لا تستطيع دولة مخالفتها.. مصر تثمن اعتماد رؤية وسياسة أفريقيا للمياه 2063
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
شارك د. بدر عبد العاطي وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، في الحدث الجانبي رفيع المستوى بعنوان “ضمان استدامة توافر المياه وأنظمة الصرف الصحي لتحقيق أهداف أجندة أفريقيا ٢٠٦٣”، والذي عُقد بمشاركة عدد من وزراء المياه بالدول الأفريقية، وذلك على هامش القمة الأفريقية.
أشاد الوزير عبد العاطي باعتماد “رؤية وسياسة أفريقيا للمياه ٢٠٦٣”، مشيراً إلى أن هذه الرؤية تمثل إطاراً متكاملاً لتعزيز الإدارة المستدامة للموارد المائية في القارة، خاصةً ما تضمنته من مبادئ هامة للغاية تتعلق بإدارة واستخدام الموارد المائية العابرة للحدود، وهي المبادئ التي طالما نادت بها مصر وأكدت عليها، لافتاً إلى أن اعتمادها من القمة الأفريقية يجعلها مبادئ أفريقية ملزمة لا تستطيع أي دولة أفريقية بمفردها مخالفتها أو الادعاء بعدم الالتزام بها.
وأبرز الوزير عبد العاطي المبادئ الأساسية التي أكدت عليها الرؤية، وفي مقدمتها اعتبار المياه حقاً إنسانياً وليس سلعة اقتصادية، ورفض تسليع المياه أو التعامل مع الموارد المائية المشتركة باعتبارها أصولاً سيادية أحادية، لما قد يترتب على ذلك من تعميق أوجه عدم المساواة وتهديد الأمنين المائي والغذائي، فضلاً عن حتمية التعاون الدولي في إدارة الموارد المائية المشتركة وضرورة موافقة الدول المشاطئة على المشروعات المقامة على المجاري المائية العابرة للحدود، ورفض الإجراءات الأحادية، والتشديد على الالتزام بقواعد القانون الدولي، وعلى رأسها مبادئ التعاون والتوافق وعدم الإضرار.
وأشار وزير الخارجية إلى أن مصر تعد من الدول شديدة الجفاف وتعتمد بشكل شبه كامل على مياه نهر النيل لتلبية احتياجاتها، في ظل تحديات النمو السكاني المتسارع والتوسع العمراني وتداعيات تغير المناخ.
وفي ذات السياق، أكد وزير الخارجية أن تعزيز التعاون الدولي والالتزام بالأطر القانونية الدولية والإقليمية يمثلان أساساً لتحقيق الأمن المائي والاستقرار والتنمية المستدامة في القارة، مشدداً على أن الإجراءات الأحادية وغير القانونية في إدارة الموارد المائية المشتركة لا يمكن اعتبارها نماذج ناجحة إذا كان الهدف هو تعزيز النظام متعدد الأطراف وسيادة القانون، مؤكداً التزام مصر بمواصلة العمل مع الدول الأفريقية لتعزيز التعاون القاري في مجال إدارة الموارد المائية وتحقيق أهداف أجندة أفريقيا.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: القمة الأفريقية الإدارة المستدامة للموارد المائية الموارد المائية القانون الدولي الموارد المائیة
إقرأ أيضاً:
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
تعايش وسلام اجتماعيين: رؤية سيوسولوجية.. (10)
دعبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي ومدير مركز تنمية التعايش الاجتماعي
تقدّم الرؤية السوسيولوجية النقدية لفهم أزمة التعايش الاجتماعي ومعوقات السلام في السودان مقاربة تتجاوز القراءات السياسية الضيقة واتفاقيات المصالحات السطحية، لتتشعب في تحليل البنى الاجتماعية والثقافية المستترة والظاهرة التي تنتج وتعيد إنتاج الصراع، من خلال مقاربة مفهوم الخوف بتمظهراته المتعددة بوصفه العائق الأكبر أمام تحقيق السلام المجتمعي المستدام. فـ”سوسيولوجيا الخوف” ليست مجرد انفعال تلقائي ولحظي، بل هي أداة ممنهجة سياسياً واجتماعياً يتم توظيفها بوعي لصناعة الكراهية وتعزيز الانقسامات، إذ عبر استغلال مخاوف الجماعات المختلفة – سواء كانت مخاوف وجودية مرتبطة بالبقاء، أو اقتصادية تتعلق بالكسب، أو هوياتية تتصل بالعرق والثقافة – يتم إعادة تشكيل وعي الأفراد والجماعات بشكل يحول دون قدرتهم على رؤية الآخر المختلف كشريك حقيقي في بناء الوطن والسلام.
