ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: ميزان القوى بين ترميم السيادة وتهاوي القيم
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
في لحظة تاريخية فارقة، تطل علينا تحولات المشهد الإقليمي لتكشف عن حقيقة لطالما حاول الإعلام الموجه طمسها؛ وهي أن السيادة لا تُمنح كمنحة دولية، بل تُنتزع انتزاعاً بقوة التلاحم والوعي بمتطلبات الأمن القومي. إن ما نشهده اليوم من حالة "الهستيريا" التي أصابت دوائر صنع القرار في تل ابيب، جراء التقارب الاستراتيجي بين القاهرة وأنقرة، يعيد إلى الأذهان جدلية "المنطقة بلا أنياب" التي سعى الخصوم لفرضها عقوداً طويلة.
إن الانزعاج الصهيوني من تعزيز القدرات العسكرية والتعاون الثنائي بين قوتين مركزيتين في العالم الإسلامي، ليس مجرد تخوف عسكري عابر، بل هو رعب من عودة "المحور القيمي" الذي يرفض الهيمنة. إنهم يخشون أن تستعيد المنطقة وعيها بحدودها وحقوقها، في وقت يحاولون فيه تصوير أي تقارب سني-سني على أنه تهديد وجودي، بينما الحقيقة هي أن قوة "الجيش المصري" وتطوره هي صمام الأمان الحقيقي لردع أطماع التمدد التي لم تعد تخفى على ذي بصيرة.
وفي مفارقة تكشف زيف الوجوه، نجد أن من يشنون الحروب بدعوى "الديمقراطية" و"القيم"، يعيشون في بيوت أوهن من بيت العنكبوت؛ حيث تخرج الفضائح من داخل أروقة قياداتهم لتكشف عن بخل مادي وهشاشة أخلاقية وانكسار أسري، مما يؤكد رؤيتنا في مشروعنا التربوي بأن "فساد الداخل" هو المقدمة الحتمية لانهيار الظاهر مهما تحصن بالسلاح. إن القائد الذي لا يملك زمام بيته، لن يملك أبداً زمام العدالة في العالم.
وعلى الضفة الأخرى من العالم، نرى "سرقة القرن" تتخذ أشكالاً اقتصادية مهينة؛ حيث تقبع ثروات دول كبرى في سراديب الغرب، منزوعة السيادة والقرار، في إشارة واضحة لتبعات الهزائم التاريخية التي تجعل الذهب "قيداً" لا "ذخراً". هذا المشهد يذكرنا بضرورة الاستثمار في "الإنسان الحر"؛ ذلك الإنسان الذي نسعى لبنائه في مشاريعنا الإغاثية والتربوية، إنساناً يدرك أن كرامته في استقلالية قراره وعمران أرضه بيده لا بيد غيره.
إننا أمام "سوق تفاهم" دولي، تُباع فيه مبادئ حقوق الإنسان وتُشترى، وتُقايض فيه دماء المستضعفين بمصالح نووية وصراعات بالستية. لذا، فإن العودة إلى "فقه الأولويات" أصبحت ضرورة حتمية؛ أولويات تضع بناء "المجتمعات الآمنة" وتوفير "السكن الكريم" لضحايا النزاعات فوق أي اعتبار سياسي عابر.
يا سادة، إن "بذرة الخير" التي نغرسها في وعي القارئ اليوم، هي السد المنيع أمام محاولات اختراق هويتنا. السيادة تبدأ من "ميزان العمران" في بيوتنا، وتنتهي بـ "ميزان العدالة" في مواقفنا الدولية. ولن يكون للمنطقة ثقل ما لم تدرك أن قوتها في تكاملها، وأن أمنها القومي هو خط أحمر، يُرسم بمداد العزة وبسالة المقاتل وحكمة السياسي المستنير.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: المشهد الإقليمي الإعلام الموجه التلاحم الوعي
إقرأ أيضاً:
في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
بعد الاقتصاد وبعد التماسك الداخلي نصل إلى أكثر ساحات الاستقلال تعقيدا "العلاقات الدولية"، هنا لا يكفي أن تكون قويا من الداخل، بل يجب أن تعرف كيف تتحرك في عالم لا يسمح لك أن تكون حرا بالكامل.. فالدولة التي لا تُحسن التموضع تُجبر على الاصطفاف.
