الجزيرة:
2026-06-02@16:59:50 GMT

هل تقول حماس وداعا للسلاح؟

تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT

هل تقول حماس وداعا للسلاح؟

تكرر في الآونة الأخيرة طرح مسألة تسليم المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة سلاحها، تارة كاشتراط "إسرائيلي" لتطبيق المرحلة الثانية، وتارة أخرى كالتزام واجب التنفيذ على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وطورا كمحاولة لسحب ذرائع عودة الحرب في دوائر فلسطينية وعربية وإقليمية.

خطة ترمب والسلاح

وافقت حركة حماس على خطة الرئيس ترمب بشكل مشروط إن جاز التعبير، بحيث قبلت بالكامل المرحلة الأولى التي شملت وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى ودخول المساعدات، بينما تركت الملفات السياسية الثقيلة المرتبطة بالمقاومة والقضية الفلسطينية لمسار التفاوض و"للتوافق الوطني الفلسطيني".

رغم ذلك، عدّ ترمب ذلك موافقة كاملة من حماس على "خطة السلام" التي طرحها، وأشاد بذلك على حسابه الخاص على وسائل التواصل، مؤكدا أن الحرب انتهت إلى غير رجعة، وأن عصر السلام قد بدأ في المنطقة، بجهوده طبعا.

التزمت حماس والأطراف الفلسطينية بشكل تام باستحقاقات المرحلة الأولى، فبذلت جهدا استثنائيا للبحث عن جثامين جنود الاحتلال بعد تسليم الأسرى الأحياء، وأوقفت النار من طرفها تماما، ولم ترد- إلا باستثناءات بسيطة- على الخروقات "الإسرائيلية" التي شملت قتل مئات المدنيين، واغتيال قيادات وازنة في المقاومة.

في المقابل، لم يلتزم الاحتلال بفتح المعابر، وماطل بذلك طويلا، ثم فتح معبر رفح بشكل جزئي ومشروط ومسيطر عليه، مع معاملة قاسية للعائدين إلى غزة، فضلا عن الخروقات المشار لها، وتوسيع مناطق احتلاله بدل تراجعها وفق بنود الخطة.

ومع ذلك، أشادت كل التصريحات الرسمية الأمريكية بتنفيذ الاتفاق، و"السلام الذي ساد"، مذكرة كل حين بالتزامات الطرف الفلسطيني، وفي مقدمتها تسليم السلاح، دون أي ذكر حتى للخروقات "الإسرائيلية".

يذكرنا ذلك بأن الخطة بنيت منذ البداية على أساس تجريم المقاومة الفلسطينية، والشراكة مع الاحتلال في مسار الحل، ومن مؤشرات ذلك لقاء ترمب- نتنياهو الذي تكرر قبيل إعلان الخطة، وقبيل إعلان انطلاق المرحلة الثانية، والبنود التي تجعل دولة الاحتلال شريكا في عدة قرارات مصيرية بخصوص غزة، فضلا عن عضوية نتنياهو بمجلس السلام، وهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة (يمكن أن يمثله شخص آخر).

إعلان

طويت إذن المرحلة الأولى ولم تنفذ تماما، أقله بخصوص الاحتلال. ومع انطلاق المرحلة الثانية يشترط نتنياهو سحب سلاح المقاومة لتنفيذها، بينما يهدد ترمب بإطلاق يد الأخير مجددا ليستأنف الحرب على غزة في حال لم تسلم حماس سلاحها.

كما أكد المبعوث السامي لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف المعروف بعلاقاته الوثيقة مع نتنياهو، أن المطلوب هو "نزع سلاح كل المسلحين في غزة"، وأنه "لا خيار آخر أمامنا".

سيناريوهات

تسعى الإدارة الأمريكية لإظهار أن الاشتراطات "الإسرائيلية" بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية مطلب دولي وعنصر رئيس في خطة ترمب التي "وافقت عليها حماس، وعليها الالتزام بها"، وتبعا لذلك تكرر التناول الإعلامي للأمر وكأنه واجب الوقت ولا معضلة سواه.

