صدى البلد:
2026-06-03@03:37:30 GMT

عصام محمد عبد القادر يكتب: النرجسية

تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT

يصعب أن ننكر ماهية حب الذات، وتوازن الأنا؛ فهذا أمر مشروع، يتحقق على إثره مزايا الاتزان الانفعالي، ويخلق مناخًا إيجابيًا للفرد؛ إذ يستطيع أن يعزز لديه مفهوم العطاء، والعمل بجد، واجتهاد من أجل بلوغ أهداف مشروعة، قد لا تتوقف ثمرتها عليه فقط، بل، يصبح النفع العام منها هو الأبقى أثرًا؛ لكن عندما تتزايد معدلات العُجْب أو الزَّهْو، أو الوصول إلى عتبة الأنانية، بما يؤكد على أن مشاعر الإنسان قد أضحت مجمدة؛ فإن الأمر بات يعبر عن مغزى يسمى بالنرجسية.


أعتقد أن طبيعتنا الإنسانية تنحو تجاه ما فطرنا عليه من خصائص مشتركة، يأتي في هرميتها التعاطف الوجداني، الذي يعد مقومًا رئيسًا للتماسك المجتمعي بكل أنماطه، وهذا يساعد على تعزيز ممارسة الأخذ، والعطاء، وتعضيد أطر التعاون، وتحسين سبل الشراكة؛ ومن ثم فإن ذلك يسهم في خلق حالة من الاندماج، التي نرصدها في استقرار المجتمعات المتفاعلة؛ إذ تشاهد صورًا من الإيثار باعتباره من ملامح الرقي البشري؛ لكن النرجسية ترفض ما تقدم سرده جملة، وتفصيلًا.


النرجسي له رؤى، وقناعات، تستمد من ضبابية المشهد بالنسبة له؛ فالجميع بالنسبة له أدوات، يحاول أن يوظفها من أجل أن يصل إلى ضالته، أو يحقق مآربه، ويتضح ذلك من خلال إنكار جهود الآخرين، وتعظيم ما يؤديه من مهام، ولو بسيطة؛ لذا لا ينتظر تعزيز الغير، بل، يطلبه؛ ليشعر بالزَّهْو، وهذا النوع من البشر يتأكد في داخله أمر يؤمن به؛ ألا وهو ضعف ذاته الأصيلة، وهشاشتها؛ ومن ثم فإنه يدرك عيبه، ويعمل على ألا يكشفه أحد من محيطه، وبناءً عليه فإنه يجاهد، ويكابد؛ كي يجمل الصورة، أو يصنع أخرى مزيفة؛ ليبدو لناظريه أنه يتسم بجميل التصرف، وحسن الصنيعة، وكمال الرؤية.
الذات النرجسية لا تتوقف عن صناعة الوهم، عبر الحديث عن إنجازات، لا تمت للواقع بصلة، ولا تتخلى عن فكرة التضخيم، والتهويل لجذب مسامع، أو أنظار الآخرين، ولا تتورع عن سخافة استحقاقية التقدير، كونها تمتلك من السمات المتفردة، ما لا يحوزه غيرها، وبالطبع لا معنى من التعاطف تجاه من يعاني الألم، أو الخذلان، أو يواجه من التحديات، ما لا تطيقه الجبال، وهذا لفقد نعمة الإحساس، واستبدالها بمشاعر التبلد، والبرود، وفي المقابل تقوم ثورته تجاه من يحقق النجاح، أو يحرز تقدمًا ملموسًا في مسيرة حياته العطرة؛ فترصد التحاسد، والتباغض، يفوح من جنبات أحاديثه المكررة في جملتها.


الشخص النرجسي نتعرف عليه من خلال بوابة النقد؛ فهو لا يتقبله، ولا يسمح به، ولا يعترف مطلقًا بسلبيات لديه، وترصد أن كافة تعاملاته بصورها المتباينة، تقوم على النفعية، دون غيرها؛ فلا يستوعب قاموسه فكرة العطاء، ولا يعي أهمية غرس بذور الخير؛ فكل شيء من وجهة نظره لها ثمن، وعند النقاش يحاول أن يستأثر بخيط الحديث؛ ليخلق المعجبين به، ويستوقف من يرغب في تبادل الحوار؛ ومن ثم ينسحب من موقف، يظهر لديه ضعفًا، أو يقلل من مكانته المرسومة في خلده.