وهنا تكمن الخطورة البالغة لهذه الآلية الخفية، فهي لا تقف عند حد التأثير النفسي العابر، بل تؤدي إلى تكريس التصنيفات المسبقة والصور النمطية المدركة ، يصبح الآخرون بأعراقهم وانتماءاتهم السياسية والثقافية والاجتماعية أهدافاً للوصم والتخوين والعداء الذي يتدرج في عنفه حتى يصل إلى درجة القتل والإبادة، وهي ممارسات تنسف في النهاية أساس المواطنة المتساوية وتهدد البناء الاجتماعي من الداخل. إن صناعة بناء الكراهية تتم بتغذية الخوف المدمر لا تستهدف فقط استبعاد الآخر، بل تعيد تشكيل وعي الجماعات بأكملها، فتجعلها تعيش في حالة استنفار وفزع وتجييش دائم تجاه كل ما هو مختلف، وتدفع نحو تبني مواقف متطرفة لا تميز بين العدو والصديق، وتهدّد عمليات التبادل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ولا تعترف بحق الآخر في الوجود المشترك، مما يغذي دوامة العنف الصراعي كبديلاً عن السلام وقبول الآخر .
ترفض الرؤية النظرة الاختزالية للحرب في السودان في لحظة محددة، بأنها ليست وليدة الخامس عشر من أبريل عام 2023 ، بل نتيجة حتمية لتراكمات تاريخية وسياسية وثقافية واجتماعية للنظم المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956، فهي ليست حدثاً طارئاً، بل هي إضافة سيئة أخرى في البنية المعقدة التراكمية للسياق الثقافي والسياسي السوداني المأزوم. هذه النظرة التاريخية تدعو إلى عدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض العاجلة لإيقاف إطلاق النار، بل تتطلب مقاربة جذرية تعالج الأسباب الهيكلية المتراكمة التي أنتجت هذا الواقع المأزوم، تلك الأسباب التي ظلت لعقود تغذي مخاوف الجماعات وتعمق الانقسامات بينها، وتجعل الدولة عاجزة عن تقديم نموذج حقيقي للعدالة والمواطنة المتساوية، فتتحول إلى ساحة لتنافس النخب على السلطة والثروة على حساب المشتركات الاجتماعية الهشة أصلاً.
ولعل مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تمثل نموذجاً يكشف هذه التحولات المأساوية للوضع الراهن؛ فهي المدينة التي اشتهرت بوصفها نموذجاً رمزياً للتسامح والتعايش وقبول الآخر، بفضل تداخلها الإثني والعرقي الفريد وتصافها الاجتماعي والثقافي، تحولت في زمن الحرب إلى مرآة مصغرة تعكس مأساة الوطن بأكمله، حيث بدأت تتجه بثقافة الحرب القذرة نحو الانهيار، وهي من المدن القلائل التي ظن الكثيرون أن معادلاتها الاجتماعية الراسخة محصنة ضد التمزق بحكم عوامل الإنتاج والتداخل الاجتماعي. المؤشرات تدلل على أن ما حدث في الأبيض لم يكن نتيجة لعوامل عارضة، بل انعكاساً لتراكمات الخوف الممنهج التي طالما غذتها السياسات الإقصائية لجماعات الحرب، فتحولت المدينة من نموذج للتنوع المتناغم إلى مسرح للاقتتال والنزوح والتهتك البنيوي، وأصيبت بعلة الحرب نحو هشاشة التعايش في غياب العدالة والاعتراف الحقيقي بالآخر، وهو ما يؤكد أن أي سلام لا يعالج جذور الخوف ويهدئ مخاوف الهوية والوجود هو مجرد هدنة مؤقتة تنتظر انفجارها في أي لحظة.
إن صناعة السلام الحقيقي في السودان لن تمر عبر الاتفاقات السياسية فقط، بل تتطلب تفكيكاً واعياً بالفكر الاستراتيجي لآليات الخوف والكراهية التي طالما غذتها النخب المتعاقبة، وصولاً إلى إعادة بناء المجتمع على أسس من العدالة والاعتراف بالآخر، وهو ما يمثل تحدياً معرفياً وسياسياً وثقافياً يتطلب جهداً مضاعفاً، لأن السلام الحقيقي لا يبنى على هدنة بين الأطراف المتنازعة فقط، بل على إعادة بناء الثقة بين الجماعات، وتفكيك عناصر المخاوف المتراكمة التي تحول دون رؤية الآخر شريكاً وليس عدواً. على الجميع أن يعمل ويسترشد بالإرادة الوطنية لإنهاء هذه الحرب العبثية المدمرة، والقيام بسلطة مدنية تعبر عن الجميع، تعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية وتؤسس لتعايش حقيقي يليق بتنوع السودان الغني وتاريخه العريق.