كما هو متوقع، ترى حماس وكافة فصائل المقاومة الفلسطينية فكرة تسليم السلاح خطا أحمر لأسباب مبدئية وأخلاقية ووطنية ودينية، وكذلك عملية وواقعية. وتحاول الحركة الفلسطينية أن تقدم مقاربات بديلة يمكن قبولها من الطرف الأمريكي، قدمتها للدول الضامنة التي "أبدت تفهما لذلك".

وفي المجمل يجري البحث عن حلول تتعلق بالشكل (الدفن أو التجميد) والتوقيت (بعد انتشار قوة الاستقرار) والوسيلة (تسليم لطرف محلي أو إقليمي)، فضلا عن التدرج (أولا السلاح الثقيل). يُعرض على حماس ضرورة "الالتزام" بتسليم سلاحها ثقة بـ"ضمانات المجتمع الدولي" بعدم تكرر العدوان، ودخول المساعدات، وانسحاب الاحتلال، رغم أن الكل يدرك أن المجتمع الدولي أعجز عن ذلك.

فعلى مدى عامين، عجز المجتمع الدولي عن وقف الإبادة، وإدخال المساعدات، وفتح المعابر، ومنع استهداف المدنيين المجوعين بشكل متعمد خلال محاولات حصولهم على المساعدات الشحيحة التي سمحت بها قوات الاحتلال لتحولها لمصيدة وآلة قتل.

وبعد إعلان وقف إطلاق النار، لم ينجح هذا المجتمع الدولي في وقف خروقات الاحتلال وخصوصا المجازر الجماعية والاغتيالات، ولا استطاع إجبار "إسرائيل" على الالتزام بفتح المعابر وإدخال المساعدات فضلا عن توسيع مناطق احتلالها داخل القطاع.

المجتمع الدولي الذي يقرر مصير غزة اليوم هو الإدارة الأمريكية، ولعله يكفي هنا التذكير بدورها خلال الحرب على غزة وفي المنطقة، والتنسيق المستمر مع حكومة نتنياهو، وقبول ما تسميه الأخيرة "حرية الحركة"، فضلا عن التهديدات المتكررة باستئناف الإبادة.

ثمة نماذج عديدة في التاريخ لمن رهنوا قرارهم بضمانات المجتمع الدولي، فخسرت قضاياهم أو اندثرت، بينما كل حركات التحرر تتكئ على عناصر قوتها من سلاح وحاضنة وشعب وتحالفات

المطلوب

تدرك حماس، والكل الفلسطيني، أن المطلوب ليس السلاح بمفهومه التقني وإنما تجريم المقاومة فكرا وفعلا، ثم تجريدها من كل أوراق قوتها، وإظهارها في شكل المستسلم، وترك الفلسطينيين للاحتلال ليستفرد بهم أكثر "كضحية سهلة القتل"، كما جاء على لسان رئيس حركة حماس في الخارج خالد مشعل في منتدى الدوحة.

بين يدي رفضه مبدأ تسليم السلاح، قدم مشعل في المنتدى ما أسماه "مقاربة الضمانات" التي يبدو أنها أفكار تداولتها حركته مع الضامنين الثلاثة، وتقوم على أساس أن الخطر يأتي من الاحتلال لا من غزة، وأن الأخيرة أولوياتها دخول المساعدات والتعافي وإعادة الإعمار ولا يتوقع منها عمليا شن هجوم على دولة الاحتلال في المدى المنظور، إضافة لأفكار أخرى من قبيل هدنة طويلة الأمد وتقديم الضامنين الثلاثة (مصر -قطر- تركيا) أنفسهم كأطراف تكفل الجانب الفلسطيني وتضمن التزامه.

إعلان

ومع ذلك، ينبغي رفض تداول الملف بهذا الشكل من منطلق مبدئي. فالأهمية والأولوية اليوم في غزة هي وقف خروقات الاحتلال وإلزامه بمسؤولياته وفق الاتفاق، وفي مقدمتها فتح المعابر، وإدخال المساعدات، وبدء عملية إعادة الإعمار.