أولا: وهم الحياد.. ولماذا لا وجود له؟
كثير من الدول ترفع شعار "الحياد"، لكن في الواقع الدولي الحياد الكامل نادر إن لم يكن مستحيلا، فكل دولة ترتبط بشبكات مصالح وتدخل في توازنات وتُحسب ضمن معادلات. السؤال الحقيقي ليس: هل أنت محايد؟ بل: إلى أي مدى تستطيع أن تتحرك دون أن تُقيّد؟
ثانيا: من الاصطفاف إلى المناورة
الدول الضعيفة غالبا ما تجد نفسها في خيارين: الانضمام إلى محور أو مواجهة مكلفة، أما الدول التي تسعى للاستقلال النسبي، فتبحث عن خيار ثالث: المناورة بين المحاور، دون الذوبان في أي منها. وهذا يتطلب ثلاثة أمور غاية في الأهمية: مرونة عالية، وقراءة دقيقة للتوازنات، وقدرة على تغيير التموضع عند الحاجة.
ثالثا: أدوات هندسة التوازن
1- تنويع الشراكات الدولة الذكية: لا تضع كل أوراقها في سلة واحدة في تتحرك من خلال ثلاث أطر: شراكات اقتصادية متعددة، وعلاقات سياسية متنوعة، وتعاون أمني محدود ومتوازن، وكلما زاد التنويع قلت القدرة على الضغط.
2- توزيع الاعتماد: بدل أن تعتمد على طرف واحد في الطاقة والسلاح والتكنولوجيا، توزع اعتمادها على عدة أطراف فتصبح تكلفة الضغط عليها أقل.
3- استخدام الجغرافيا السياسية: بعض الدول لا تملك موارد ضخمة، لكنها تملك موقعا استراتيجيا، والدولة الذكية تفكر استراتيجيا فتحوّل موقعها إلى ورقة تفاوض لا إلى نقطة ضعف.
4- إدارة التوقيت: في السياسة الدولية ليس المهم فقط ماذا تفعل، بل متى تفعل متى تقترب؟ متى تبتعد؟ متى تصمت؟ الخطأ في التوقيت قد يكلف أكثر من الخطأ في القرار.
رابعا: الخط الأحمر.. متى تتحول المناورة إلى خطر؟
المناورة ليست لعبة بلا حدود، فهناك لحظة تتحول فيها إلى مخاطرة. مَن يدير استراتيجية الدولة يحذر من:
1-الغموض الزائد: إذا لم تفهم القوى الكبرى نواياك قد تفترض الأسوأ.
2- التمدد دون غطاء: محاولة لعب دور أكبر من القدرات الحقيقية تجذب ردود فعل قاسية.
3- فقدان الثقة: إذا تغيرت مواقفك بشكل حاد ومتكرر تفقد مصداقيتك وتفقد معها قدرتك على المناورة.
خامسا: الفرق بين الدولة التابعة والدولة المناورة:
الفرق لا يكمن في الحجم بل في طريقة إدارة العلاقات.
سادسا: لماذا تفشل بعض الدول في التوازن؟
تقع في غرور ثلاثة استدراجات:
1- الاعتماد المفرط على قوة واحدة: يجعل أي خلاف أزمة وجود.
2- قراءة خاطئة للنظام الدولي: المبالغة في تقدير الذات أو التقليل من ردود الفعل.
3- ضعف الداخل: الدولة الهشة داخليا لا تستطيع المناورة خارجيا.
سابعا: التوازن ليس موقفا.. بل عملية مستمرة
الدولة لا تصل إلى "نقطة توازن" ثابتة بل تدير توازنا متغيرا باستمرار بين ثلاث متغيرات كبرى:
- تحولات في القوى الكبرى.
- أزمات إقليمية.
- تغيرات اقتصادية.
كل ذلك يفرض إعادة التموضع بشكل دائم ومستمر كلما حدث تغير.
ثامنا: المعادلة الذهبية للمناورة
يمكن تلخيص هندسة التوازن في معادلة بسيطة: علاقات متعددة + اعتماد موزع + قرار مرن = قدرة على المناورة
إذا اختل عنصر واحد تتحول المناورة إلى تبعية مقنّعة.
القاعدة: الاستقلال فن.. لا شعار
القوة الإقليمية المستقلة لا تعني الوقوف في مواجهة الجميع ولا تعني الانضمام الكامل لأي طرف، بل تعني أن تتحرك داخل شبكة معقدة من المصالح.. دون أن تفقد نفسك فيها وهذا لا يتحقق بالقوة فقط بل بالذكاء الاستراتيجي.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.