا الشكر والتقدير إلى مكتبة الإسكندرية وإدارتها، واللجنة العليا ولجنة التحكيم، وكل من أسهم في إنجاح هذه الدورة المتميزة.
وتحدث الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، عن نشأة مدينة الإسكندرية التي استقطبت الباحثين عن أمل جديد لحضارة جديدة، ومكتبتها القديمة التي لم تصنعها حضارة بعينها، بل كانت هي التي صنعت هذه الحضارة، وشكلت نافذة علمية وثقافية تطل منها هذه الحضارة البازغة على الدنيا.
وأكد زايد أن المكتبة الجديدة قد ظهرت إلى الوجود في سياق عالم يسعى الى السلام، وتأسست المكتبة الحديثة لتكون مكتبة عالمية. ولقد لعبت هذا الدور باقتدار خلال ثلاثة وعشرين عامًا، والآن تتوج هذا النجاح بأن يكون لها هذه الجائزة العالمية التي نحتفل اليوم بنسختها الأولى.
وعن جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية والهدف من إطلاقها، أكد زايد أن التاريخ العريق لمكتبة الإسكندرية يمنح الجائزة أهمية خاصة، ويمُكنها من أن تستمر قوية، فهي تكتسب أهميتها وانتشارها من قوة التاريخ، ومن نوعية الرسالة التي تحملها المكتبة الى العالم، لذا فإنها لن تقدر بقيمتها المادية فقط، وانما بمعناها ورمزية المؤسسة التي تمنحها.
وتقدم زايد بالتهنئة للفائزين، والشكر للداعمين للجائزة وكل من ساهم في إنجاح هذه الدورة. كما دعا الحضور للوقوف دقيقة حدادًا على روح الأستاذ الدكتور مفيد شهاب؛ أستاذ القانون الدولي ورئيس اللجنة العليا لجائزة مكتبة الإسكندرية العالمية الذي وافته المنية صباح اليوم.
وقال الكاتب الكبير محمد سلماوي، عضو اللجنة العليا لجائزة مكتبة الإسكندرية العالمية، إن الجائزة تأتي لتعزز البحث العلمي والابداع الفكري والثقافي في الموضوعات التي تلمس جوهر التقدم الإنساني والرفاهية البشرية وتسهم في تقديم حلول ابتكارية للتحديات المعاصرة.
وأكد أن فلسفة الجائزة تقوم على ثلاثة محاور استراتيجية هي ترسيخ قيم التعددية الثقافية كمنطلق للتفاهم الإنساني، ودعم الابتكار العابر للتخصصات والذي يجمع بين الأصالة التاريخية والمعاصرة العلمية، وتفعيل الرسالة التنويرية لمكتبة الإسكندرية عبر تحفيز العقول التي تسعى لتحقيق السعادة البشرية من خلال المعرفة الرصينة، لافتًا إلى أن اللجنة العليا للجائزة تؤكد أهمية أن تضاف الجائزة لجوائز الدولة التي تتمتع بالشفافية والنزاهة، مؤكدًا أن لجنة التحكيم شكلت لتتمتع باستقلالية كاملة. وشدد على أن مكتبة الإسكندرية تؤكد من خلال هذه المبادرة التزامها التاريخي والأكاديمي بأن تظل بوصلة للبحث الجاد وميدانًا للتلاحق الفكري العالمي.
وأكد الدكتور يسري الجمل، وزير التربية والتعليم الأسبق ورئيس لجنة تحكيم مشروعات جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية، أن لجنة تحكيم الجائزة تعمل وفقًا للقيم التي حددتها اللجنة العليا للجائزة، وهي عدم التمييز العرقي أو السلالي أو الديني، وتقدير العلم والفكر والابتكار والمعرفة بأنواعها المختلفة، واحترام كل الآراء والتوجهات الفكرية والثقافية، والشفافية والنزاهة والتحكيم العادل، وأن تعكس الجائزة التوجه الإنساني والثقافي لمكتبة الإسكندرية.
وأضاف أن أعضاء اللجنة اتفقوا على تحديد عشرة معايير ذات أوزان متساوية لتقييم الأعمال، وقامت اللجنة بإعداد قائمة قصيرة بأفضل خمسة مرشحين لتقديمها للجنة العليا للجائزة، وأوصت اللجنة أن يتم منح الجائزة مناصفة بين المرشحين الأول والثاني للتقارب الشديد بينهما في التقييم وتقديرًا لجهودهما في مجال الجائزة، وهم: الدكتور حسن شفيق لمساهماته العالمية في التكنولوجيا الخضراء والاقتصاد الدائري والابتكار المستدام لتعزيز رفاهية وسعادة الإنسان، والسيد جلين باناغواس الذي سخر العلوم لخدمة الفئات الفقيرة والمهمشة المتأثرة بتغير المناخ، كما طور وقود طيران مستدام.
وفي كلمته، أكد الدكتور حسن شفيق أنه يشرفه الوقوف في رحاب هذا الصرح الحضاري العريق، مكتبة الإسكندرية، لتسلُّم جائزتها العالمية في دورتها الأولى، واصفًا اللحظة بأنها بالغة الاعتزاز والفخر لما تحمله الجائزة من قيمة علمية ومعرفية رفيعة ودلالة عظيمة، إذ يأتي هذا التكريم من صرحٍ ارتبط اسمه بتاريخ الإنسانية الفكري، وكان ولا يزال رمزًا خالدًا للمعرفة، مضيفًا أن هذا التكريم يزداد شرفًا لكون الجائزة تُقام تحت رعاية فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية، وهو ما يعكس إدراك الدولة المصرية العميق لقيمة المعرفة والابتكار وإيمانها بأن الاستثمار في الإنسان والعلم والثقافة يمثل الركيزة الأساسية لبناء مستقبل مستدام.
وبيّن أن تخصيص الدورة الأولى من الجائزة لتطبيقات التكنولوجيا الخضراء لتحقيق الرفاهية والسعادة للإنسانية يحمل رسالة واضحة ترتكز على الابتكار في التقنيات الخضراء الداعمة لرفاه الإنسان وجودة حياته، مع الحفاظ على كوكب الأرض، مشيرًا إلى أن هذه التقنيات تسهم في بناء مدن أنظف ومجتمعات أكثر صحة، وتوفر فرص عمل جديدة وتعزز النمو الاقتصادي الشامل، فضلًا عن تحسين جودة الحياة عبر الهواء النقي والمباني الذكية والتنقل المستدام والحلول الرقمية التي تقرّب بين الناس دون الإضرار بالبيئة، لافتًا إلى أن التقنيات الخضراء لم تعد خيارًا بل أصبحت ضرورة حتمية في ظل ما يشكله التغير المناخي من أحد أكبر التحديات التي تواجه البشرية، فالعالم شهد خلال العقد الماضي أعلى درجات حرارة مسجلة في التاريخ، وما لذلك من تأثير مباشر على الأمن الغذائي وتوافر المياه والصحة العامة وأنظمة الطاقة والإنتاجية الاقتصادية.
وأكد الدكتور حسن شفيق أن الأمل يظل قائمًا والمسئولية مشتركة، داعيًا إلى العمل المشترك وتعزيز التعاون بين التخصصات العلمية، وتشجيع قادة الصناعة على الاستثمار في الابتكار المستدام، وحث صانعي السياسات على تبني رؤى طويلة الأمد، ومطالبة المؤسسات التعليمية بإلهام الأجيال القادمة، موضحًا الدور المتنامي للمؤسسات الثقافية والعلمية في دعم البحث والابتكار وتعزيز الوعي المجتمعي، مشيرًا إلى ما تمثله مكتبة الإسكندرية كنموذج رائد من خلال مبادراتها وبرامجها المعرفية المتنوعة.
ومن جانبه، أكد السيد جلين باناغواس، أن هذا التكريم يمثل لحظة شرف عميقة لا تخصه وحده بل تعكس إيمانًا جماعيًا بقوة العلم والدبلوماسية في تغيير حياة البشر، مشيرًا إلى أن وقوفه داخل هذا الصرح الثقافي العريق يمنحه شعورًا بالتواضع والامتنان باعتباره منارة إنسانية للمعرفة والحوار الحضاري، موضحًا أن الجائزة، التي تقام تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تعكس إدراكًا رسميًا لقيمة العلم والابتكار في بناء مستقبل مستدام، مثمنًا دور القائمين عليها في ترسيخ ثقافة التميز وخدمة المجتمعات، ومشددًا على أن رحلته المهنية تشكلت عبر مزيج من النجاحات والإخفاقات قائلًا: "إن السقوط لا يعرّف الإنسان بقدر ما يعرّفه قدرته على النهوض مجددًا".
وأشار إلى أن مبادراته في مجالي "العلوم من أجل الخدمة" و"دبلوماسية العلوم" انطلقت من قناعة راسخة بأن المعرفة يجب أن تتحول إلى أدوات عملية لدعم المجتمعات الأكثر احتياجًا، وتعزيز التضامن الإقليمي والدولي في مواجهة تحديات المناخ والأزمات العالمية.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالألقاب أو الإنجازات التقنية، بل بقدرة الإنسان على إلهام الآخرين وخدمتهم، داعيًا إلى التمسك بقيم اللطف والتواضع والتسامح بوصفها الأساس الحقيقي لأي إرث إنساني يبقى عبر الأجيال.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: التعليم التعليم العالى وزير التعليم العالي عبد العزيز قنصوة الإسكندرية مكتبة الإسكندرية جائزة مكتبة الإسكندرية العالمية جائزة مکتبة الإسکندریة العالمیة التعلیم العالی الرئیس عبد تحت رعایة الجائزة ت ا إلى أن فی بناء التی ت على أن
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.