ثم بعد ذلك يصار إلى التفاوض على المسارات السياسية. أما والاحتلال يصر على الخروقات وعدم الالتزام، بل ويمنع اللجنة الإدارية من دخول القطاع، ويؤكد على لسان نتنياهو أن "وقف إطلاق النار لا يعني عدم فعل ما ينبغي" في القطاع، فإن طرح مسألة السلاح يصبح ضغطا على الفلسطينيين وترديدا ضمنيا للسردية الأمريكية- "الإسرائيلية" بأن الخطر يأتي من غزة لا عليها.

الأصح والأسلم رفض الاستسلام لفرض الاحتلال أجندته، وإعادة النقاش السياسي والإعلامي دوما لأصل المشكلة؛ الاحتلال وليس المقاومة، الخروقات وليس السلاح، "إسرائيل" وليس الفلسطينيين، وإلا فإن الاتفاق المبني على القوة وحدها دون أدنى منطق سيكون مصيره الفشل كما سابقيه.

ثمة نماذج عديدة في التاريخ لمن رهنوا قرارهم بضمانات المجتمع الدولي، فخسرت قضاياهم أو اندثرت، بينما كل حركات التحرر التي عرفها العالم كانت تتكئ على عناصر قوتها من سلاح وحاضنة وشعب وتحالفات. فالمنطق وتجارب التاريخ تقول إن السلاح يبقى في اليد حتى زوال الاحتلال، وإقامة الدولة ووفق معادلة داخلية.

أما الرهان على فكرة "سحب الذرائع" من الاحتلال فيرد عليها نتنياهو نفسه الذي قال في الـ 15 من الشهر الجاري إنه "لم يبقَ سلاح ثقيل في غزة"، وإن السلاح الثقيل اليوم هو "الكلاشينكوف" الموجود منه 60 ألف قطعة في غزة مطلوب تسليمها جميعا.

هذا التصريح وحده كافٍ ليس فقط لإظهار عدم جدية دولة الاحتلال، ولكن أيضا للتدرج الذي تتعامل به مع واشنطن بخصوص السلاح.

فقد تحدثت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مقترح أمريكي سيقدم لحماس قريبا فكرته الرئيسة "جدولة نزع سلاحها"، بحيث تسلم أولا "الأسلحة القادرة على ضرب إسرائيل"، دون تحديد مواصفاتها، مقابل السماح "ببعض الأسلحة الخفيفة"، ما يعني أن المراحل اللاحقة ستعود لتشترط تسليم "كافة الأسلحة" بالتدريج.

ومن المتوقع أن تصنيفات حكومة نتنياهو سوف تنتقل من الكلاشينكوف إلى ما هو أدنى منه، إمعانا في التحايل على تطبيق وقف إطلاق النار والتهرب من التزاماتها، واستمرارا في الضغط على المقاومة الفلسطينية.

فالهدف الأساس للاحتلال كما هو واضح ليس عسكريا ولا أمنيا وإنما هو سياسي بالدرجة الأولى، ويتمثل في تثبيت خطأ عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول و"الندم" عليها، ثم نسيانها لدى الفلسطينيين ومناصري قضيتهم.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات المقاومة الفلسطینیة وقف إطلاق النار المجتمع الدولی فضلا عن فی غزة

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • أبو عبيدة: الاغتيالات لن تكسر المقاومة وفاتورة الحساب مع الاحتلال مفتوحة
  • نتنياهو: لن نسمح لإيران بالحصول على سلاح نووي تحت أي ظرف  
  • 243 عملا مقاوما في الضفة والقدس خلال أيار
  • حماس: مستعدون لتسليم إدارة غزة ومجلس السلام عاجز أمام الاحتلال
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • الحكومة الفلسطينية تناقش مشروع قانون حق الحصول على المعلومات
  • حماس: ادعاءات رفضنا تسليم الحكم بغزة أكاذيب وملادينوف يعيق عمل اللجنة الوطنية
  • "حماس" ترحب باعتماد نقابات العمال الأيرلندي وفورسا سياسة شراء الأخلاقية
  • قائد المنطقة الجنوبية في جيش الاحتلال يدفع نحو هجوم جديد على غزة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش