لم تعد الحسابات الرقمية مجرد مساحة للتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى سجل يوثق تفاصيل حياة المستخدمين وذكرياتهم وعلاقاتهم، وفي ظل هذا التحول، أعادت براءة اختراع حصلت عليها شركة ميتا طرح أسئلة معقدة حول إمكانية استمرار الحضور الرقمي للأفراد بعد وفاتهم، عبر أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على محاكاة شخصياتهم الرقمية.

وتُظهر بيانات منشورة لدى مكتب براءات الاختراع والعلامات التجارية الأمريكي أن الشركة تقدمت بطلب تسجيل البراءة في يناير/كانون الثاني 2022، قبل أن تُنشر تفاصيلها رسميا ضمن سجلات المكتب عام 2024، ضمن سلسلة أبحاث تتعلق بتطوير تقنيات تعتمد على الذكاء الاصطناعي التوليدي.

بيانات تتحول إلى نموذج يحاكي الإنسان

توضح وثائق البراءة أن التقنية المقترحة تقوم على تحليل بيانات المستخدمين الرقمية، بما يشمل الرسائل والمنشورات وأنماط التفاعل، بهدف بناء نموذج قادر على توليد محتوى يحاكي أسلوب المستخدم في التواصل.

ووفق تقرير نشره موقع بيزنس إنسايدر (Business Insider)، فإن التقنية المقترحة تهدف إلى تطوير أنظمة تسمح بإنشاء محتوى رقمي يحاكي المستخدم اعتمادا على سجله التفاعلي، ضمن توجه أوسع لدى شركات التكنولوجيا للاستفادة من البيانات الشخصية في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ميتا تقدمت بطلب تسجيل براءة الاختراع أول مرة في يناير/كانون الثاني 2022 (Getty)براءة اختراع لا تعني منتجا وشيكا

وأفاد متحدث باسم شركة ميتا أن حصول الشركة على براءة الاختراع لا يعني بالضرورة تحويل الفكرة إلى منتج أو خدمة فعلية، مشيرا إلى أن الشركة تسجل أحيانا براءات لأفكار بحثية دون خطط حاليا لتطبيقها، وهو ما يعكس طبيعة الابتكار البحثي في المجال الرقمي.

وتشير تغطيات تقنية نشرتها منصتا تيك كرنش (TechCrunch) وذا فيرج (The Verge) إلى أن تسجيل براءات الاختراع لا يعني بالضرورة إطلاق منتجات مباشرة، بل غالبا ما يشكل جزءا من استراتيجية حماية الابتكارات المستقبلية وتعزيز التنافس التقني بين الشركات الكبرى.

سباق "الوجود الرقمي بعد الوفاة"

ولا تُعد هذه المحاولات الأولى في هذا المجال؛ إذ كشفت وثائق براءة اختراع سجلتها شركة مايكروسوفت عام 2021 عن نظام يسمح بإنشاء روبوتات محادثة تحاكي شخصيات حقيقية أو متوفاة اعتمادا على بياناتها الرقمية، وفق ما نشرته مجلة إم آي تي تكنولوجي ريفيو (MIT Technology Review).

إعلان

وتشير المجلة إلى أن هذه التقنيات تعتمد على تحليل البيانات الشخصية بهدف إعادة إنتاج أسلوب التواصل والتفكير الخاص بالمستخدم.

وتعتمد هذه الأنظمة على نماذج اللغة الكبيرة، وهي أنظمة ذكاء اصطناعي تتعلم أنماط الكتابة والتواصل من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات النصية.

وتُظهر أبحاث منشورة في مجال الذكاء الاصطناعي أن هذه النماذج قادرة على توليد نصوص تحاكي الأسلوب اللغوي للمستخدمين، عبر تحليل مفرداتهم وسلوكهم التفاعلي وسياقات تواصلهم الرقمية.

