خلال أقل من عشرة أيام، تعرضت مساعي الحكومة البريطانية لتقييد تحركات مؤيدي فلسطين لانتكاستين قانونيتين أمام القضاء البريطاني، تمثلت الأولى في رفض القضاء إدانة نشطاء مؤيدين للمنظمة، وجاءت الأخرى بإعلان المحكمة العليا قرار تصنيف المنظمة إرهابية غير قانوني. فما هي هذه المنظمة التي سخّرت لها الحكومة البريطانية كل هذه الموارد لحظرها وملاحقة نشطائها؟

تأسست منظمة فلسطين آكشن (Palestine Action) عام 2000 على يد كل من الناشطين هدى عموري وريتشارد برنارد، في سياق الجهود لإنهاء المشاركة العالمية في "الإبادة الجماعية ونظام الفصل العنصري" الإسرائيلي.



واتخذت المنظمة خيار "الفعل المباشر"، عبر القيام بتحركات استهدفت بشكل خاص منشآت في بريطانيا تزود جيش الاحتلال الإسرائيلي بالأسلحة التي تستخدم في قصف غزة. وفي هذا السياق، اقتحم نشطاء في المنظمة مصانع لشركة إلبيت سيستمز الإسرائيلية، إضافة إلى المظاهرات. وفي حزيران/ يونيو 2025 اقتحم ناشطون من المنظمة قاعدة برايز نورتون الجوية، وقالت السلطات البريطانية إن النشطاء ألحقوا أضرارا تقدر قيمتها ملايين الدولارات بطائرتين حربيتين.


كما قامت المنظمة بتنظيم مظاهرات في مواقع عدة، وعمد نشطاؤها إلى صبغ مبنى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) باللون الأحمر، احتجاجا على تغطيتها التي يراها الناشطون منحازة للاحتلال الإسرائيلي، وألقوا دهانا أحمر في تجمعات مائية في إشارة للإبادة الجماعية في غزة.

وفي تموز/ يوليو 2025 أحالت الحكومة البريطانية مشروعا لتصنيف الحركة منظمة إرهابية إلى البرلمان، وأُقر بغالبية 385 صوتا ومعارضة 26 صوتا فقط. وهو ما يضع فلسطين آكشن مع منظمات مثل تنظيم الدولة والقاعدة ومنظمات نازية.

ومنذ ذلك الحين اعتقلت الشرطة البريطانية نحو 2700 شخص، بينهم متقاعدون ومسنّون تجاوز بعضهم التسعين سنة من العمر، بتهمة دعم منظمة إرهابية، على خلفية رفعهم شعارات تضامنية مع فلسطين آكشن. وقد وجهت رسميا اتهامات إلى 500 شخص من بين من تم اعتقالهم، بتهم تتعلق بدعم منظمة إرهابية.

ولجأت المؤسِسة المشاركة للمنظمة، هدى عموري، إلى المحكمة العليا في لندن لإلغاء التصنيف. ومن الحجج التي استخدمتها عموري لتبرير نشاط المنظمة، أن "حركة أصوات من أجل النساء" التي نشطت للمطالبة بحقوق المرأة في بريطانيا واتبعت أساليب توصف بالعنيفة؛ كان يمكن أن تصنف إرهابية قبل 100 عام، لكنها نجحت في نهاية المطاف في الاعتراف بعدد كبير من حقوق المرأة وصولا إلى حق التصويت.

وفي 13 شباط/ فبراير الجاري قررت المحكمة قبول حجتين من بين أربع حجج قدمها محامو المنظمة، وخلصت إلى أن إجراءات الحكومة بتصنيف المنظمة إرهابية لم تكن متناسبة، "وتقوض بشكل كبير الحق في حرية التعبير"، رغم أن المحكمة أشارت إلى المسؤولية الجنائية الفردية للنشطاء عن أفعالهم، كما أبقت المحكمة الحظر لإعطاء الحكومة الفرصة لاستئناف الحكم.

وعلى الأثر، أعلنت الشرطة البريطانية وقف اعتقال الأشخاص الذين يعبرون عن دعمهم للمنظمة، مع استمرارها بجمع البيانات، بانتظار قرار محكمة الاستئناف.

ورأى معلقون أن توقف الشرطة عن اعتقال داعمي فلسطين آكشن مباشرة هو مؤشر على ترجيح خسارة الحكومة الاستئناف، كما أن مطاردة هؤلاء الداعمين باستمرار يستنفد موارد الشرطة.

