دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- يُقال إن الصورة أبلغ من ألف كلمة، لكن هل ما زلنا نثق بها لتروي الحقيقة؟

بسبب الإنترنت، وأدوات تعديل الصور، ومنصات التواصل الاجتماعي، وبالطبع، الذكاء الاصطناعي، أصبحنا نعي بشكل متزايد أن المظاهر قد تكون خادعة عندما يتعلق الأمر بالتصوير الفوتوغرافي. فالصور المفبركة، مثل صورة البابا فرنسيس الراحل مرتديًا معطفًا عصريًا أبيضًا منتفخًا، كثيرًا ما تنتشر على نطاق واسع بعد أن تأسر خيال الجمهور.

لكن بينما تتطور التكنولوجيا التي تتيح لنا إنشاء صور لأطفال رضع يرقصون رقصا بهلوانيا أو قطط على هيئة أفراد عصابات، فإن التلاعب بالصور ليس أمرًا جديدًا على الإطلاق، كما يبيّن معرض سيُقام في متحف ريكز في مدينة أمستردام الهولندية.

افتُتح المعرض خلال شهر فبراير/شباط تحت عنوان "Fake!"، ويستعرض كيف صُنعت الأوهام البصرية منذ منتصف القرن التاسع عشر.

بطاقة بريدية أمريكية تُظهر على ما يبدو أكبر سنبلة ذرة زُرعت على الإطلاق. التقط الصورة المصور الأمريكي ويليام مارتن عام 1908.Credit: Courtesy Rijksmuseum

قال منسق المعرض هانس روزيبوم لـ CNN خلال مكالمة فيديو: "نحن جميعًا نتحدث عن الذكاء الاصطناعي هذه الأيام. نحن معتادون على الفوتوشوب وغيره من الوسائل الرقمية لتغيير الصور، لكننا أردنا أن نُظهر أن ذلك كان موجودًا دائمًا، منذ الأيام الأولى للتصوير الفوتوغرافي".

وأضاف: "لطالما كان لدى الناس ميل للعب بجميع الإمكانات التي يتيحها التصوير الفوتوغرافي، سواء بالكاميرا أو في غرفة التحميض، أو باستخدام المقص والغراء بطرق غير رقمية".

يضم المعرض 52 صورة من مجموعة المتحف تعود إلى الفترة بين عامي 1860 و1940، وجميعها أُنجزت باستخدام الكولاج أو المونتاج. في الكولاج الفوتوغرافي، يقوم الفنان بقص الصور ولصقها يدويًا. أما في المونتاج الفوتوغرافي، فتُدمج عدة صور ثم يُعاد تصويرها.

مثل الكثير مما نراه اليوم من صور الذكاء الاصطناعي، تُظهر العديد من هذه الأعمال المبكرة مشاهد خيالية واضحة، مثل رجل يدفع نسخة عملاقة من رأسه داخل عربة، أو كوز ذرة هائل يُسحب بعربة تجرها الخيول.

لكن لماذا بذل المصورون الأوائل كل ذلك الجهد لصنع صور زائفة؟

لطالما استُخدمت الصور الفوتوغرافية في التلاعب لأغراض السخرية السياسية. هذه الصورة التي التقطها جون هارتفيلد كانت على الغلاف الأمامي لمجلة "Arbeiter-Illustrierte-Zeitung" اليسارية عام 1934.Credit: Courtesy Rijksmuseum

وقال روزيبوم: "ولمَ لا يقوم الناس بتزييف الصور؟"، مضيفا أن التصوير الفوتوغرافي "لم يكن يومًا واقعيًا بالكامل"، لا سيما في القرن التاسع عشر، حين كان الناس "أكثر اعتيادًا على رؤية لوحات ومطبوعات ورسومات لا تنقل الحقيقة الحرفية".

وأوضح: "كان الناس يعتادون ببطء على التصوير الفوتوغرافي، وربما ببطء أيضًا على فكرة أن الصور الفوتوغرافية يمكن أن تكون أكثر واقعية مقارنة بغيرها من الصور". لكنه أضاف: "هناك القليل من التعليقات من تلك الفترة، لذلك بالكاد نعرف كيف كانت ردود فعل الجمهور على ما كانوا يرونه".

كان الدافع غالبًا وراء الصور المزيفة المبكرة هو الترفيه. أما الصور الأخرى فكانت للإعلان أو للتعبير عن موقف سياسي.

على سبيل المثال، كان جون هارتفيلد، وهو الاسم المستعار للفنان الألماني هيلموت هرتسفيلد، من أبرز الساخرين الفوتوغرافيين، وكان معارضًا بشدة لهتلر وحزبه النازي. 

تُظهر صورة لهارتفيلد عام 1934، استُخدمت على غلاف المجلة المصوّرة الألمانية "Arbeiter-Illustrierte-Zeitung"، جوزيف غوبلز، كبير دعاة النازية، على أنه حلاق هتلر.

وقال روزيبوم: "إنه هتلر، لكن غوبلز يحوّله إلى (كارل) ماركس من أجل استمالة الناخبين من الطبقة العاملة".

أضاف أن هارتفيلد يُعد الأكثر شهرة والأذكى، بحسب رأيه، في استخدام التصوير الفوتوغرافي للسخرية من النازية وكل ما فعله النظام، ومحاولة تحذير الناس من الخطر الذي كان يلوح في الأفق.

وتابع: "من المثير للاهتمام أن هذا النوع من السخرية لا يزال شائعًا، إن لم يكن أكثر من أي وقت مضى".

على عكس الخيالات والسخرية المبكرة، لم يبدأ التصوير الصحفي في التطور فعليًا إلا في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومعه ظهرت توقعات جديدة بأن تكون الصورة الفوتوغرافية صادقة.

وقال روزيبوم: "في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، بدأ الناس يعتادون على رؤية الكثير من الصور الفوتوغرافية في المجلات الشعبية".

وأضاف: "لم يكن هناك انعدام ثقة [قبل تلك الفترة]، لأن الناس كانوا معتادين فقط على الصور المرسومة يدويًا، ولذلك تسللت الفكرة ببطء إلى الأذهان بأن التصوير الفوتوغرافي يجب أن يقول الحقيقة".

أنشئت هذه الصورة، التي تحمل عنوان "قطع الرأس"، بواسطة إف. إم. هوتشكيس، حوالي عام 1880-1900.Credit: Courtesy Rijksmuseum

في نحو ثلاثة أرباع عدد الصور المعروضة في المعرض، يكون التزييف "واضحًا للغاية"، بحسب روزيبوم، مثل شخص يبدو أنه خضع لقطع رأس مسرحي، ولكن في بعض الصور، يصعب اكتشاف كيفية تنفيذ التلاعب.

في كثير من الحالات، أُنتجت الصور على يد مصورين مجهولين وأُعيد نشرها كبطاقات بريدية. وصُنعت بطاقة الرجل الذي يدفع رأسه داخل عربة باستخدام "حيلة هواة" في المونتاج الفوتوغرافي، بحسب روزيبوم. وكان ذلك يتضمن دمج عدة سلبيات (نيغاتيف)، إما بطباعتها معًا في غرفة التحميض أو بقصها ولصقها ثم إعادة تصويرها.

وقال: "وُصفت هذه الحيلة في مجلات وكتيبات صغيرة منذ تسعينيات القرن التاسع عشر في فرنسا وأماكن أخرى. ويُعتقد أن الصورة أُنتجت بين عامي 1900 و1910 على يد فنان مجهول".

قال الفنان هاي رايلي في مقابلة مع CNN: "المحتوى الذي أنشره على إنستغرام موجه في الواقع لجمهور مطّلع، أشبه بنادٍ رقمي للمعجبين يفهمون الدعابة فورًا. إذا ظن أحدهم أن التزييف يهدف إلى خداع الناس، فهو مخطئ تمامًا في فهم المغزى".Credit: Hey Reilly

بالنسبة إلى بيتر أينسوورث، وهو منسق برنامج الماجستير في التصوير والممارسة الرقمية في كلية لندن للاتصال، فإن الفنانين الذين يتلاعبون بالصور يفعلون ذلك غالبًا لإيصال فكرة. وأضاف: "غالبًا ما يُستخدم ذلك كنوع من السخرية"، مشيرًا إلى أن المبدعين يسعون لتقديم "صوت نقدي للمشكلات الكامنة في التكنولوجيا".

وأضاف أينسوورث أن دافع الفنان يجب أن يؤثر أيضًا في كيفية تقييمنا للعمل، قائلًا: "الأمر يتعلق بكيفية دخوله في منظومة أوسع". ولتوضيح ذلك، ضرب مثالًا بفيديو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن غزة، والذي أُنشئ بالذكاء الاصطناعي العام الماضي. وأُنتج المقطع كسخرية، لكنه تصدر العناوين عندما نشره ترامب بنفسه.

أنشئ فيديو ترامب عن غزة كعمل ساخر من قبل الفنان سولو أفيتال وشريكه، لكن مدى انتشاره وردود الفعل عليه تغير بشكل كبير عندما نشره الرئيس الأمريكي بنفسه.Credit: From Donald Trump/Truth Social

أما الفنان الذي يقف خلف حساب "HEY_REILLY" الشهير على "إنستغرام"، والذي يسخر من المشاهير عبر صور معدّلة بالذكاء الاصطناعي، فأشار إلى أنه بدأ بهدف إضحاك نفسه وأصدقائه.

وأشار الفنان الذي طلب التعريف عنه باسم REILLY فقط إلى أنه "مع مرور الوقت، أصبحت أكثر اهتمامًا بما تعكسه هذه الأعمال عنا: هوسنا بالمكانة الاجتماعية، والمشاهير، والنزعة الاستهلاكية، والطريقة التي تعمل بها العلامات التجارية والوجوه تقريبًا كاختصار بصري الآن".

وأضاف: "لا يزال لدينا هذا الإحساس المتجذر بأن الكاميرا لا تكذب ويمكن رؤية ذلك في مدى قلق الناس من صور الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في السياسة. ينجح التزييف فقط لأن أعيننا وعقولنا ما زالت مهيأة للثقة بالصور الفوتوغرافية".