براءة الاختراع تهدف لبناء نموذج قادر على توليد محتوى يحاكي أسلوب المستخدم في التواصل (شترستوك)الإرث الرقمي بين الملكية القانونية والخصوصية

وفي تصريح خاص للجزيرة نت، يوضح المحامي والباحث في قضايا القانون الدولي وحقوق الإنسان حسن المنصوري أن الطبيعة القانونية للبيانات الرقمية بعد الوفاة ترتبط بقيمتها الاقتصادية وطبيعة استخدامها.

ويقول إن البيانات التي تحمل قيمة سوقية -مثل بيانات الفنانين أو المؤلفين أو الشخصيات العامة- قد تخضع لاتفاقيات تُبرم خلال حياة صاحبها وتنظم طريقة استخدامها بعد الوفاة، أما في حال عدم وجود اتفاق، فإن الحق في هذه البيانات ينتقل إلى الورثة ما لم يترك صاحب البيانات تعليمات بغير ذلك.

ويشير المنصوري إلى أن اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي، التي دخلت حيز التنفيذ في 25 مايو/أيار 2018، تفرض قيودا صارمة على استخدام البيانات الشخصية دون موافقة صاحبها أو ورثته، وقد تفرض غرامات مالية كبيرة في حال مخالفة هذه القواعد.

كما يلفت إلى أن الدول العربية بدأت تأخذ حماية البيانات الرقمية على محمل الجد، ومنها ليبيا التي أصدرت قانون رقم 6 لسنة 2022 بشأن المعاملات الإلكترونية، الذي يتضمن بنودا لحماية البيانات، رغم أن الإطار التشريعي لا يزال بحاجة إلى تطوير لمواكبة التحولات الرقمية المتسارعة.

هل يملك الورثة حق التحكم في بيانات المتوفى؟

بحسب المنصوري، فإن بعض التشريعات الأوروبية تمنح الورثة حق الوصول إلى بيانات المتوفى أو طلب حذفها، ويستشهد بتجربة إسبانيا التي أقرت قوانين تمنح الورثة هذا الحق، إضافة إلى حكم صادر عن المحكمة الاتحادية الألمانية عام 2018 سمح لوالدي فتاة متوفاة بالوصول إلى حسابها على فيسبوك (Facebook).

ويؤكد أن استخدام بيانات المتوفين دون موافقة مسبقة قد يعرّض الشركات لمسؤوليات قانونية، باعتبار أن البيانات الرقمية تمثل امتدادا لهوية الشخص وخصوصيته.

ويرى المنصوري أن القوانين الدولية المتعلقة بالهوية الرقمية بعد الوفاة لا تزال في طور التشكل، موضحا أن معظم التشريعات الحالية تركز على حماية البيانات خلال حياة المستخدم، بينما ما يزال تنظيم الإرث الرقمي يواجه تحديات قانونية متزايدة نتيجة تعارض محتمل بين حقوق الأفراد ومصالح الشركات التقنية.

المنصوري: تنظيم الإرث الرقمي ما يزال يواجه تحديات قانونية نتيجة تعارض بين حقوق الأفراد ومصالح الشركات (شترستوك)حدود الابتكار ومسؤولية الاستخدام

ويشير الخبير القانوني إلى أن التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية الخصوصية يعتمد أساسا على موافقة المستخدم المسبقة أو موافقة ورثته، مع ضرورة وجود نصوص تعاقدية واضحة تنظم استخدام البيانات بعد الوفاة.

إعلان

كما يحذر من أن استخدام تقنيات المحاكاة الرقمية لنشر محتوى أو آراء باسم شخص متوفى قد يندرج ضمن جرائم انتحال الشخصية أو ما يُعرف قانونيا بالإثراء بلا سبب، ما لم يكن ذلك بناء على موافقة صريحة من صاحب البيانات قبل وفاته.

وتعكس براءة اختراع ميتا تحولات متسارعة في تعامل شركات التكنولوجيا مع البيانات الشخصية، في وقت ما تزال فيه الأطر القانونية تسعى للحاق بهذه التطورات. وبينما تفتح هذه التقنيات آفاقا جديدة للتفاعل الرقمي، فإنها تثير في المقابل تساؤلات متزايدة حول حدود الخصوصية وملكية البيانات في العصر الرقمي.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات البیانات الشخصیة براءة اختراع بعد الوفاة إلى أن

إقرأ أيضاً:

استراتجية "الموت الصامت".. كيف غيرت الروبوتات ملامح الحرب الأوكرانية؟

شهدت أوكرانيا التي تعاني على مدار أشهر طويلة من أزمات حادة في القوة البشرية، وكذلك تذبذب الدعم العسكري والسياسي من جانب الحليف الأمريكي تحولاً استراتيجياً وتكنولوجياً استثنائياً، وتحول جزء رئيسي وجوهري من جهودها الحربية الدفاعية والهجومية إلى الاعتماد التام على الأنظمة غير المأهولة.

وبحسب تقرير لشبكة "سي إن إن"؛ منحت الروبوتات الأرضية، والطائرات المسيرة، والدبابات الموجهة عن بعد، كييف تفوقاً نوعياً ومفاجئاً في مواجهة القوات الروسية، حيث انتشرت الروبتات في عمق الملاجئ المحصنة تحت الأرض، وعلى بعد عشرات الأميال من خطوط النار الملتهبة، لتقود نوعاً جديداً بالكامل من القتال، ونفذت مؤخراً ستة انفجارات دقيقة ضد ثلاثة أهداف روسية حيوية على جبهة القتال الشرقية، دون أن تطأ قدم جندي أوكراني واحد أرض المعركة. 

Robots are redefining the war in #Ukraine – and forcing #Russia onto the back foothttps://t.co/T9rb5xAFOq

— Mike Bloomfield (@2dialogue) May 31, 2026 لغة الأرقام

وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، قد أعلن في أبريل(نيسان) الماضي عن نجاح قواته في اقتحام والسيطرة على موقع عسكري روسي بالكامل باستخدام الروبوتات والمسيرات دون أي تدخل بشري مباشر، كاشفاً أن الآلات ذاتية الحركة وغير المأهولة نفذت ما يربو على 22 ألف مهمة قتالية واستطلاعية منذ مطلع العام الجاري وحده.

ونقل أفراد الوحدة الأوكرانية عن أسرى حرب روس تم استجوابهم مؤخراً، أن قوات موسكو باتت تطلق على هذه الروبوتات الأرضية- التي تتحرك على هيكل رباعي الدفع وتحمل شحنات متفجرة شديدة التدمير- اسم "الموت الصامت"؛ حيث لا يمكن للجنود في الخنادق سماع صوت اقترابها إلا عندما تصبح على مسافة لا تتعدى 10 أمتار، وهي مسافة قاتلة وقريبة للغاية منهم.

ومن خلال تحليل نتائج 164 هجوماً، خلصت وحدة "NC13" التابعة للواء الثالث الهجومي لدى الجيش الأوكراني إلى أنها كانت ستحتاج في الوضع التقليدي إلى ما لا يقل عن 2300 جندي مشاة لتحقيق نفس الأثر العسكري الذي أحدثته الروبوتات المهاجمة بمفردها. ووفقاً للتقديرات والإحصاءات المعتادة، فإن وحدة بهذا الحجم كانت ستفقد نصف قوامها البشري تقريباً بين قتيل وجريح في مثل هذه الاقتحامات المحفوفة بالمخاطر. 

ومن هذا المنطلق، فإن هذه القنابل المتنقلة والآلات الموجهة على الشاشات تمثل قفزة تكنولوجية حاسمة نجحت بشكل ملموس في إنقاذ حياة أكثر من ألف جندي أوكراني من الموت أو الإعاقة.

