تكريزة رمضان.. نزهة دمشقية تستقبل الشهر الكريم
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
مع اقتراب شهر الصيام، تستعيد دمشق كل عام واحدة من أبرز عاداتها الشعبية المتوارثة عبر أجيال متعاقبة، والمعروفة باسم "تكريزة رمضان".
وتبدأ التكريزة عادة في الأيام الأخيرة من شهر شعبان، حيث تخرج العائلات والأقارب في نزهة إلى الطبيعة، يودعون فيها أيام الإفطار، استعدادا لاستقبال أيام الصيام في الشهر الفضيل.
تعددت التفسيرات حول معنى كلمة "التكريزة". فالبعض يربطها بفكرة التوديع، أي توديع شهر شعبان واستقبال رمضان، فيما يرى آخرون أنها قريبة من كلمة "كزدورة" التي تعني التنزه.
غير أن الاستخدام الشعبي منح هذه الكلمة معنى أوسع من مجرد مشوار قصير، إذ تحولت إلى مناسبة تمتد لساعات طويلة، وتتجاوز بعدها الترفيهي لتأخذ طابعا اجتماعيا ورمزيا.
وتشير بعض الدراسات التراثية إلى أن هذه العادة معروفة منذ عصور قديمة، ويرجح أن جذورها تعود إلى العصر المملوكي، حين اعتاد أهل الشام التعبير عن استعدادهم للشهر الكريم بأنشطة جماعية في الهواء الطلق.
ارتبطت التكريزة تاريخيا ببساتين الغوطة وضفاف نهر بردى، ولا سيما منطقة الربوة وما حولها. وكانت هذه الأماكن تُعدّ متنفسا لأهالي المدينة، حيث تجتمع العائلات بين الأشجار، وتفترش الأرض لتناول الطعام، فيما ينساب صوت الماء في الخلفية مع أحاديث الحاضرين.
في الماضي، لم يكن الموقع هو العنصر الأهم بقدر ما كانت المشاركة الجماعية هي الأساس. فالمدينة نفسها كانت أكثر التصاقا بالطبيعة، ما جعل الخروج إليها جزءا من نمط الحياة المعتاد.
تفاصيل اليومتحمل العائلات معها أطباقا منزلية تقليدية، مثل المجدرة، والفول، والحمص، وأنواع المقالي، إضافة إلى المشاوي.
وغالبا ما يتم اختيار أطعمة قد يصعب تناولها خلال أيام الصيام لما تسببه من عطش، فيكون حضورها في التكريزة أشبه بوداع رمزي قبل حلول رمضان.
إعلانأما النشاطات التي يمارسها أفراد العائلة خلال هذه النزهة، فتتنوع بين الطهو، وتبادل الأحاديث، وممارسة الألعاب الشعبية مثل طاولة الزهر وأوراق اللعب، إلى جانب ترديد الأغاني التراثية والمواويل.
وفي بعض الأحيان، تستعاد مشاهد الحكواتي أو العراضات الشامية، لتتحول التكريزة إلى عرض حي لذاكرة دمشق الشعبية.
وقد رسخت الدراما السورية صورة "السيران" في الوعي العام، وهو نوع من النزهات المشابهة للتكريزة، لكنه لا يقتصر على فترة زمنية محددة من العام، بل يقام كلما كان الطقس لطيفا. ومن أبرز هذه الأعمال مسلسل "حمام الهنا"، الذي قدم فيه رفيق سبيعي شخصية "أبو صياح"، مجسدا شغف الدمشقيين بالرحلات الجماعية، لا سيما قبيل المناسبات.
لا تقتصر أهمية التكريزة على بعدها الاحتفالي فحسب، بل تتعداه إلى دورها في تعزيز الروابط الأسرية والاجتماعية. فهي تتيح لقاء الأجيال المختلفة في مساحة واحدة، بعيدا عن إيقاع الحياة اليومية وضغوطها.
كما تشكل مناسبة لتعليم الأطفال بعض تقاليد شهر رمضان، وغرس قيم صلة الرحم والتسامح والمشاركة.
وتتميز هذه العادة بكونها مفتوحة أمام الجميع، بغض النظر عن المستوى المادي، إذ لا تتطلب المشاركة فيها سوى الرغبة في الاجتماع، ما جعلها رمزا للتكافل الاجتماعي والتقارب بين الناس.
بين الماضي والحاضرشهدت التكريزة تحولات واضحة مع تغير الظروف العمرانية والاقتصادية، إلى جانب تأثيرات السنوات العصيبة التي مرت بها البلاد.
وتراجعت النزهات في بعض مواقعها التقليدية، لتنتقل أحيانا إلى الحدائق العامة أو المطاعم، فيما اختصرتها بعض العائلات في لقاء منزلي بسيط.
ومع ذلك، بقيت الفكرة الأساسية حاضرة، وهي استقبال شهر رمضان بروح جماعية. فحتى مع تبدل المكان وتغير التفاصيل، ظل الهدف واحدا: الاجتماع قبل بدء شهر يحمل طابعا مختلفا عن بقية أشهر العام.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رمضان 2026
إقرأ أيضاً:
لأول مرة.. إذاعة القرآن الكريم تذيع المصحف المرتل النادر للشيخ المنشاوي
تذيع إذاعة القرآن الكريم لاو مرة ، أولى حلقات المصحف المرتل بصوت القارئ الكبير الراحل الشيخ محمد صديق المنشاوي، اليوم الإثنين، حيث حصدت تفاعلاً كبيراً وتداولاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، بعد ظهور التسجيل النادر لأول مرة منذ العام 1965.
وكان رئيس شبكة إذاعة القرآن الكريم أعلن بث تسجيلات جديدة للمصحف المرتل برواية حفص عن عاصم بصوت الشيخ محمد صديق المنشاوي، وبدأت إذاعة أولى الحلقات اليوم الإثنين.
32 شريطًا جديد المنشاوي.
وكشفت إذاعة القرآن الكريم أن الشيخ محمد صديق المنشاوي أعاد تسجيل 32 شريطًا من المصحف المرتل رغم اعتماده رسمياً، حيث سجل المنشاوي المصحف المرتل عام 1965 على 82 شريطًا وأقرت لجنة الاستماع الموحد جودة التلاوة والأداء.
وبعد تسجيل الحلقات، طلب الشيخ إعادة تسجيل عدد من الأشرطة بعد مراجعتها بنفسه ورغبته في الوصول إلى أعلى درجات الإتقان، متعهدا - رحمه الله- بتحمل تكاليف إعادة التسجيل ولجنة المراجعة على نفقته الخاصة دون الحصول على أي مقابل مادي.
نص طلب الشيخ المنشاوي إلى لجنة الاستماع بإذاعة القرآن الكريم
وفيما يلي نص طلب الشيخ المنشاوي إلى اللجنة، كما أذاعته إذاعة القرآن الكريم:
(السيد المراقب العام للبرامج الثقافية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قمت بالاستماع إلى الختمة المسجلة بصوتي، برواية حفص عن عاصم، ورابت انه استكمالا لوجود هذه الختمة بالصورة التي أشعر معها بالكمال المنشود للغرض الذي سجلت من أجله، أن أقوم بإعادة تسجيل الشرائط الموضحة بعد، هذا وستكون الإعادة دون أجر، كما اتعهد باستحضار لجنة المراجعة على حسابي الخاص، فبرجاء التفضل بالموافقة على حجز استوديو لإتمام هذه الإعدادات، محمد صديق المنشاوي، 2 مارس 1966).
واعتمدت التسجيلات الجديدة عام 1967 وظلت بعيدة عن البث حتى قررت إذاعة القرآن الكريم إذاعتها لأول مرة اليوم الإثنين 1/6/2026.
