استيطان اقتصادي يلتهم سلة غذاء الضفة ويعيد تشكيل جغرافيتها
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
تتسارع الخطوات الإسرائيلية لإعادة تعريف مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية المحتلة تحت مسمى "أملاك الدولة"، في مسار يتجاوز البعد القانوني إلى إعادة صياغة الجغرافيا الاقتصادية والزراعية، فالاستيلاء لا يطال الأرض فحسب، بل يمتد إلى سلة الغذاء الفلسطينية ومصادر الرزق الريفي.
القرارات الأخيرة التي قوبلت بردود دولية متصاعدة، تستهدف أراضي زراعية تشكل عماد الأمن الغذائي لآلاف الأسر، وتأتي في وقت يرزح فيه القطاع الزراعي تحت وطأة اعتداءات متكررة من تجريف وتخريب ومنع وصول، ما يضاعف خسائره ويقوّض قدرته الإنتاجية.
وفي الميدان، لم يعد التوسع الاستيطاني مجرد تمدد عمراني، بل تحول إلى أداة ضغط اقتصادي ممنهجة تعيد تشكيل الأرض والبنية التحتية الزراعية، ووفق وزارة الزراعة الفلسطينية، تصاعدت خلال الأشهر الماضية الاعتداءات على الأراضي ومصادر المياه، إلى جانب هجمات المستوطنين واقتلاع الأشجار.
وخلال الأسبوع الأول من فبراير/شباط وحده، اقتُلعت 777 شجرة زيتون بخسائر تجاوزت 600 ألف دولار تركزت في الخليل جنوبا ونابلس شمالا، وهي أرقام تعكس تسارع وتيرة الاستهداف الزراعي في مناطق تُعد الأكثر إنتاجا واعتمادا على الزراعة.
ويُقرأ هذا التصعيد فلسطينيا باعتباره "استيطانا اقتصاديا" يسير بوتيرة أسرع من التوسع الاستيطاني التقليدي، فبينما تُقام عشرات البؤر الجديدة وتُقر آلاف الوحدات السكنية، تتقلص الأراضي الزراعية، خصوصا في المناطق المصنفة "ج" التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية.
موجة المصادرات تركزت في الأغوار الشمالية والوسطى، ومحيط سلفيت ورام الله وبيت لحم، إضافة إلى مساحات واسعة جنوب الخليل. وتشير تقديرات رسمية إلى فقدان آلاف الدونمات الخصبة، كثير منها أراضٍ مروية أو عالية الإنتاجية، ما يهدد استدامة الإنتاج الزراعي.
إعلانالأثر الاقتصادي يتجلى بوضوح في مساهمة الزراعة بالناتج المحلي الفلسطيني، التي تراجعت من نحو 7% إلى قرابة 5%، كما وثقت وزارة الزراعة خسائر مباشرة العام الماضي بلغت 103 ملايين دولار، فضلا عن تداعيات أوسع على الدخل الريفي وسلاسل التوريد.
غطاء قانوني
وفي هذا السياق، أفادت تقارير بتصنيف أكثر من 26 ألف دونم من أراضي الضفة "أراضي دولة" تمهيدا لانتزاع السيطرة الفلسطينية عليها، بالتوازي مع عزم الحكومة الإسرائيلية شرعنة 140 مزرعة استيطانية وسط تصاعد اعتداءات المستوطنين، خاصة في محافظة الخليل ومسافر يطا الواقعة في نطاقها.
وفي هذا السياق، يقول الخبير في الشؤون الاقتصادية الدكتور ثابت أبو الروس إن توسيع تعريف "أملاك الدولة" يشكل غطاء قانونيا للجانب الإسرائيلي، لكنه لا يحظى بشرعية دولية أو فلسطينية، ويقول إن إسرائيل تمضي في قراراتها الاقتصادية والسياسية من جانب واحد دون اعتبار لأي موافقات خارجية.
ويضيف أن ما يجري ليس وليد اللحظة، بل امتدادا لمسار بدأ منذ عام 1993 مع تصنيف المناطق "ج" التي تضم ما لا يقل عن 60% من مساحة الضفة، ووفق تقديره فإن القرارات الحالية تندرج ضمن عدوان اقتصادي ممنهج يستهدف بنية الاقتصاد الفلسطيني.