​لكن هذا العالم التكنولوجي الجديد لا يروق تماماً لبعض العسكريين التقليديين؛ إذ يرى "ميكولا زينكيفيتش" الملقب بـ"ماكار"، وهو قائد الوحدة، أن الحرب فقدت شيئاً من جوهرها القديم، قائلاً: ​"في السابق، كانت الحرب بطريقة أو بأخرى أكثر رجولة إن جاز التعبير؛ حيث كانت المهارات الفردية الفائقة هي الفيصل، أما الآن، فالتكنولوجيا هي التي حسمت وقررت كل شيء. لم يعد هناك مجال للرجوع إلى الوراء، وبات الأمر يتعلق فقط بمن يمتلك القدرة على التكيف والتطور بشكل أسرع في عالم القتل الآلي والموجه عن بعد".

???????????????? Ukraine doesn't have enough men… So they built robots to die instead.

One unit ran 164 robot assaults and calculated they would have needed 2,300 troops to achieve the same effect.

Expected casualties from that: roughly 1,000 dead or wounded Ukrainians.

The robots took… https://t.co/A50WRVynAY pic.twitter.com/PPyEJQFZSX

— Mario Nawfal (@MarioNawfal) May 31, 2026 ​جنرالات الخطوط الأمامية الجدد

و​تأتي هذه الاستراتيجية الأوكرانية المكثفة كاستجابة حتمية لأزمة ديموغرافية وقوة بشرية خانقة، حيث تسببت الحرب الروسية المستمرة للعام الرابع في استنزاف الموارد البشرية لأوكرانيا، التي تمتلك بالأساس تعداداً سكانياً أصغر بكثير من جارتها الروسية. ومع ذلك، فإن تبني كييف المبكر لتكنولوجيا الطائرات المسيرة، وتحويل دقتها وقوتها التدميرية إلى صناعة واسعة النطاق، بدأ يفرض تكلفة باهظة وخسائر استراتيجية ملموسة على موسكو.

​وتتركز السياسة الراهنة لهيئة الأركان الأوكرانية على إيقاع خسائر بشرية في صفوف الجيش الروسي تصل إلى قتل أو إصابة 35 ألف جندي شهرياً، وهو معدل نجحت القوات الأوكرانية في تحقيقه والحفاظ عليه خلال العام الجاري. 

وتهدف هذه الخطة إلى ممارسة ضغط سياسي واجتماعي متزايد على الكرملين، لإجباره على اتخاذ قرارات تعبئة عامة وتجنيد إجباري صعبة وغير شعبية تستهدف المراكز الحضرية الكبرى والطبقات الوسطى في روسيا. 

وفي هذا السياق، أشارت تقديرات حديثة صادرة عن وكالة الاستخبارات البريطانية إلى أن إجمالي عدد القتلى في صفوف القوات الروسية منذ بداية النزاع قد تجاوز عتبة 500 ألف جندي، بناءً على معلومات واستخباراتية مستجدة.​

مقالات مشابهة

  • مصادر بعبدا تكشف كواليس الجولة الرابعة من المفاوضات
  • قصة أقرب إلى الخيال.. خوان هوبيرج يعود من «الموت» ليسجل في كأس العالم
  • المرور: خدمة بطاقة عرض مركبة تمكّن المستفيد من عرض بيانات المركبات بكل يسر  
  • روبيو يؤكد موافقة إيران على بحث ملفات نووية كانت ترفضها سابقاً
  • بنك مسقط يواصل الاستثمار في الكفاءات الوطنية عبر إطلاق نسخة جديدة من "نسور"
  • لتأمين البنية التحتية الرقمية.. رئيس جامعة دمنهور يتفقد مركز البيانات الرئيسي ويوجه بتجهيز موقعًا احتياطيا
  • المفتي العام يحذر من تداول نسخة من القرآن الكريم
  • ميتا توسع نطاق ضوابط حسابات صغار السن حول العالم
  • كواليس جديدة.. ماذا طلب محمد صلاح للانتقال إلى الدوري السعودي؟
  • استراتجية "الموت الصامت".. كيف غيرت الروبوتات ملامح الحرب الأوكرانية؟