وحاولت الحكومة سابقا الطعن بصلاحية المحكمة العليا للنظر في تصنيف المنظمة، قائلة إن الطعن على التصنيف من اختصاص لجنة استئناف متخصصة، لكن قرارا قضائيا سابقا سمح بالاستمرار بإجراءات الطعن أمام المحكمة العليا؛ لأن الطريق الآخر يستغرق وقتا طويلا لأنه يتطلب أولا التقدم بطلب للحكومة لمراجعة التصنيف وصدور قرار من الحكومة برفض المراجعة.

وسبق قرار المحكمة في لندن قرار مفصلي في المحكمة العليا في أسكتلندا، بموافقتها على المضي قدما في إجراء مراجعة قضائية شاملة في حظر المنظمة، وهو ما من شأنه أن يقود لوقف تطبيق الحظر في أسكتلندا. وستعقد المراجعة يومي 17 و18 آذار/ مارس القادم، وذلك بعد جلسة إجرائية مقررة في 23 شباط/ فبراير الجاري.

وفي 4 شباط/ فبراير الجاري برأت محكمة بريطانية ستة نشطاء في المنظمة، من تهمة السطو المقترن بالعنف، فيما يتعلق باقتحام مصنع لشركة إلبيت سيستمز في آب/ أغسطس 2024، وعجز المحلفون خلال المحاكمة عن التوصل إلى قرار بشأن تهم الإضرار الجنائي. ونفى النشطاء الستة تهم السطو المقترن بالعنف وإحداث الفوضى العنيفة والإضرار الجنائي.

والمتهمون هم شارلوت هيد (29 عاما)، وصامويل كورنر (23 عاما)، وليونا كاميو (30 عاما)، وفاطمة زينب رجواني (21 عاما)، وزوي روجرز (22 عاما)، وجوردان ديفلين (31 عاما).

وعلقت منظمة العفو الدولية على عدم توصل هيئة المحلفين لإدانة نشطاء فلسطين آكشن "يسلط الضوء على أن قرار تصنيف المنظمة كان غير متناسب". وأضافت: "هذا يطرح أسئلة جوهرية حول استخدام الدولة لقوانين محاربة الإرهاب ضد حق الاحتجاج بالفعل المباشر"، مشيرة إلى أن تصنيف المنظمة يمثل "تدخلا في الحق بحرية التجمع والتعبير". ولفتت المنظمة إلى أن قرار عدم الإدانة جاء بعد 17 شهرا من الاعتقال والاتهام بـ"الارتباط بالإرهاب".

وخاض ثمانية معتقلين على خلفية القضية إضرابا طويلا عن الطعام استمر بالنسبة لعدد منهم 73 يوما، احتجاجا على استمرار اعتقالهم دون محاكمة منذ تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، كما قدموا شروطا لتعليق إضرابهم الذي وصل مرحلة هددت حياتهم، في أطول إضراب لمعتقلين على خلفية سياسية في بريطانيا منذ عقود.

وأعلن ثلاثة معتقلين تعليق إضرابهم في 14 كانون الثاني/ يناير الماضي بعد قرار الحكومة البريطانية بعدم منح عقد بقيمة حوالي ملياري جنيه إسترليني لشركة إلبيت سيستمز، وهو أحد المطالب التي رفعها المضربون كشرط لإنهاء احتجاجهم، كما أن أربعة من المضربين الآخرين قد أنهوا إضرابهم في وقت سابق، بعد أن حصلوا على تنازلات جزئية بشأن مطالبهم أو أنهم تعرضوا لتدهور حاد في صحتهم.

ماذا قالت المحكمة العليا؟

ورغم أن المحكمة العليا رفضت حجة فلسطين آكشن بأن أعضاءها يمارسون العصيان المدني على طريقة غاندي، ووافقت على دفع الحكومة بأن عدد الحوادث التي تضمن إحداث ضرر بالممتلكات قد يحقق متطلبات مفهوم الإرهاب، إلا أن المحكمة خلصت إلى أن القانون الجنائي الحالي يفي بالغرض، وميّزت المحكمة بين القضايا الجنائية وقضايا الإرهاب.

