نتائج صادمة.. استبعاد الماشية من المراعي قد يؤدي لتفاقم الاحتباس الحراري
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
وجدت أبحاث قادتها جامعة مانشستر البريطانية أن إزالة الماشية بالكامل من المراعي العشبية المرتفعة الاستراتيجية، التي كان ينظر إليها غالباً كوسيلة لتعزيز تخزين الكربون في التربة، قد تُضعف في الواقع تخزين الكربون طويل الأمد في التربة، وهو عنصر حاسم في جهود التخفيف من آثار الاحترار العالمي.
نشرت نتائج الدراسة في دورية (PNAS) كجزء من تقارير علمية بيئية حول أحدث الأدلة المتعلقة بدور الإدارة البشرية للمناظر الطبيعية في مخزون الكربون، وشارك في البحث علماء من جامعات متعددة بما في ذلك جامعة لانكستر البريطانية، وجامعة ييل الأمريكية، وجامعة فوجيان نورمال الصينية، وجامعة ليدين في هولندا، إلى جانب جامعة مانشستر البريطانية.
تركز الدراسة على المناطق العشبية المرتفعة في المملكة المتحدة، الممتدة من دارتمور جنوباً حتى جلينسو في اسكتلندا، حيث قارن الباحثون بين قطعان الماشية التي تركت المراعي بدون رعي لأكثر من عشر سنوات والمناطق المجاورة التي تعرضت للرعي التقليدي خلال تلك الفترة.
وكان من بين النتائج الرئيسية أن الأراضي التي تركت بدون ماشية تميل إلى أن تتراكم فيها كمية أكبر من الكربون السريع الدوران -الموجود في النباتات والمواد العضوية السطحية- إلا أنها تحوي كمية أقل من الكربون المرتبط بالمعادن في التربة (MAOC)، وهو شكل من أشكال الكربون التي ترتبط بالمعادن في التربة وتستمر لعدة عقود أو قرون، ما يجعله ذا قيمة أعلى من حيث التخزين طويل المدى لمناخ الأرض.
تُظهر هذه النتائج أن التركيز فقط على مخزون الكربون الكلي دون الأخذ في الاعتبار مدى ثبات ذلك الكربون في التربة قد يكون مضلّلاً عند تقييم الاستراتيجيات المقترحة لمكافحة تغيّر المناخ. فبينما تؤدي إزالة الماشية إلى زيادة الكربون السريع الدوران الذي يسهل تحلله وتحويله إلى غازات دفيئة ثانية، فإن انخفاض MAOC يعني أن التربة قد تُفقد قدرتها على أن تكون مخزناً قوياً للكربون على المدى الطويل.
تغيرات في الغطاء النباتيتبيّن أن السبب وراء هذا التراجع في الكربون الثابت مرتبط بتغيرات في الغطاء النباتي عندما لا يكون هناك رعي، إذ تصبح المراعي أكثر سيطرة من قبل الشجيرات القزمة مثل الخرشوف وتتعاون جذور هذه النباتات مع فطريات متخصصة تُعرف باسم الفطور الجذرية الإريكويدية ericoid mycorrhiza، التي تؤثر في دورة المواد العضوية في التربة؛ فهي تُبطئ تحلّل المخلفات النباتية السطحية، مما يزيد الكربون السريع الدوران، لكنها أيضاً تحفّز تفكك الكربون الأقدم والأكثر ثباتاً للحصول على المغذيات اللازمة لنمو النباتات الجديدة.
وفي تعليق له على النتائج، أوضح ريتشارد باردجيت من جامعة لانسستر، الذي أطلق فكرة هذا البحث، أن الإبقاء على مستويات منخفضة من الرعي في المراعي العشبية الوعرة هو نهج يساهم في حماية أشكال الكربون الأثقل والأكثر ثباتاً في التربة، وهو أمر بالغ الأهمية لتحقيق منافع مناخية على المدى الطويل.
غير أن الباحثين الذين قادوا الدراسة يؤكدون أن النتائج لا تُعني بالضرورة أن الرعي المكثف مفيد؛ فالممارسات عالية الشدة قد تكون ضارة بتوازن التربة والغطاء النباتي. بدلاً من ذلك، ينتقدون الاعتماد على استراتيجيات الإقصاء التام للماشية كحل سريع للتخفيف من تغيّر المناخ، ويشددون على الحاجة إلى نهج إدارة مراعي متوازنة يأخذ في الحسبان ليس فقط كمية الكربون المخزّن، ولكن ثباته ومقاومته للتحلل الناتج عن الاحترار.
تكمن أهمية هذه الدراسة في كون المراعي العشبية تخزن حوالي ثلث الكربون الأرضي القائم على اليابسة، أغلبه في التربة، مما يجعل فهم ديناميكية الكربون في هذه النظم البيئية حاسماً في صياغة سياسات الاستخدام الأرضي لتحقيق أهداف الحياد المناخي.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الدراسة ماشية مخزون الكربون الکربون فی فی التربة
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..