تعالوا بنا نتيقظ تجاه من يقع فريسة للنرجسية منذ المهد؛ فنعمل عن قصد على تحويل ثقافة الإعجاب إلى لغة التقدير، والامتنان للآخرين؛ ومن ثم نهجر آليات المدح القائمة على امتلاك مهارات بعينها، ونتمسك بمدح السلوك، والأداء المعبر عن جهد مفعم بجمال حسن الخلق؛ فنصنع شخصية تحوز فلسفة الثقة بالذات، وبالطبع ينبغي أن نلهب مشاعر الإحساس بالآخرين، بواسطة المواقف المؤثرة، حتى يتخلى الفرد عن تعاطفه حول نفسه، وتوجيه وجدانه نحو من يستحق أن نشاركه اللحظة.


شركاء التربية يقع على عاتقهم التضافر، من أجل إمداد الفرد بالمعارف القويمة، التي تؤكد في معانيها على تقدير الذات، والآخرين، وحب النفس بالقدر المعتدل، وتعزيز لغة التواضع، وتفضيل الخدمة العامة عما سواها؛ ومن ثم نعضد مسيرة الاحتواء؛ كي لا تتحول النرجسية إلى ثقافة يكتسبها جيل، بات رهينا للرقمنة في عالم، يعج بالمفاهيم المشوبة.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.

طباعة شارك حب الذات العطاء الأنانية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: حب الذات العطاء الأنانية ومن ثم

إقرأ أيضاً:

ماليزيا تنتقد إلغاء النرويج صفقة أسلحة وتشكك في موثوقية الاتفاقات الدولية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

صعّدت ماليزيا من لهجتها تجاه قرار النرويج إلغاء صفقة تسليح موقعة بين البلدين، معتبرة أن الخطوة لا تمثل مجرد خلاف تجاري، بل تطرح تساؤلات أوسع حول استقرار الالتزامات الدولية.

وقال وزير الدفاع الماليزي محمد خالد نور الدين إن إلغاء الصفقة يثير مخاوف بشأن مستقبل الثقة في الاتفاقيات والشراكات الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن الدول الأصغر غالبًا ما تتحمل تداعيات قرارات الدول الكبرى.

وكانت النرويج قد ألغت صفقة تعود إلى عام 2011 لتوريد نظام صواريخ بحرية هجومية بقيمة 2.8 مليار دولار، مبررة القرار بتعديلات في قواعد تصدير الأسلحة التي باتت تقيّد بعض الصفقات على الحلفاء المقربين.

واتهمت ماليزيا بعض الدول بتطبيق معايير مزدوجة في التعامل مع القضايا الدولية، منتقدة ما وصفته بالصمت تجاه القرار، ومشيرة إلى أزمات مثل غزة ولبنان كنماذج على عدم الاتساق في المواقف الدولية.

في المقابل، أعلنت كوالالمبور أنها تبحث عن بدائل عسكرية لتعويض الصفقة الملغاة، لافتة إلى تلقيها عروضًا من عدة أطراف، بينها مقترحات أميركية لتوفير أنظمة تسليح بديلة.

وأثارت التصريحات الماليزية تفاعلًا في منتدى شانجريلا الأمني في سنغافورة، في ظل نقاشات دولية حول مستقبل التعاون الدفاعي وموثوقية الاتفاقات العسكرية بين الدول.

مقالات مشابهة

  • د. محمد ورداني يكتب: من يحمي قطرة المياه .. الإعلام أم الجمهور؟!
  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • اغتراب الذات والقصيدة في "ظل يرتسم على المياه البعيدة"
  • السد العالي يتصدر .. أكبر 5 لاعبين سنا مشاركة في تاريخ بطولة كأس العالم
  • توقع مثير من عصام الحضري بشأن مشوار منتخب مصر في كأس العالم 2026: «هنخسر من الأرجنتين»
  • أنت كإنسان آخر ما تحتاجه التكنولوجيا.. ثم لن تحتاجك!
  • متحدثة برنامج الأغذية العالمي: لبنان يعاني أزمة أمن غذائي كبرى
  • رسميا الدولار يتراجع 13 قرشا.. وهذا سعره الآن
  • انطلاق حملة للتصدي لأجهزة الصوت والتلوث السمعي في بلقاس
  • ماليزيا تنتقد إلغاء النرويج صفقة أسلحة وتشكك في موثوقية الاتفاقات الدولية