مولده ونشأته:
ولد القارئ محمد صديق المنشاوي في الـ 20 من يناير عام 1920 بقرية البواريك بمدينة المنشأة التابعة لمحافظة سوهاج، وأتم حفظ القرآن الكريم وهو في الثامنة من عمره؛ إذ نشأ في أسرة قرآنية عريقة توارثت تلاوة القرآن، فأبوه الشيخ صديق المنشاوي وجده تايب المنشاوي وجد والده كلهم قُراء للقرآن، وفي أسرته الكثير ممن يحفظون القرآن ويجيدون تلاوته منهم شقيقه محمود صديق المنشاوي، فتأثر بوالده الذي تعلم منه فن قراءة القرآن الكريم، فأصبحت هذه العائلة رائدة لمدرسة جميلة منفردة بذاتها في تلاوة القرآن.
في عام 1927 رحل إلى القاهرة مع عمه القارئ الشيخ أحمد السيد فحفظ هناك ربع القرآن، ثم عاد إلى بلدته المنشاة وأتم حفظ القرآن ودراسته على مشايخ مثل محمد النمكي ومحمد أبو العلا ورشوان أبو مسلم الذي كان لا يتقاضى أجرًا على التعليم.
بدأت رحلة الشيخ محمد صديق المنشاوي مع التلاوة بتجواله مع أبيه وعمه بين السهرات المختلفة، وفي عام 1952 سنحت له الفرصة أن يقرأ منفردًا في ليلة بمحافظة سوهاج، ومن هنا صار اسمه مترددًا في الأنحاء.
سجل المنشاوي القرآن الكريم كاملًا في ختمة مرتلة، كما سجل ختمة قرآنية مجودة بالإذاعة المصرية، وله كذلك قراءة مشتركة برواية الدوري مع القارئين كامل البهتيمي وفؤاد العروسي، وله أيضًا العديد من التسجيلات في المسجد الأقصى والكويت وسوريا وليبيا وتلا القرآن في المساجد الرئيسية في العالم الإسلامي كالمسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة والمسجد الأقصى في القدس، وزار عددًا من الدول الإسلامية كالعراق وإندونيسيا وسوريا والكويت وليبيا وفلسطين والمملكة العربية السعودية
.
عميد مملكة التلاوة:
سيطر الشيخ محمد صديق المنشاوى على مملكة تلاوة القرآن الكريم في مصر والعالم العربي، وذاع صيته ولقي قبولًا حسنًا لعذوبة صوته وجماله وانفراده بذلك، إضافة إلى إتقانه لمقامات القراءة، وتأثره العميق بالمعاني والألفاظ القرآنية.
المنشاوي والشعراوي:
وقال عنه إمام الدعاة الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي: إنه ورفاقه الأربعة مقرئون؛ الآخرون يركبون مركبًا ويبحرون في بحر القرآن الكريم، ولن يتوقف هذا المركب عن الإبحار حتى يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها.
التكريمات والجوائز :
حصل الشيخ المنشاوي على أوسمة عدة من دول مختلفة، كإندونيسيا وسوريا ولبنان وباكستان، وكان على رأس قراء مصر في حقبة الخمسينيات مع القراء أمثال الشيخ عبد الباسط عبد الصمد وغيرهم من القراء وما زالوا إلى يومنا هذا على رأس القراء لما كان عندهم من رونق في صوتهم جعلهم يحرزون المراتب الأولى بين القراء.
وقال عنه إمام الدعاة الشيخ الراحل محمد متولي الشعراوي: إنه ورفاقه الأربعة مقرئون؛ الآخرون يركبون مركبًا ويبحرون في بحر القرآن الكريم، ولن يتوقف هذا المركب عن الإبحار حتى يرث الله -سبحانه وتعالى- الأرض ومن عليها.
وفاته:
في عام 1966 أصيب الشيخ محمد صديق المنشاوي بمرض دوالي المريء ورغم مرضه ظل يقرأ القرآن حتى رحل عن الدنيا في يوم الجمعة 5 ربيع الثاني 1389 هـ، الموافق 20 يونيو 1969م تاركًا خلفه إرثًا خالدًا من الخشوع والإتقان، لا يزال يُلهب القلوب ويُبكي العيون حتى يومنا هذا عبر أثير إذاعة القرآن الكريم والإذاعات المختلفة.