سوريا بعد الانسحاب الأمريكي: 5 أسئلة عن النفوذ والقوات المتبقية
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
بعد سنوات من الوجود الأمريكي في قلب الصحراء السورية، بدأت واشنطن بسحب قواتها من قواعد إستراتيجية كانت رموزا لوجودها المباشر في المنطقة.
هذا التحرك لم يكن مجرد نقل للقوات، بل خطوة إستراتيجية تعكس تغيير أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، وتحولات القوة على الأرض، وفرص إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية.
فماذا يعني هذا الانسحاب؟ وما تداعياته على الأمن المحلي والدور الأمريكي في المنطقة؟ وما علاقة العراق؟ في هذه المادة، نجيب على 5 أسئلة رئيسية تكشف كل ما تريد معرفته عن نهاية الوجود الأمريكي المباشر في سوريا.
أصبح الانسحاب الأمريكي من سوريا واقعا ملموسا بعد شهور من التكهنات والتوقعات، مع تنفيذ خطة مرحلية منظمة متسارعة، بدأت بإخلاء قاعدة التنف، الأسبوع الماضي، على أن يتولى حرس الحدود السوري الإشراف عليها.
وبعد ذلك، تسلمت وزارة الدفاع السورية، أمس الأحد، قاعدة الشدادي -أكبر قواعدها بشمال شرقي البلاد- بعد التنسيق مع القوات الأمريكية، ليقتصر الوجود العسكري الأمريكي بعد ذلك على قاعدتين فقط في شمال شرق سورية تخضعان لسيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد) هما:
الرميلان: وتقع في الشمال الشرقي من محافظة الحسكة قرب الحدود العراقية السورية. قصرك: وتقع على الطريق الدولي "إم 4″، الذي يربط بين محافظات حلب وإدلب واللاذقية ويصل إلى الحسكة.ويفسر محللون ذلك أن واشنطن بدأت بإعادة تموضعها العسكري بشكل واضح في المنطقة، مع اعتمادها على هذه النقاط كمراكز محدودة للوجود اللوجيستي والاستخباراتي.
وفي منتصف عام 2025، أخلت الولايات المتحدة قواعد عسكرية عدة في ريفي الحسكة ودير الزور، أبرزها حقلا العمر وكونيكو، وقاعدة تل البيادر، بعد تدمير التحصينات التي أسستها بعد الانسحاب.
تُعد قاعدتا التنف والشدادي من أبرز المواقع العسكرية الأمريكية في سورية لما لهما من أهمية إستراتيجية كبيرة على الأرض، إذ تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري/العراقي/الأردني، مما يجعلها نقطة تحكم حيوية للمراقبة والسيطرة على حركة القوات والتهريب في الصحراء السورية، واستخدمت لتدريب فصائل سورية معارضة مثل "الجيش السوري الحر".
إعلانكما كانت نقطة انطلاق للعمليات العسكرية الاستباقية ضد خلايا تنظيم الدولة الإسلامية، ومركزا لجمع المعلومات الاستخباراتية حول تحركاته في محافظتي دير الزور والحسكة، مع توفير دعم لوجيستي سريع للقوات الأمريكية والحلفاء المحليين.
أما قاعدة الشدادي التي تقع شمال شرق الحسكة، وتربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور، فقد استخدمت أيضا منذ عام 2016 كمركز رئيسي لعمليات التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة، كما كانت نقطة حيوية لتنسيق الدعم العسكري والاستخباراتي بين القواعد الأمريكية الأخرى في شمال وشرق سوريا.
وقبل إخلاء الشدادي، شهدت القاعدة نشاطا لافتا، إذ رُصد هبوط طائرات شحن أمريكية، إلى جانب تحليق مروحيات عسكرية واستخدام مناطيد للمراقبة، في إطار عمليات نقل عناصر تنظيم الدولة المحتجزين في الحسكة إلى مواقع آمنة في العراق.
أما بقية القواعد الأمريكية، مثل الرميلان وقصرك، فتمثلان حاليا نقاطا محدودة للوجود اللوجيستي والاستخباراتي بعد الانسحاب من بقية القواعد، كما أنها تسمح لواشنطن بالحفاظ على نفوذها الإستراتيجي في شمال شرق سوريا، مع القدرة على تقديم الدعم والمعلومات للحلفاء المحليين والإقليميين متى ما استدعت الحاجة.
مما يعني أن أهمية هذه القواعد لا تكمن فقط في الجانب العسكري المباشر، بل هي قادرة على التحكم الإستراتيجي في المعلومات والتنسيق مع الحلفاء، مما يجعل الانسحاب الأمريكي من القواعد خطوة مدروسة ومنظمة لتجنب أي فراغ أمني أو انهيار محتمل للتوازنات في المنطقة.
3- ما وراء الانسحاب التدريجي للقواعد الأمريكية في سورية؟
بدأت تتقاطع تصريحات مسؤولين أمريكيين حول الانسحاب الكامل من سوريا، بالتزامن مع التغيير السياسي الكبير الذي شهدته البلاد بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد.