ويمنح قانون الإرهاب لعام 2000 وزير الداخلية صلاحية تصنيف المنظمات الإرهابية، حتى لا يتم تصنيف كل المنظمات التي تنطبق عليها المعايير التي يحددها القانون تلقائيا، لكن المحكمة رفضت تبرير الحكومة لتصنيف فلسطين آكشن بأنه يقدم "فوائد وقائية كبيرة". وقال القضاة في القرار الذي جاء في 45 صفحة إن "العواقب العملياتية والميزات ستطبق بالتساوي على أي منظمة يمكن أن يتم تصنيفها"، لذلك لا يمكن حظر منظمة واحدة على وجه الخصوص. وبناء عليه، خلصت المحكمة إلى أن قرار تصنيف فلسطين آكشن لا يتوافق مع سياسة وزارة الداخلية ذاتها.

ورغم إشارة المحكمة إلى ضرورة منح الحكومة هامشا سياسيا وعملياتيا لممارسة مسؤولياتها في تأمين سلامة السكان، فإنها عبرت عن قناعتها بأن قرار تصنيف فلسطين آكشن "لم يكن متناسبا"، وقالت إن المنظمة "تروج لأهدافها السياسية من خلال الأعمال الجرمية وتشجيع الأعمال الجرمية. عدد محدود للغاية من أفعالها يرتقي للعمل الإرهابي. ولهذه الأفعال، وبغض النظر عن التصنيف، القانون الجنائي موجود لمحاكمة الذي يثيرون القلق".

ويشير قرار المحكمة إلى أن تصنيف المنظمة يمثل تدخلا غير متناسب في حرية التظاهر، بينما يرتب التصنيف كمنظمة إرهابية عواقب "كبيرة جدا"، و"عقوبات ثقيلة".

من جهتها، أشارت صحيفة الغارديان في افتتاحية لها إلى أنها هذه المرة الأولى تنجح فيها منظمة في تحدي تصنيفها.

وقالت الصحيفة إن تصنيف فلسطين آكشن يستتبع عقوبة بالسجن لـ14 سنة لداعميها، رغم أن المنظمة "تهدف إلى عرقلة المصانع البريطانية التي تقول (المنظمة) إنها تزود وتدعم الجيش الإسرائيلي. إنها تلفت الانتباه إلى تصاعد أعداد الضحايا المدنيين في غزة، وكذلك إلى دور المملكة المتحدة في ما يُعد إبادة جماعية جارية على يد أحد حلفائها".

ولفتت الصحيفة إلى أنه في قضية مشابهة، عندما اقتحم خمسة محتجين قاعدة جوية بريطانية لعرقلة قصف بغداد عام 2003، لم توجه لهؤلاء الأشخاص تهمة الإرهاب، بل التسبب بالضرر الجنائي، وحينها تلقى بعضهم أحكاما مخففة وآخرون تمت تبرئتهم، وهي القضية التي كان فيها رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر أحد محامي الدفاع عن المتهمين.


وتضيف الصحيفة أن ستارمر اتخذ موقفا مختلفا بعد اقتحام نشطاء مؤيدين لفلسطين آكشن قاعدة برايز نورتون العام الماضي، وصبغوا طائرتين الدهان الأحمر، فهو "يعرف أن هيئة المحلفين قد تقف إلى جانب محتجي الضمير، خصوصا في قضية مثل غزة"، فأعلن تصنيف المنظمة مباشرة.

وكانت عدة جهات قد عارضت تصنيف فلسطين آكشن، بينها مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، والمخابرات الداخلية (MI5). وقالت المفوضية حينها إن قرار وزيرة الداخلية السابقة إيفيت كوبر "غير متناسب" و"غير ضروري". كما عبّر المركز المشترك لتحليل الإرهاب، التابع لـ"MI5"، عن تقديره بأن تصنيف المنظمة لا يتوافق مع شروط الإرهاب.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية فلسطين إرهابية الإسرائيلي بريطانيا حرية بريطانيا إسرائيل فلسطين إرهاب حرية المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة تغطيات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الحکومة البریطانیة تصنیف فلسطین آکشن المحکمة العلیا تصنیف المنظمة منظمة إرهابیة قرار تصنیف أن قرار إلى أن

إقرأ أيضاً:

سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة

{فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ومَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً، وما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}.
هذه الآية القرآنية تدل على أن الأمة الإسلامية مكلفة بتحقيق العدالة في الأرض وحماية المستضعفين، وأنه يجب على المسلمين أن يكافحوا الظلم حيثما كان ويزيلوا أسبابه؛ فكل قتال لأجل الدين والدفاع عنه هو في سبيل الله، وكل قتال لدفع الظلم ومعاونة المظلومين ضد الظالمين ونصرة الحق هو من القتال في سبيل الله، وكل طريق للوصول إلى الحق أو حمايته أو الدفاع عنه هو في سبيل الله.
وإذا كان التاريخ الإنساني والبشري قد شهد مآسي عديدة، فإن مأساة الشعب الفلسطيني تظل الجرح الأكثر نزفاً للضمير العالمي؛ فمنذ عقود يرزح الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، ولا يزال يعيش أبشع صوره من تشريد وقتل واحتلال القدس الشريف، والتدمير للبنية التحتية بغرض طمس الهوية العربية والإسلامية في فلسطين وعلى رأسها المسجد الأقصى، ورغم صدور عشرات القرارات من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تطالب بإنهاء الاحتلال والانسحاب إلى حدود 1967م، إلا أن الكيان الصهيوني يضرب بها عرض الحائط، مدعوماً بغطاء دبلوماسي وعسكري أمريكي يصادم القانون الدولي ويخدم الصلف الصهيوني، وبما يدل على العجز الذي يبديه المجتمع الدولي -بما في ذلك المنظومة العربية والإسلامية- عن رفع هذا الظلم التاريخي، وإنهاء الحصار الجائر والشامل على قطاع غزة، وإجبار الاحتلال على الانسحاب الكامل من غزة والقدس والضفة الغربية. إنها مظلومية لم تعد مجرد قضية سياسية، وإنما هي اختبار ساقط للعدالة الدولية المدعاة.
والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: ما هي مصلحة الشعب الأمريكي في استمرار الدعم الأعمى للصهيونية؟ في الواقع لا شيء يستفيده الشعب الأمريكي، وإنما يترتب على ذلك هو توسيع رقعة الصراع ومحاصرة الجمهورية الإسلامية في إيران، والذي لا يخدم المواطن الأمريكي البتة. إن الغالبية العظمى من الشعب الأمريكي -والتي تصل إلى نحو 66%- تعارض الدخول في مغامرات عسكرية أو حروب ضد إيران، إذن فالسياسة التي ينتهجها الرئيس ترامب تمثل خطأً استراتيجياً فادحاً يضر بالشعب الأمريكي أولاً قبل غيره، وتلويح ترامب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران يمثل تجاوزاً صارخاً للدستور الأمريكي الذي منح الصلاحية للكونجرس، ويشكل إعلان حرب يضرب أسس الديمقراطية الأمريكية ويكشف هشاشتها؛ لأنه يستنزف قدرة الأمريكيين في حروب لا ناقة لأمريكا فيها ولا جمل، ويضعف مكانتها السياسية والعسكرية بشكل مباشر، وإن خدم الصهيونية فإنه يواجه المواطن الأمريكي بأزمة اقتصادية، منها ارتفاع أسعار الوقود والنفط، ويشكل سبباً رئيساً في تعطيل الخطوط التجارية والملاحية؛ مما يثقل كاهل المواطن الغربي بصفة عامة والأمريكي بصفة خاصة؛ لأن الاقتصاد الأمريكي يصاب بالتضخم والركود.
إن الضعف الأمريكي اليوم لم يعد عسكرياً فحسب بالمنظور العلمي وبالمعنى التقليدي، وإنما هو ضعف يسبب عجزاً عن التحمل؛ فحصار إيران لعقود لم يثمر -رغم مرور عقود من الزمن- شيئاً، وإشعال أمريكا للحرب ضد إيران أظهر ضعفها للعالم، وأكبر دليل على ذلك طلبها للمصالحة والتوقيع والتماسها لذلك، مما يشعر المتابعين في العالم بعدم تحقيقها لأي نصر وأن ذلك مستبعد. وفي هذا السياق تكون الصهيونية قد جنت على نفسها وعلى اليهود في فلسطين؛ لأن المراهنة على مظلة الحماية الأمريكية ستتراجع فهي تتآكل، وهذا ما سيتسبب في زوال الهيمنة الأمريكية، واعتمادها على الدعم من الحلفاء العرب لن يدوم ولن يكتب له النصر أبداً.
فالواجب الأخلاقي والسياسي يتطلب من الحزب الديمقراطي السعي لرفع ظلم واضطهاد الشعب الفلسطيني المظلوم ودعم حقوقه المشروعة، وإنهاء سياسة الحصار والعقوبات المفروضة على الشعب الإيراني منذ عقود، وهي السياسات التي ثبت فشلها؛ فإذا كان في أمريكا أهل عقول راجحة وسياسة ناجحة، فعليهم أن يعيدوا ترامب والتوجه الصهيوني عن هذه السياسات التصادمية قبل أن تتحول أمريكا إلى أضحوكة سياسية على مسرح السياسات الدولية، وقبل أن تكتشف الشعوب والشعب الأمريكي نفسه أن شعاراته البراقة عن الديمقراطية وحقوق الإنسان في أمريكا، ليست سوى أوهام وشكوك تخفي وراءها هشاشتها؛ فالعودة إلى صوت العقل والقانون الدولي وإعطاء الشعوب حقوقها هو المخرج الوحيد قبل أن يصير هناك انهيار استراتيجي شامل. وعلى الدول الغربية والإسلامية أن يتدبروا قول الحق سبحانه وتعالى: {وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً}.
الشعب الفلسطيني يعيش تحت واحد من أطول وأقسى أشكال الاحتلال للأرض الإسلامية، ولم يكتفِ ذلك الاحتلال بحصار الأرض، وإنما تجاوز ذلك إلى محاولة اقتلاع الإنسان الفلسطيني من تاريخه وهويته ووجوده، تحت صمت عربي وإسلامي مؤلم، وتواطؤ سياسي من قوى كبرى جعلت من حقوق الإنسان شعاراً يرفع حيث تقتضي المصالح ويدفن حيث تكون الضحية فلسطينياً.
فعلى العرب والمسلمين كافة أن يرفعوا راية الجهاد وأن يعلنوا ذلك في عرفات في هذا العام كما رفع النبي البراءة من المشركين. وتفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية الشاملة، قطع العلاقات الدبلوماسية والتطبيعية، واستخدام أوراق القوة الاقتصادية (كالنفط والممرات المائية) التي تمتلكها المنظومة العربية والإسلامية للضغط على الغرب.
يا رافعاً رايةَ الإسلامِ مُحْتَسِبَا
جَاهِدْ فَمَا ضَاعَ حَقٌّ بَعْدَمَا طُلِبَا
تَمْسِي وَتُصْبِحُ فِي هَمٍّ وَفِي نَصَبٍ
لٰكِنَّ رَبَّكَ لَمْ يَتْرُكْكَ مُغْتَرِبَا
شَرِيعَةُ اللهِ نُورٌ فِي بَصَائِرِنَا
نَفِيءُ لِلْحَقِّ لا شَكّاً وَلا رِيَبَا
أَمَادَ جَيْشُ العِدَا أَرْضاً بِمَظْلَمَةٍ
وَأَشْعَلَ البَغْيُ فِي سَاحَاتِهَا لَهَبَا؟
فِي غَزَّةَ الجُرْحُ أَقْلَامٌ مُعَبِّرَةٌ
تَخُطُّ مَجْداً، وَتَسْقِي عِزَّةً شُهَبَا
ظَنَّ الطُّغَاةُ بِأَنَّ الأَرْضَ مِلْكُهُمُ
وَأَنَّ سُلْطَانَهُمْ قَدْ طَاوَلَ السُّحُبَا
يَقُولُ زُوراً كَذُوبُ القَوْمِ فِي عَلَنٍ
وَالفِعْلُ يَفْضَحُ مَا صَاغُوا وَمَا كَتَبَا
لٰكِنَّ أَسْدَ الشَّرَى هَبُّوا لِنُصْرَتِهَا
بِعَزْمِ مَنْ لَا يَرَى فِي دِينِهِ تَعَبَا
تَخَالُهُمْ مِنْ ثَبَاتِ الأَرْضِ جَلْمَدَةً
بَلْ رَاسِيَاتٍ تَهُدُّ المَارِقَ العَرِبَا
فَاصْبِرْ فَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ خَالِقِنَا
يُعِيدُ حَقّاً لِمَنْ عَانَى وَمَنْ غُلِبَا
لقد تحوَّلت فلسطين، ولا سيَّما غزَّة، إلى ساحةٍ مفتوحةٍ للمجازرِ والحصارِ والتجويعِ والتدمير، حتى باتت صورُ الأطفالِ تحتَ الأنقاض، والأمَّهاتِ الثكالى، والمستشفياتِ المدمَّرة، مشاهدَ يوميَّةً تهزُّ ضميرَ كلِّ حرٍّ في العالم. عشراتُ الآلافِ من القتلى والجرحى والمعاقين، وملايينُ المشردين الذين حُرموا من أبسطِ حقوقِ الحياة، في ظلِّ حصارٍ خانقٍ يخالفُ كلَّ القوانينِ والمواثيقِ الدوليَّةِ.
وما يزيدُ المأساةَ فداحةً أنَّ الاحتلالَ الصهيونيَّ لم يكتفِ بقتلِ الأبرياءِ وتدميرِ البيوت، بل استمرَّ في تدنيسِ المقدَّسات، وعلى رأسِها المسجد الأقصى، الذي يتعرَّضُ لاقتحاماتٍ متكرِّرةٍ ومحاولاتِ تهويدٍ ممنهجة، في انتهاكٍ صارخٍ لكلِّ القوانينِ الدوليَّةِ والإنسانيَّةِ.
يفوزُ بالعِزِّ والإحسانِ مَن نَهَضا
للهِ يحملُ سيفَ الحقِّ محتسبا
لا يبتغي غيرَ وجهِ اللهِ منزلةً
ولا يُريدُ منَ الدُّنيا بها رُتَبا
قد أيقنَ الأمرَ حقًّا لا التواءَ بهِ
وأنَّ شرعَ الهدى يؤازر النجبا
وأنَّ خيرَ الورى الهادي محمّدَ قد
أرسى منَ العدلِ نهجًا يَصدَعُ الحُجُبا
وأمرَ الأمةَ الغرّاءَ أن تقفَ الـ
وقفةَ العُظمى إذا باغٍ بنا غضبا
كمنْ بغى في فلسطينَ الجريحةِ إذ
أضحى يريقُ دمَ الأطفالِ مُغتصبا
كم هدَّ دورًا وكم أفنى منازلَها
وكمْ أثارَ منَ الآلامِ والكُرُبا
حتى غدتْ ألسنُ التاريخِ شاهدةً
بأنَّهُ جاوزَ الطغيانَ والحقَبا
فأطلقَ الظلمَ في الآفاقِ منتفشًا
كأنَّهُ لم يخفْ يومًا ولا حِسَبا
وينفثُ الزورَ والتضليلَ في صلفٍ
ويزرعُ الإفكَ في الأذهانِ مُنتشبا
والناسُ بينَ مُضلٍّ قد أطاعَ هوىً
وبينَ حرٍّ رأى في الحقِّ ما وجبا
لكنَّ أنصارَ دينِ اللهِ قد نهضوا
كالسيلِ لمّا رأى الطوفانَ مُقتربا
قومٌ إذا ذُكرَ الإقدامُ كدتَ ترى
في حدِّ عزمِهِمُ التاريخَ قد كُتِبا
هيهاتَ يَذهبُ المعروفُ مُندثرًا
أو يتركُ اللهُ سعيَ المخلصينَ هَبى
فالنصر بإذن الله قادم، والتلويح بالحرب باستخدام القوة العسكرية ضد إيران لن يجدي الصهيونية نفعاً، وإنما سيصيب أسس الديمقراطية الأمريكية ليرمي بها في مقتل، وسيكون عاقبة أمرهم خسراً {لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ}، {وَ لَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}
عضو رابطة علماء اليمن

مقالات مشابهة

  • سقوط العدالة الدولية.. فلسطين تُعرّي الهيمنة الأمريكية وحتمية خيار المقاومة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • مؤتمر بالبرلمان الأوروبي يشيد بالنموذج الإماراتي في تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • قدّموا التهاني بمناسبة عيد الأضحى.. أمير الرياض ونائبه يستقبلان أمين المنطقة ومديري التعليم والنقل والصحة ورئيسَي المحكمة العامة والتنفيذ
  • بعد طلب زينة حبسه.. المحكمة تتخذ قرارها ضد الفنان أحمد عز
  • نجم الزمالك يعتذر عن المشاركة في وديتي فلسطين أمام قرغيزستان
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • محاكمة جرائم الحرب السورية في النمسا تُحيل مسؤولين سابقين في نظام الأسد أمام المحكمة الأوروبية