ورأى أن النقاش الدائر حول عدم الأمانة في الذكاء الاصطناعي والتزييف يركز على الجانب الخاطئ، موضحا أن "الصور المزيفة موجودة لتوجيه الناس نحو الوسيلة الإعلامية. لكن ما يجب أن نوليه اهتماماً أكبر هو قوة وتأثير المنصات الرقمية، ودوافع مالكيها".

الذكاء الاصطناعيصورنشر الأربعاء، 18 فبراير / شباط 2026تابعونا عبرسياسة الخصوصيةشروط الخدمةملفات تعريف الارتباطخيارات الإعلاناتCNN الاقتصاديةمن نحنالأرشيف© 2026 Cable News Network. A Warner Bros. Discovery Company. All Rights Reserved.

المصدر

المصدر: CNN Arabic

كلمات دلالية: الذكاء الاصطناعي صور التصویر الفوتوغرافی الصور الفوتوغرافیة الذکاء الاصطناعی

إقرأ أيضاً:

ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف

تواصل جامعة بني سويف، ريادتها البحثية في دعم الحراك الأكاديمي، من خلال إثراء المكتبة العربية بإصدارات علمية رصينة تواكب التحولات التكنولوجية المعاصرة. 

حيث أعلنت الدكتورة عزة الجوهري عميد الكلية صدور أحدث المؤلفات العلمية المتميزة للدكتور قياتي عاشور، مدرس علم الاجتماع بالكلية، والذي جاء تحت عنوان "ما وراء الكود السلطة، الثقافة، والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي"، والصادر عن دار الكتاب الجامعي بدولة الإمارات العربية المتحدة.

من جانبه، أشاد رئيس الجامعة  بهذا العمل باعتباره خطوة استراتيجية نحو تعزز مكانة الجامعة في التصنيفات الدولية، ويعكس جهود أعضاء هيئة التدريس في تقديم إنتاج فكري يخدم الباحثين محلياً وإقليمياً، لافتاً إلى أن هذا الكتاب  يفتح آفاقاً بحثية جديدة تشجع على إنتاج أطروحات علمية ورسائل ماجستير ودكتوراه لعصر الذكاء الاصطناعي.

بني سويف تتجمل.. حملات مكثفة بالوحدات المحلية لرفع مستوى النظافة والتجميل ومواجهة التعديات لخدمة المواطنبني سويف: تحرير 70 مخالفة وضبط سلع مجهولة و1000 لتر وقود في حملات تموينيةوكيل صحة بني سويف يعتمد توزيع 154 طبيبًا بشريًا وفقًا للمجموع والرغبات

ويسهم هذا الطرح في تمكين الباحثين من فهم آليات العصر الرقمي، ويؤكد على دور العلوم الإنسانية في تفكيك وفهم التحديات التكنولوجية التي تشكل ملامح عالمنا اليوم وغداً.
ويأتي هذا الكتاب كإضافة نوعية غير مسبوقة للمكتبة الأكاديمية العربية، حيث يعد من أوائل المؤلفات التي تقدم تأصيلاً نظرياً متكاملاً في مجال "سوسيولوجيا الذكاء الاصطناعي". ولا تتوقف القيمة المعرفية للكتاب عند الشرح التقني الجاف للأنظمة الذكية، بل تتجاوز ذلك لتغوص في الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، حيث يقدم المؤلف قراءة نقدية معمقة ومبتكرة حول كيفية تأثير الخوارزميات وصناع الكود على بنية السلطة التقليدية، وتغيير أنماط العمل البشري، فضلاً عن طرح تساؤلات جوهرية تمس مستقبل السيادة الرقمية داخل المجتمعات الحديثة.


طباعة شارك بني سويف جامعة بني سويف دقياتي عاشور

مقالات مشابهة

  • استشاري: الذكاء الاصطناعي يدخل عصر التنفيذ.. والأنظمة ستنوب عن البشر لإدارة المهام الرقمية
  • وول ستريت تتراجع بعد قمم تاريخية.. وطفرة الذكاء الاصطناعي تدعم أسهم التكنولوجيا
  • بفستان جينز .. ظهور لافت لـ إنجي المقدم يبهر متابعيها
  • ما وراء الكود.. دراسة علمية حول السلطة الثقافة والمجتمع في عصر الذكاء الاصطناعي بجامعة بني سويف
  • برنامج خبراء الإمارات يطلق “مسار الذكاء الاصطناعي” يونيو الجاري
  • معالج جديد من إنفيديا قد يقلب موازين المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي
  • الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.. تدريب صيفي بتعليم المنشاه بسوهاج
  • صور تفوق التوقعات.. الذكاء الاصطناعي يصنع معايير جمال يصعب تحقيقها وتُربك الجراحين
  • ميرز: ألمانيا تقترب من تحقيق الاستقلال في بيانات الذكاء الاصطناعي
  • ولي عهد الشارقة يوجه بتسريع تبني الذكاء الاصطناعي المساعد في العمل الحكومي