أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عددًا جديدًا من إصدارته "تقديرات مستقبلية"، والتي أشار إلى كونها أداة إستراتيجية أساسية في عالم يتسم بالتغير المستمر والمتسارع، حيث تُساعد متخذ القرار في اتخاذ قرارات أكثر استنارة واستباقية لمواجهة التحديات المستقبلية، وذلك من خلال الإنذار المبكر للتحديات في الملفات ذات الأولوية، عبر رصد وتقييم الاتجاهات المستقبلية المحتملة وتأثيراتها المتوقعة، وباستخدام مجموعة متنوعة من أدوات استشراف المستقبل مثل السيناريوهات وعجلة المستقبليات، وتسعى هذه الأوراق إلى رسم صورة واضحة عن المستقبل المحتمل، مما يُمكن من الاستعداد للتحديات والفرص التي قد تطرأ.

تناول العدد حجم سوق العملات الرقمية وتوقعاتها المستقبلية، حيث تضم سوق العملات الرقمية حاليًا أكثر من ١٦ ألف عملة مشفرة مميزة يتم تداولها عبر أكثر من ١٢٠٠ منصة تداول حول العالم مما يخلق نظامًا بيئيًا متنوعًا للأصول الرقمية، ورغم التقلبات الدورية فقد أظهرت السوق مرونة لافتة للانتباه، وتشير البيانات إلى إصدار نحو ٢٥٠ مليار دولار من العملات المستقرة، منها ١٥٥ مليار دولار بواسطة (Tether) و٦٠ مليار دولار بواسطة (Circle)، وقد بلغت القيمة السوقية الإجمالية لسوق العملات المشفرة 3.5 تريليونات دولار خلال الربع الثاني من ٢٠٢٥ مما يعكس تنامي الثقة في الأصول الرقمية.

ويُتوقع للعملات الرقمية للبنوك المركزية انتشارًا أكبر في المستقبل؛ حيث تحظى باهتمام عالمي غير مسبوق في الوقت الحالي، فوفقًا لاستطلاع رأي أجراه بنك التسويات الدولية (BIS) في نهاية عام ٢٠٢٤، هناك ٩١٪ من البنوك المركزية المشاركة في الاستطلاع تدرس إصدار العملات الرقمية لبنوكها المركزية، كما أنه من المتوقع إصدار ما يزيد عن ٢٠ عملة رقمية للبنوك المركزية بحلول عام ٢٠٣٠، ووفقًا لـ "متتبع العملات الرقمية للبنوك المركزية التابع للمجلس الأطلسي" شهدت السنوات الأخيرة منذ (٢٠٢١ حتى ٢٠٢٥) حالة من الزخم في عدد الدول التي أصدرت بالفعل العملات الرقمية للبنوك المركزية CBDC، والدول التي تسعى إلى تطوير هذه العملات تمهيدًا لإصدارها ومن بينهم مصر.

استعرض العدد دوافع ظهور النظام النقدي الجديد الداعم للعملات الرقمية والتي تمثلت في الآتي:

أولًا دوافع تكنولوجية وتنظيمية وهي:

1- ثورة المدفوعات العابرة للحدود: حيث ساهم تطور أنظمة الدفع الإلكترونية العابرة للحدود التي تبنتها عدد من الدول في تعزيز فكرة التحول نحو العملات الرقمية على حساب العملات التقليدية وذلك بفضل ما توفره من كفاءة وسرعة وتكاليف أقل يتجلى هذا التحول في النمو الهائل للعملات المستقرة: حيث وصل إجمالي حجم تحويلات العملات المستقرة إلى ٢٧,٦ تريليون دولار العام الماضي، متجاوزًا بذلك حجم معاملات فيزا وماستر كارد مجتمعة في عام ٢٠٢٤.

2- الوضوح التنظيمي والتشريعي والقانوني: اتخذت الحكومات خطوات جدية لتنظيم سوق العملات الرقمية وذلك من خلال تطبيق عدد من اللوائح والقوانين الخاصة بهذه العملات الإضفاء الطابع القانوني عليها.

3- مخاوف فقدان السيطرة النقدية والسيادة الاقتصادية: أصدر بنك التسويات الدولية (BIS) إنذارات بشأن العملات المستقرة ليوضح مدى خطورة العملات المستقرة على الاقتصادات حيث إن التوسع في استخدام العملات المستقرة المقومة بالعملات الأجنبية يشكل خطرًا كبيرًا على السيادة النقدية في الدولة، ودعا إلى ضرورة وجود قواعد ولوائح تحكم العملات المستقرة وأن تكون مصممة خصيصًا لها).

ثانيًا البحث عن الريادة الأمريكية:

بالإشارة للوقت الراهن لا يمكن الحديث عن العملات الرقمية دون التطرق إلى الدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية والمتمثلة في الرئيس الحالي "دونالد ترامب" واهتمامه الكبير بهذا الموضوع ورغبته في جعل الولايات المتحدة "عاصمة العملات المشفرة في العالم"، وظهر ذلك خلال قراره بإنشاء احتياطي استراتيجي للبيتكوين ومخزون للأصول الرقمية في مارس ٢٠٢٥، وإصدار قانون "GENIUS Act" في يونيو ٢٠٢٥ وهو "قانون توجيه وترسيخ الابتكار الوطني للعملات المستقرة في الولايات المتحدة"، ويعد هذا القانون هو أول قانون للعملات المشفرة بهذا الحجم يتم تشريعه من قبل الكونجرس الأمريكي، وبهذا القانون تنضم الولايات المتحدة إلى قائمة متزايدة من الدول التي تسعى إلى فرض الرقابة وتحقيق الاستقرار في نظام الأصول الرقمية سريع التوسع.

ثالثًا دوافع تنافسية وجيوسياسية دولية:

فعلى الرغم من دعم الرئيس "ترامب" للعملات المشفرة فإن له آراء معارضة بشدة للعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCS) وصلت إلى توقيع أمر تنفيذي يمنع الوكالات الفيدرالية من إصدار أو اعتماد العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCS) في يناير ٢٠٢٥، ويأتي ذلك متزامنا مع الرغبة الكبرى من العديد من الدول في وقف هيمنة الدولار على التجارة العالمية (De-Dollarization).

استعرض العدد أيضًا التداعيات والآثار المستقبلية للعملات الرقمية على الاقتصاد العالمي، والأفراد والبنوك المركزية، والبنوك التجارية، والأطر التشريعية والقانونية، كما سلَّط العدد الضوء على الآثار المحتملة على مصر حيث تتأثر بالتوجه العالمي نحو العملات الرقمية وتزايد نفوذ العملات المستقرة المدعومة بالدولار (بفعل قوانين مثل GENIUS) من خلال التداعيات التالية:

- تعزيز تحدي "الدولرة الرقمية": (1- على الرغم من جهود مصر (في إطار البريكس ومبادرات أخرى لتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة فإن التنظيم العالمي للعملات المستقرة المرتبطة به يزيد من شرعيتها وموثوقيتها وهذا يعزز "الدولرة الرقمية"، حيث تصبح هذه العملات وسيلة دفع وتحويلات مالية سهلة وجذابة مما قد يزيد بشكل غير مباشر من الطلب على الدولار داخل السوق المصرية، 2- التهديدات على الاستقرار المالي حيث قد يهدد الانتشار غير المنظم للعملات المستقرة السيولة النقدية والسياسة النقدية البنك المركزي المصري، خاصًة إذا تحول جزء كبير من المدخرات المحلية إلى أصول رقمية أجنبية مستقرة).

- تحديث الأطر التنظيمية والقانونية: (1- تطوير الأطر التشريعية والقانونية الحالية في مصر لتتناسب مع الطبيعة الجديدة للأصول الرقمية والمدفوعات اللامركزية، 2- الحاجة إلى وضع لوائح واضحة تفرض الامتثال الصارم لقوانين مكافحة غسل الأموال (AML) وتمويل الإرهاب (CFT) على جميع منصات وأدوات التشفير التي تعمل داخل مصر للاستفادة من مزايا الشفافية الرقمية وتجنب المخاطر الأمنية).

- الضغط على تسريع استراتيجية "الجنيه الرقمي " (E-Pound): أعلنت مصر عن انتهاء المرحلة الأولى من دراسة مشروع العملات الرقمية للبنوك المركزية لإطلاق "العملة الرقمية" بحلول عام ٢٠٣٠ في إطار استراتيجيتها للتحول الرقمي والشمول المالي، وأتى ذلك سعيا لتعزيز تنافسية العملة الوطنية وزيادة كفاءة السياسة النقدية.

تمثل هذه التطورات مزيجًا من الفرص والتحديات ومن أبرز الآثار المترتبة على استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية CBDC في مصر بجانب الآثار السابقة التي تم ذكرها:

- تحسين الشمول المالي: في ظل توجه الدولة نحو تحقيق شمول مالي بنسبة ١٠٠% والوصول إلى ٨٠ مليون محفظة إلكترونية بحلول ٢٠٣٠، يمكن أن تمثل العملة الرقمية للبنك المركزي أداة فاعلة لتسريع تحقيق هذا الهدف فهي وسيلة منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام تمكن غير المتعاملين مع البنوك من الاندماج في النظام المالي خاصة في المناطق الريفية والنائية، كما تتيح البيانات الناتجة عن المعاملات إنشاء ملفات ائتمانية أدق، ما يسهم في تقليص فجوات الإقراض الناتجة عن نقص المعلومات وتحسين فرص التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة.

- زيادة تنافسية العملة: يمكن أن يسهم إصدار الجنيه الرقمي في تعزيز تنافسية العملة المصرية نسبيًا، إذ تسهم العملات الرقمية للبنوك المركزية في تحسين كفاءة المعاملات الدولية وتقليل تكلفتها عبر الاعتماد على العملات المحلية بدلا من المهيمنة كالدولار واليورو.

- تعزيز التجارة الدولية وتقليل الضغط على ميزان المدفوعات: بناء على ما سبق من أثر العملة الرقمية للبنك المركزي على تقليل تكلفة التحويلات والمدفوعات عبر الحدود، واستخدام العملة المحلية في تسوية هذه المدفوعات بالإضافة إلى تعزيز تنافسية العملة الوطنية وزيادة الثقة بها، من الممكن أن يسهم ذلك في تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات المصري وذلك من خلال تقليل تكلفة التحويلات التي تتلقاها الدولة حيث تعد مصر من أكبر الدول التي تتلقى تحويلات من العاملين بالخارج بلغت قيمتها نحو 36.5 مليار دولار في السنة المالية 2024/ 2025، حيث إنه باستخدام العملة الرقمية للبنك المركزي يمكن أن تقل تكلفة هذه التحويلات مما يتيح للدولة الحصول على قدر أكبر من هذه التحويلات عبر القنوات الرسمية.

- تكلفة تنفيذ كبيرة: على الرغم من الآثار الإيجابية المترتبة على استخدام العملة الرقمية للبنك المركزي، فإنها في الوقت نفسه تنطوي على تكاليف ثابتة مرتفعة لتدشينها، بما في ذلك تكاليف التنفيذ، والبحث وتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا، وصيانة النظام وتشغيله وتطويره، وحمايته من الهجمات، والكوادر التي تجري هذه العمليات وتشرف عليها، مما يتطلب من إجراء دراسات جدوى معمقة لمقارنة تكاليف التنفيذ والعوائد المحتملة لاستخدام هذه العملات.

قدم العدد مجموعة من التوصيات والإجراءات المقترحة لتحويل هذه التحديات إلى فرص وضمان مكانة مصر في النظام المالي الرقمي المستقبلي، والتي تمثلت في:

1- تسريع مشروع الجنيه الرقمي (E-Pound) كأولوية وطنية وذلك من خلال وضع خريطة طريق لإطلاق عملة رقمية للبنك المركزي المصري، مع التركيز على ضمان التوافق التشغيلي مع أنظمة الدفع الدولية الجديدة: مثل (منصات تسوية العملات الرقمية متعددة الأطراف)، وتصميم العملة الرقمية للبنك المركزي بشكل يدعم الشمول المالي، واعتماد نظام ثنائي المستوى (Two- Tier System) والشراكة مع القطاع الخاص (PPP)، حيث يقوم البنك المركزي بإصدار العملة الرقمية وإدارة عمليات التسوية على مستوى الجملة، بينما تتولى المؤسسات المالية الخاصة البنوك التجارية ومقدمو خدمات الدفع توزيع العملات الرقمية على المستهلكين وإدارة الخدمات اليومية لهم مثل (المحافظ الرقمية ومعالجة المعاملات).

2- بناء إطار تنظيمي شامل ومرن: من خلال إصدار تشريع شامل ومنظم لسوق الأصول الرقمية (العملات المشفرة والعملات المستقرة)، ويجب أن يفرض هذا الإطار متطلبات صارمة للترخيص والاحتياطيات والشفافية على أية جهة محلية أو أجنبية ترغب في تداول العملات المستقرة في السوق المصرية، وتحديث القوانين والتشريعات واللوائح بما يتناسب مع الطبيعة الجديدة لهذه العملات، وإنشاء قوانين خاصة بتسوية النزاعات الدولية الناتجة عن استخدام العملة الرقمية للبنك المركزي، ذلك بالإضافة إلى استحداث قوانين خاصة بتأمين البيانات وحماية الخصوصية.

3- الاستثمار في الأمن السيبراني والبنية التحتية: يجب أن يكون الاستثمار في أمن ومرونة العملات الرقمية أولوية قصوى للتصدي لأية هجمات إلكترونية، أو للتعامل مع الأحداث المفاجئة مثل الارتفاع الكبير في حجم المعاملات، ويتم ذلك من خلال الآليات التالية: (1- تعزيز البنية التحتية للأمن السيبراني في القطاع المالي ككل لضمان حماية نظام المدفوعات الرقمية والعملة الرقمية المستقبلية من التهديدات المتزايدة التي تترافق مع التوسع في استخدام التكنولوجيا، 2- إجراء تقييمات منتظمة للمخاطر والتعاون مع المؤسسات الدولية (مثل: صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية) لتبني أفضل الممارسات في حماية البيانات والخصوصية، 3- الاستعداد الاستباقي والتقييم المستمر، عبر الاستعداد لحدوث خروقات عبر بناء قدرات كشف فاعلة واستخدام المحاكاة لاختبار الاستجابة للحوادث وتحسين الضوابط الأمنية، 4- إصدار العملة الرقمية على نطاق محدود أولًا (مثل نطاق الرواتب الحكومية) قبل التوسع الكامل، مما يقلل المخاطر ويسهل معالجة المشكلات أو التراجع عنها، 5- المراقبة والتشغيل على مدار الساعة، عبر التركيز على اتخاذ الإجراءات في الوقت المناسب، حيث يجب أن تعمل أنظمة العملات الرقمية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، مع مراقبتها باستمرار والتعامل السريع مع أي أعطال، باستخدام أنظمة إدارة وأتمتة آمنة ومرنة).

4- المشاركة في مبادرات فك الارتباط بالدولار: وذلك من خلال الانخراط في منصات الدفع الإلكتروني العابرة للحدود، مثل (mBridge)و (Brics Bridge) وغيرهما للاستفادة من الميزات التي تقدمها من تخفيض تكلفة التحويلات والمدفوعات عبر الحدود وتعزيز التجارة الدولية.

وأوضح العدد في ختامه، أنه على الرغم من الفرص الهائلة التي توفرها العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCS) فإن نجاح هذا التحول يظل مرهونًا بالقدرة على معالجة مخاطر محورية تتعلق بالأمن والخصوصية، ويعد الأمن السيبراني التحدي الأبرز، فمع أي تحول في النظام المالي نحو الاعتماد على البنية التحتية الرقمية يصبح هذا النظام هدفًا ذا قيمة عالية للمهاجمين، يمكن أن تؤدي الهجمات السيبرانية إلى القطاع الخدمة أو تلف البيانات وخسائر تقدر بالملايين مما يهدد الثقة والاستقرار المالي العالمي، بالتوازي مع ذلك تمثل حماية الخصوصية قضية محورية في تصميم العملات الرقمية فبينما يمكن أن توفر هذه العملات مرونة في التحكم بدرجة إخفاء الهوية، فإن تركيز بيانات الدفع الخاصة بجميع المواطنين في قواعد بيانات مركزية يضاعف من مخاطر الخصوصية ويشكل حافزًا رئيسًا للهجمات لذلك يتوقف نجاح العملات الرقمية على قدرة البنوك المركزية على بناء بنية تحتية رقمية مرنة وآمنة، مع صياغة أطر تشريعية توازن بحقة بين متطلبات مكافحة الجرائم المالية (عبر تتبع المعاملات) وحق المستخدمين في الخصوصية.

طباعة شارك مركز المعلومات العملات الرقمية للبنوك العملات الرقمية التحويلات المالية

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: مركز المعلومات العملات الرقمية للبنوك العملات الرقمية التحويلات المالية العملات الرقمیة للبنوک المرکزیة رقمیة للبنوک المرکزیة العملات الرقمیة على العملات المستقرة الولایات المتحدة للعملات الرقمیة استخدام العملة الجنیه الرقمی على الرغم من وذلک من خلال هذه العملات ملیار دولار ذلک من خلال الدول التی العملات ا یمکن أن نظام ا

إقرأ أيضاً:

من خلف الشاشات.. خارطة أدوات الحرب الناعمة ومخططات الهيمنة الصامتة في العصر الرقمي

تتنوع الأدوات التي تستخدمها القوى الشيطانية المهيمنة لتنفيذ أجندات الحرب الناعمة، حيث تبرز الأدوات الإعلامية والسينمائية كأخطر هذه الوسائل وأكثرها تأثيراً؛ فهي “اللسان الناطق” الذي يصوغ توجهات الرأي العام عبر القنوات الفضائية والدراما والسينما، وتستهدف هذه الوسائل مختلف الفئات العمرية، لا سيما الأطفال عبر الرسوم المتحركة التي قد تحمل محتويات تروج للعنف أو سلوكيات خادشة للحياء، بهدف إبقاء الشعوب في حالة من التغييب وصرف أنظارهم عن القضايا الجوهرية.

يمانيون |محسن علي

منظومة التأثير الناعم

تُعد الحرب الناعمة استراتيجية متكاملة تهدف إلى إحداث اختراق تدريجي للبنية الثقافية والمعرفية للمجتمعات، وتعتمد فاعليتها على تنوع أدواتها وقدرتها على التغلغل في مختلف مجالات الحياة اليومية، محولةً التغيير القيمي إلى عملية تبدو “طبيعية” وغير مفروضة، حيث تعمل هذه المنظومة عبر قنوات متعددة تستهدف الإنسان في فكره وسلوكه وقراره.

 

أدوات الحرب الناعمة (وسائط التنفيذ)

في عصرنا الراهن  لم تعد فيه المدافع هي الوسيلة الوحيدة لحسم الصراعات، حيث تبرز “الحرب الناعمة” كقوة تدميرية صامتة تتسلل إلى عمق الوعي الإنساني، مستهدفةً إعادة تشكيل القيم والسلوكيات دون إطلاق رصاصة واحدة، ومن خطورتها وصل إلى حد أن يصفها البعض بأنها “تعادل القنبلة الذرية” في قدرتها على التغيير، حيث تتحول الشاشات والمنصات الرقمية إلى ميادين قتال، ويصبح الوعي الجمعي هو الجائزة الكبرى في هذا الصراع الوجودي.

 

وفي سياق متصل، تلعب الأدوات الرقمية والتقنية دوراً محورياً في الهيمنة المعاصرة، حيث تحول الفضاء السيبراني إلى ساحة للرصد والتجسس وتوجيه المعرفة، وتُستخدم مواقع التواصل الاجتماعي ومحركات البحث كمنصات مركزية للتأثير في العلاقات والاتجاهات عبر خوارزميات موجهة تستهدف الشباب والنخب، وتعمل على نشر الأنماط الاستهلاكية والانحلال الأخلاقي لإضعاف روح المسؤولية لدى الأجيال الناشئة.

أما الأدوات التعليمية والأكاديمية، فهي تمثل استثماراً طويل الأمد في تشكيل العقول؛ إذ يتم التحكم في مصادر المعرفة عبر المؤسسات التعليمية الأجنبية والبعثات الدراسية، مما يسهم في بناء نخب ذات توجهات فكرية مرتبطة بالمرجعيات الخارجية، يترافق ذلك مع محاولات مستمرة لتغيير المناهج الدراسية وحذف المضامين القيمية الأصيلة، لضمان استدامة التأثير عبر الأجيال.

وعلى المستوى المؤسسي، تُوظف الأدوات الاقتصادية والمنظمات الدولية كوسائط ضغط لإعادة تشكيل السياسات الوطنية. وتُستخدم المؤسسات المالية لفرض سياسات تضعف السيادة الاقتصادية، بينما تعمل المنظمات غير الحكومية تحت عناوين إنسانية لتمرير مخططات تستهدف الهوية الثقافية ونشر قيم مغايرة، وأخيراً، تأتي الأدوات الثقافية والاجتماعية مثل الموضة والرياضة العالمية وصناعة القدوات الفنية، لتعيد تشكيل الذوق العام وتكريس التقليد الأعمى على حساب الهوية الثقافية الأصيلة.

 

مجالات الاستهداف (مواضع الاختراق)

لا تقتصر الحرب الناعمة على وسيلة واحدة، بل تعمل وفق منظومة متكاملة تستهدف البنية العميقة للمجتمع في عدة مجالات حيوية:

المجال العقائدي والفكري: يمثل قلب الصراع وأساسه، حيث يتم التشكيك في المرتكزات الإيمانية والرموز الدينية تحت غطاء “حرية التعبير”، مع دعم التيارات المنحرفة لإحداث تشويه داخلي ومسخ الهوية الجامعة.

المجال الأخلاقي والاجتماعي: يركز على تفكيك “جهاز المناعة الأخلاقي” عبر استهداف الأسرة والمرأة، وتصوير الحشمة كرجعية والابتذال كتطور، مما يؤدي إلى فقدان المجتمع لمعاييره الضابطة.

المجال السياسي والسيادي: يتم فيه توظيف المفاهيم العالمية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان كأدوات ضغط سياسي لمصادرة ثروات الأمم واستقلالها، وإضفاء الشرعية على التدخلات الخارجية عبر المنظمات الدولية.

المجال الاقتصادي: يتخذ طابع “حرب التبعية” عبر إضعاف الاستقلال الاقتصادي وتحويل المجتمعات إلى أسواق استهلاكية محضة، واستخدام الضغط المعيشي كوسيلة للابتزاز في المواقف السيادية والدينية.

المجال الإعلامي والتقني: يعمل كمحرك تنفيذي لبقية المجالات عبر تزييف الوعي ونشر الشائعات، واستخدام الهيمنة السيبرانية لرصد السلوك وتوجيهه بما يخدم أهداف القوى المهيمنة.

المجال التعليمي: يستهدف بناء الأجيال القادمة وفق تصورات معرفية محددة تضعف القيم الأصيلة وتستبدلها بمفاهيم غريبة عن ثقافة المجتمع ومبادئه.

 

تكامل الأدوار والمواجهة المطلوبة

إن الحرب الناعمة ليست مجرد أنشطة متفرقة، بل هي بنية تشغيلية شاملة يتحقق تأثيرها بالتراكم والتكامل؛ فالاختراق في أحد المجالات يسهل النفاذ إلى بقية الميادين، كما إن إدراك هذه البنية التكاملية يُعد شرطاً أساسياً لبناء استراتيجيات مواجهة قادرة على تفكيك أدوات التأثير والحد من تداعياتها، وحماية مستقبل الأجيال من التبعية والضياع القيمي.”

 

ختاما

بناءً على ما سبق، تظل اليقظة الفكرية والتمسك بالهوية الأصيلة هما خط الدفاع الأول في وجه هذه الهجمة المنظمة التي تسعى لتفريغ الإنسان من كرامته وتحويله إلى أداة في يد القوى المهيمنة والاستكبار العالمي.

مقالات مشابهة

  • عاجل | القيادة المركزية الأمريكية: بدأنا جولة جديدة من الضربات ضد أهداف عسكرية إيرانية
  • أورا 5 GT وsport تواصل خطف الأنظار عالميًا .. فكم يبلغ سعرهم؟
  • الخرف الرقمي.. هل تضعف الهواتف الذكية ذاكرتنا؟
  • بيان مشترك لوزراء خارجية الإمارات وتركيا ومصر والأردن وإندونيسيا وباكستان والسعودية وقطر
  • جمس تقدم سييرا 2026 الجديدة.. وهذا سعرها عالميًا
  • البنك المركزي : ارتفاع المركز المالي للبنوك بـ25.4 تريليون
  • ثابتة .. سعر العملات العربية | الريال السعودي و الدينار الكويتي الآن
  • شرطة تلمسان تحجز مبلغًا ماليًا مزورًا من العملة الوطنية
  • تحرك غير متوقع في قلب الخليج.. واشنطن تدرس ورقة حساسة ضد إيران
  • من خلف الشاشات.. خارطة أدوات الحرب الناعمة ومخططات الهيمنة الصامتة في العصر الرقمي