ويربط أبو الروس بين التصعيد في الضفة والعدوان المتواصل على قطاع غزة، معتبرا أن المشهدين يعكسان سياسة متكاملة لتدمير الثروة الزراعية والحيوانية ومصادر الري بما يؤدي إلى إنهاك القاعدة الإنتاجية الفلسطينية وإضعاف قدرتها على الصمود.
ويحذر الخبير الاقتصادي من انعكاسات ميدانية مباشرة على الأمن الغذائي خاصة في محافظات توصف بسلة فلسطين الغذائية مثل طوباس والخليل وأريحا، فالتراجع في الإنتاج سيقود، برأيه، إلى ارتفاع أسعار المزروعات وتفاقم معدلات البطالة بين آلاف العاملين في الزراعة والثروة الحيوانية.
كما يتوقع زيادة تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي، نتيجة انكماش مصادر السلع الأساسية محليا. ومع تراجع المعروض، سيجد التجار أنفسهم مضطرين للتوجه إلى الأسواق الإسرائيلية، ما يعمّق الاختلال في ميزان العلاقات الاقتصادية.
وتتقاطع هذه التطورات مع مخططات أوسع لإعادة رسم الجغرافيا في الضفة، أبرزها مشروع "إي 1" الذي يهدف إلى ربط الكتل الاستيطانية شمالي القدس المحتلة وشرقها، وفصل شمالي الضفة عن جنوبها، بما يكرّس وقائع ميدانية تصعب معها إقامة كيان فلسطيني متصل جغرافيا.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
يمن مونيتور/ رصد خاص
كشفت السلطات الأمريكية عن مستجدات جديدة في القضية التي هزّت أوساط الجالية اليمنية في ولاية نيويورك، بعد توجيه اتهامات رسمية إلى صالح محمد (28 عاماً) على خلفية جريمتي قتل وقعتا يوم الإثنين في مدينتي بوفالو وتشيكتواغا.
ومثل المتهم أمام المحكمة، حيث وُجهت إليه ثلاث تهم بالقتل من الدرجة الثانية وتهمة واحدة بالقتل من الدرجة الأولى، وذلك على خلفية مقتل عائشة عبد الله وطفلين داخل منزل في منطقة تشيكتواغا.
وفي تطور متصل، أكدت شرطة بوفالو أن المتهم يواجه أيضاً اتهاماً منفصلاً بالقتل من الدرجة الثانية في قضية إطلاق النار التي أودت بحياة المواطن اليمني شكري علي صالح الشيبة داخل متجره في شارع غرانت بمدينة بوفالو، وذلك قبل وقت قصير من اكتشاف الجريمة الأخرى.
وتشير المعطيات الأولية إلى وجود صلة بين مسرحي الجريمتين، فيما تواصل أجهزة إنفاذ القانون جمع الأدلة واستكمال التحقيقات لتحديد التسلسل الكامل للأحداث وكشف جميع ملابسات القضية.
ورغم تداول روايات متعددة بشأن أسباب الجريمة، أكدت المعلومات الرسمية الصادرة حتى الآن عدم وجود أي إعلان من الشرطة أو النيابة العامة يوضح الدافع وراء الجرائم.
كما لم تتضمن البيانات الرسمية أي إشارات إلى خلافات عائلية أو مشكلات مالية أو اضطرابات نفسية، ما يجعل جميع التفسيرات المتداولة في الوقت الراهن مجرد تكهنات غير مؤكدة.
ويُحتجز المتهم حالياً في مركز احتجاز مقاطعة إيري، بانتظار استكمال الإجراءات القضائية ومواصلة التحقيقات.
وتبقى القضية مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل ترقب واسع داخل الجالية اليمنية لنتائج التحقيقات الرسمية التي يُنتظر أن تكشف الدوافع الحقيقية وراء واحدة من أكثر الجرائم صدمة التي شهدتها الجالية في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
دوافع غامضة وصدمة كبرى.. ماذا حدث للأسرة اليمنية في مدينة بوفالو الأمريكية؟