المفتي: السعي وراء التريند يقود إلى نشر الشائعات واغتيال الأشخاص معنويًّا
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
أكد فضيلة أ.د. نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، أن الوعي الديني المستنير هو الذي يرى في الوطن قبلة للعمل، وفي الشريعة مظلة للتعايش، وفي العلم فريضة للنهضة، مشددًا على أن بناء الإنسان في الجمهورية الجديدة يبدأ من تصحيح المفاهيم، وإعمال العقل، وترسيخ الفهم الرشيد للنصوص والواقع معًا.
جاء ذلك خلال محاضرة فضيلته بعنوان "الوعي الديني المستنير ودوره في بناء الإنسان في الجمهورية الجديدة" لطلبة جامعة سوهاج الحكومية والأهلية، بحضور سعادة الأستاذ الدكتور حسان النعماني رئيس الجامعة، وعدد من القيادات الأكاديمية وأعضاء هيئة التدريس والطلاب، وذلك بمقر دار الإفتاء المصرية.
واستهل المفتي محاضرته بالترحيب بالحضور، معربًا عن سعادته بانعقاد اللقاء في مقر دار الإفتاء المصرية، وفي توقيت يتزامن مع قرب الإعلان عن هلال شهر رمضان المبارك، مؤكدًا أن اجتماع هذا الجمع العلمي في هذه الأيام المباركة يحمل دلالة على التلاقي بين العلم والدين، وبين المؤسسات الدينية والعلمية، كما رحب فضيلته برئيس جامعة سوهاج، مثنيًا على جهوده، ومشيدًا بدوره في دعم مسيرة التعليم والبحث العلمي، وموجهًا تحية خاصة للطلاب والطالبات باعتبارهم أمل المستقبل وركيزة بناء الوطن.
وأوضح مفتي الجمهورية أن الصورة الذهنية لدى البعض عن دار الإفتاء قد تنحصر في إعلان بدايات الشهور الهجرية أو إبداء الرأي في قضايا الجنايات أو مسائل الزواج والطلاق، مؤكدًا أن الواقع يتجاوز ذلك بكثير؛ فالدار أنشأت الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، والتي تعد مظلة إفتائية عالمية تضم 111 عضوًا من 108 دول، وتعمل على تصحيح المفاهيم، ومواجهة الأفكار المغلوطة، ووضع القضايا في إطارها الشرعي الصحيح.
وذكر أن الدار تضم عددًا من المراكز البحثية والوحدات المتخصصة، منها مراكز للتدريب على إعداد المفتين وصياغة الفتوى، ومركز سلام لدراسات التطرف ومواجهة الإسلاموفوبيا، ووحدة حوار لمواجهة الأفكار المنحرفة وتصويب المفاهيم، فضلًا عن مركز إعلامي متطور، ومؤشر عالمي لرصد واقع الفتوى وتحليل اتجاهاتها، وإدارة لفض المنازعات والإصلاح الأسري.
وأكد أن منهج الدار في إصدارها للفتوى لا يقتصر على الاستناد إلى القرآن الكريم والسنة النبوية وتراث الأمة الفقهي فحسب، بل يستأنس كذلك بآراء المتخصصين في الطب والاقتصاد والقانون وسائر العلوم، خاصة في القضايا المعاصرة المرتبطة بالتطورات الطبية والتقنية، مشددًا على أن "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، وأن إصدار الفتوى يتطلب فهمًا دقيقًا لأبعاد المسألة قبل بيان حكمها الشرعي.
وأشار إلى أن دار الإفتاء كانت من أوائل المؤسسات التي استفادت من أدوات العصر، ومنها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأطلقت تطبيقات إلكترونية تخدم المسلمين في الداخل والخارج مثل تطبيق فتوى برو الموجَّه إلى المسلمين في الغرب بلغات مختلفة، إلى جانب مجلات علمية معتمدة حققت تصنيفات متقدمة على المستوى العربي.
وتحدث فضيلة مفتي الجمهورية عن أن الأزمة التي يعيشها المجتمع في المقام الأول هي "أزمة وعي"، موضحًا أن كثيرًا من المشكلات مردُّها غياب التصور الصحيح للأمور، والتسرع في إصدار الأحكام، خاصة في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، محذرًا من خطورة تداول الأخبار دون تثبُّت من مصدرها، مشيرًا إلى أن مشاركة خبر غير موثق قد تؤدي إلى اغتيال معنوي، أو هدم أسرة، أو إثارة فتنة داخل المجتمع.
وتابع : إن من أسباب غياب الوعي التسرع في اتخاذ القرار في نشر المعلومة دون تثبُّت، والجهل بمصدر المعلومة، والسعي وراء الشهرة و"الترند" دون اعتبار للآثار الأخلاقية والدينية، فضلًا عن المحاكاة والتقليد الأعمى دون إعمال للعقل الذي جعله الله مناط التكليف، مشددًا على خطورة الكلمة، مبينًا أنها قد ترفع صاحبها درجات أو تهوي به دركات، داعيًا الشباب إلى التثبت، وسؤال أهل الاختصاص، واحترام الخصوصيات، وتجنُّب الانسياق خلف الشائعات أو الانجرار وراء الرغبة في الانتشار، مشددًا على أن إعمال العقل فريضة ومسؤولية، وأن تعطيله أو إهماله يؤدي إلى خلل في الحكم على الأشياء، ومن ثم يعرقل البناء والتنمية، ويفتح الباب أمام تسرب الأفكار المضللة، وأن الوعي الديني المستنير يمثل ركيزة أساسية في بناء الإنسان في الجمهورية الجديدة؛ لأنه يجمع بين قيم الانتماء الوطني، وروح التعايش، واحترام التخصص، والتكامل بين علوم الوحي والعلوم التجريبية والعقلية.
وأشاد فضيلة المفتي ببروتوكول التعاون الذي تم توقيعه اليوم بين دار الإفتاء وجامعة سوهاج، معتبرًا أنه خطوة مهمة تعكس التلاقي بين المؤسسات الدينية والأكاديمية، وتسهم في توظيف الخبرات العلمية والتقنية لخدمة قضايا الوعي وبناء الإنسان.
من جانبه، عبر الدكتور حسان النعماني، رئيس جامعة سوهاج، عن سعادته بلقاء فضيلة مفتي الجمهورية وعلماء دار الإفتاء المصرية، معربًا عن تقديره لجهود دار الإفتاء ودورها في دعم ركائز الوسطية ومواكبة التطورات الحديثة، مؤكدًا أن الجمهورية الجديدة لا تقوم على مشروعات البنية التحتية فحسب، بل تعتمد في جوهرها على تنمية وبناء الإنسان وترسيخ قيم الانتماء، وأن جامعة سوهاج تؤمن بأن تنمية البشر تسبق تنمية الحجر، وأن التعاون مع دار الإفتاء يعزز من وعي الطلاب، ويسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الإسهام الإيجابي في المجتمع.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: مفتي الجمهورية جامعة سوهاج الأفكار المضللة الشائعات الجمهوریة الجدیدة مفتی الجمهوریة بناء الإنسان جامعة سوهاج دار الإفتاء مشدد ا على
إقرأ أيضاً:
من الكاريبي إلى المونديال.. مشروع هولندي يقود كوراساو إلى الحلم العالمي
لم يكن تأهل منتخب كوراساو إلى كأس العالم 2026 وليد المصادفة أو نتيجة طفرة عابرة، بل جاء ثمرة مشروع رياضي طويل اعتمد على المزج بين الهوية الكاريبية والخبرة الهولندية، ليحول الجزيرة الصغيرة إلى منافس قادر على مقارعة كبار القارة.
ترتبط قصة كوراساو الحديثة بتاريخ جزر الأنتيل الهولندية، إذ يعد المنتخب الامتداد القانوني والرياضي لذلك الكيان الكروي الذي اختفى بعد التغييرات السياسية في المنطقة.