وتضمنت التصريحات إشارات إلى المداولات الجارية داخل إدارة دونالد ترمب، والتي تتناول سيناريوهات متعددة لخفض الوجود العسكري الأمريكي، وصولا إلى الانسحاب التام، مع تقييم تداعيات ذلك على جهود مكافحة تنظيم الدولة، والتوازنات الأمنية في شمال وشرق سوريا، والعلاقات مع الحلفاء الإقليميين.
وأشار 3 مسؤولين أمريكيين إلى أن التطورات المتسارعة في سوريا، دفعت وزارة الحرب الأمريكية إلى إعادة النظر في جدوى بقاء الجيش الأمريكي خاصة بعد تراجع مواقع قوات قسد في بعض المناطق، وهو ما يضع الانسحاب الكامل ضمن الخيارات المطروحة على الطاولة.
ووفق محللين عسكريين وسياسيين، هناك عدة أسباب وراء هذه الخطوة:
تقليل العبء المالي والعسكري: كان الوجود الأمريكي في شمال وشرق سورية يتطلب آلاف الجنود وإمدادات لوجيستية كبيرة لدعم العمليات العسكرية في القواعد، الانسحاب سيقلل التكاليف مع الحفاظ على وجود إستراتيجي محدود. تغير الأولويات الإستراتيجية: تهتم الولايات المتحدة اليوم بمواجهة التحديات العالمية الكبرى، وبدأت تعتمد على الحلفاء الإقليميين والمحليين. ضمان الاستقرار الأمني المحلي: الانسحاب التدريجي يسمح للجيش السوري بإدارة التوازن الأمني ومنع أي فراغ محتمل، خاصة في مناطق شمال وشرق سوريا التي شهدت عمليات نقل عناصر تنظيم الدولة المحتجزين إلى العراق وإخلاء المخيمات. إعادة التموضع العسكري: بدلا من الانتشار على نطاق واسع، تختار واشنطن الآن التركيز على قواعد محدودة، لتبقى نقاطا لوجيستية واستخباراتية إستراتيجية، تسمح بالتدخل عند الحاجة دون تكاليف انتشار واسعة، مع القدرة على مراقبة المنطقة عن بعد. إعلان 4- ما علاقة الانسحاب من سوريا بالعراق؟لا يمكن فصل الانسحاب الأمريكي من سوريا عن سياق الانسحاب التدريجي نفسه في العراق، إذ تتداخل الأبعاد اللوجيستية والعسكرية والسياسية في كل من البلدين، وخاصة أن الوجود الأمريكي في سوريا ارتبط بقواعده في العراق.
قبل الانسحاب الأخير من العراق، سلمت واشنطن قاعدة عين الأسد الجوية في الأنبار للحكومة العراقية (يناير/كانون الثاني الماضي)، وهي نقطة عسكرية محورية بالنسبة للجيش الأمريكي، وكانت تضم قوات للتحالف بقيادة الولايات المتحدة في غرب العراق.
وسبقها تسليم قاعدة الحبانية عام 2020، ومن ثم حصل تجميع تدريجي للقوات الأمريكية في قواعد أمريكية بكردستان العراق.
وتصف واشنطن هذا الانسحاب بأنه إعادة تموضع محسوبة، وليس انسحابا مفاجئا أو كاملا، إذ ستظل على اتصال بالعراق، بهدف المساعدة وتقديم المشورة وتمكين بغداد في مكافحة الإرهاب بعد تلك الفترة، وفق تصريحات لمسؤول في وزارة الحرب الأمريكية.
وركزت خطة وزارة الحرب الأمريكية على تقليص الوجود الأمريكي في العراق ليقتصر على إقليم كردستان فقط، بحيث يبقى الوجود محدودا هناك بعد إنهاء الوجود في بقية المحافظات، مع التركيز على مهام مكافحة الإرهاب.
الانسحاب من سوريا والعراق لا يعني نهاية الحضور العسكري الأمريكي في المنطقة، بل إعادة ترتيب أوراقها بما يتناسب مع أولويات واشنطن الجديدة، وخاصة بعد نتائج الاجتماع الذي انعقد في الأردن في أبريل/نيسان الماضي، اتفق خلاله وزراء خارجية ورؤساء أجهزة الاستخبارات كل من الأردن والولايات المتحدة الأمريكية والعراق وتركيا وسوريا، على أن تكون الأخيرة مركز التنسيق الدولي لمكافحة داعش والمخاطر الإرهابية الأخرى.
وأشارت تقارير وكالة رويترز في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى خطط أمريكية لإنشاء قاعدة عسكرية قرب دمشق، في إطار دعم تنفيذ اتفاق أمني تتوسط فيه الولايات المتحدة بين سوريا وإسرائيل.
وتعكس هذه الخطط أن واشنطن تعمل على إعادة ترتيب علاقاتها الإستراتيجية مع دمشق بعد سقوط بشار الأسد، وأن الانسحاب من قواعد شمال وشرق سوريا لا يعني التخلي عن القدرة على التأثير الأمني والسياسي في البلاد.