ومنذ حصول كوراساو على عضوية مستقلة داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2011، بدأت ملامح مشروع جديد تتشكل بهدوء.
الخطوة الأولى تمثلت في استقطاب اللاعبين من أصحاب الأصول الكوراساوية الذين ولدوا ونشأوا داخل هولندا، مستفيدين من الروابط التاريخية والسياسية بين الجزيرة ومملكة هولندا.
هذا التوجه منح المنتخب قاعدة بشرية أكبر ومستوى فنيا أعلى، خصوصا أن عددا من لاعبيه تطوروا داخل أكاديميات ودوريات أوروبية تمتلك خبرة كبيرة في صناعة المواهب.
وبمرور السنوات بدأت النتائج تظهر تدريجيا، حيث فازت كوراساو بكأس الكاريبي عام 2017، ثم سجلت ظهورها الأول في الكأس الذهبية بالعام نفسه، قبل أن تبلغ ربع نهائي نسخة 2019 وتقترب من التأهل إلى مونديال قطر 2022.
لكن التحول الأكبر جاء مع وصول المدرب الهولندي المخضرم ديك أدفوكات مطلع عام 2024، ليقود الفريق بخبرته الطويلة في كرة القدم الدولية.
أدفوكات، البالغ من العمر 78 عاما، يمتلك سيرة تدريبية استثنائية، إذ سبق له قيادة منتخب هولندا في مونديال 1994، ثم كوريا الجنوبية في نسخة 2006، قبل أن يجد نفسه أمام تحد جديد في جزيرة صغيرة تطمح إلى صناعة المجد.
تحت قيادته تحولت كوراساو إلى فريق أكثر جرأة وفعالية هجومية، ونجح المنتخب في تسجيل 28 هدفا خلال 10 مباريات بالتصفيات، وهو رقم يعكس التطور الكبير في الأداء الهجومي والقدرة على فرض الشخصية داخل الملعب.
ورغم النجاح، لم تخل الرحلة من التقلبات ، ففي فبراير 2026 أعلن أدفوكات استقالته لأسباب شخصية مرتبطة بالحالة الصحية لابنته، ليتم تعيين فريد روتن مدربا جديدا استعدادا للمونديال.
لكن المفاجأة جاءت بعد ثلاثة أشهر فقط عندما تمت الإطاحة بروتن وعودة أدفوكات مجددا إلى منصبه، في قرار عكس حجم الثقة التي يحظى بها داخل المنظومة الكروية في كوراساو.
وتمنح هذه العودة المنتخب استقرارا فنيا مهما قبل البطولة، كما تجعل أدفوكات أكبر مدرب يقود منتخبا في تاريخ كأس العالم الممتد على مدار 96 عاما.
ولا يقتصر المشروع الكوراساوي على المدرب فقط، بل يعتمد أيضا على مجموعة من اللاعبين الذين يمثلون العمود الفقري للفريق، وفي مقدمتهم القائد لياندرو باكونا صاحب الخبرة الدولية الطويلة، وشقيقه جونينيو باكونا، إضافة إلى الهداف التاريخي رانجيلو جانغا الذي سجل 21 هدفا بقميص المنتخب.
هذا الخليط بين خبرة اللاعبين القادمين من أوروبا والروح القتالية المرتبطة بهوية الجزيرة منح المنتخب شخصية خاصة يصعب تجاهلها.
وسيكون الاختبار الأكبر عندما يبدأ المنتخب مشواره في كأس العالم بمواجهة ألمانيا في هيوستن يوم 14 يونيو، قبل لقاء إكوادور وكوت ديفوار ضمن مجموعة تبدو صعبة على الورق.
لكن كوراساو تدخل البطولة دون ضغوط كبيرة، فمجرد التأهل يعد إنجازا تاريخيا، بينما قد يمنحها غياب التوقعات فرصة للعب بحرية ومحاولة صناعة مفاجأة جديدة.