محللون عسكريون وسياسيون يشيرون إلى أن الانسحاب من سوريا يمثل تحويل التركيز من الوجود المباشر في الأرض إلى القدرة على التأثير عن بعد، مع الاستفادة من التحالفات الإقليمية والقدرات الجوية والاستخباراتية لمراقبة التهديدات، خصوصا فلول تنظيم "داعش" والمخاطر الإرهابية الأخرى.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الانسحاب الأمریکی من الوجود الأمریکی فی الولایات المتحدة العسکری الأمریکی شمال وشرق سوریا الأمریکیة فی تنظیم الدولة الانسحاب من القدرة على فی المنطقة فی العراق من سوریا فی سوریا فی شمال
إقرأ أيضاً:
وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
واشنطن – متابعات تاق برس – قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في جلسة استماع بالكونغرس، إن السودان تحول إلى صراع بالوكالة لأن “الإمارات والسعوديين على جانبين متعاكسين فيه، وقال لدينا آلية لتقديم المساعدات للسودان ولكن المشكلة في آلية التوزيع.
وقال إنه عقد اجتماع بالأمس حول السودان، وانهم منخرطون في الازمة السودانية وأشار الى ان التعقيد والتحدي الجوهري في السودان يتعلق بتوزيع المساعدات على الأرض.
واضاف روبيو” نحن نهتم بمناطق قد لا تكون مرتبطة بمصالحنا الدولية، ولكنها تتعلّق بمصالحنا الوطنية ، السودان على سبيل المثال والرباعية كانت أمر صعب للغاية ومحبط ، للأسف تحوّل الأمر لوضع وكالة في الشرق الأوسط، تقف السعودية والإمارات على طرفي نقيض ، بذلنا جهد كبير في مؤتمر برلين وتلقينا التزامات لمرحلة ما بعد حلّ النزاع.
وأشار إلى أنهم ناقشوا مع “طرفي النزاع” تحديد 4 مناطق آمنة يمكن للناس الحصول على المساعدات الإنسانية عبرها وتتمكن المنظمات الدولية المتعاقدة مع الولايات توصيل مساعدات إليها بدون نهبها او قصفها او قتل موظفيها، وأضاف “من الأمور المحبطة لنا باستمرار هو عدم التوصل لاتفاق سلام في السودان.
وأضاف خلال جلسة استماع بالكونغرس، أن المشكلة في السودان تكمن في صعوبة توزيع المساعدات على الأرض، وتابع “ما نحاول القيام به هو تحديد 4 مناطق آمنة لتوزيع المساعدات”.
في السياق ، أكد نيك تشيكر، المسؤول الأمريكي السابق في مكتب الشؤون الأفريقية، مبادرات السلام المدعومة من واشنطن، بما في ذلك الجهود المبذولة لدعم تنفيذ اتفاقية السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، والجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الصراع في السودان.
وقال وفي كلمته في منتدى يوم أفريقيا الذي استضافته بعثة الاتحاد الأفريقي في واشنطن إن الولايات المتحدة ستسعى إلى بناء علاقة أكثر واقعية وقائمة على المصالح مع الدول الأفريقية، تركز على التجارة والأمن والاستثمار، بدلاً من أطر المساعدات والتنمية التقليدية.
وأكد الدبلوماسي الأمريكي أن الولايات المتحدة لن تسعى لإجبار الدول الأفريقية على الانحياز لأحد الأطراف في التنافس بين القوى الكبرى، بما في ذلك الصين وروسيا.
وتابع: “في غياب رابط واضح بالمصالح الوطنية الرئيسية، فإن هدفنا هو قبول الخيار الاستراتيجي لأفريقيا بالتحوط بدلاً من الانخراط في منافسة محصلتها صفر في كل مكان”.
وقال إن إدارة الرئيس دونالد ترامب تعيد صياغة انخراط الولايات المتحدة مع أفريقيا حول ما وصفه بـ”المعاملة بالمثل والاحترام المتبادل”، وتعزيز المصالح الوطنية الأمريكية.
وأضاف تشيكر: “نحن نشهد تحولاً جذرياً في العلاقة بين الولايات المتحدة والدول الأفريقية، من علاقة قائمة على التبعية إلى علاقة قائمة على التجارة والاستثمار والشراكة ذات المنفعة المتبادلة”.
وقال إن المساعدات الخارجية الأمريكية ستُقيّم بناءً على مدى تحقيقها للمصالح الأمريكية، مرددًا بذلك تصريحات سابقة لوزير الخارجية ماركو روبيو بأن المساعدات يجب أن تخدم الأهداف الاستراتيجية الأمريكية.
وأضاف: “المساعدات الخارجية ليست صدقة، بل هي أداة من أدوات الدبلوماسية الأمريكية وفن الحكم”، وفيما يتعلق بالأمن، قال تشيكر إن واشنطن ستركز جهودها على منع التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة ودعم الشركاء الأفارقة الذين يُظهرون القدرة والالتزام على مواجهة تحدياتهم الأمنية.
وأشار إلى أن الإدارة مستعدة أيضًا للتواصل مع الحكومات التي كانت معزولة سابقًا من قِبل واشنطن، مستشهدًا بتجدد التعاون مع دول منطقة الساحل.
السعودية والاماراتالسودانوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو