لجريدة عمان:
2026-06-02@16:01:16 GMT

تدبر القرآن الكريم

تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT

عبدالله بن علي الرويشدي

قد أنزل الله -تبارك وتعالى- أعظم كتبه (القرآن الكريم) على أعظم رسله محمد -عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم- معجزةً خالدة، وآيةَ صدقٍ مشاهدة، باقية بقاء الدهر، نبراسا للموحدين، وهداية للمتقين، فبزغ بزوغ الفجر الساطع يبدد حنادس الظلمات، ويسري في أنحاء الوجود سريان أشعة الشمس في أرجاء البسيطة، فتستضيء بأنواره القلوب المؤمنة، وتتطهر بهداه النفوس من أدرانها، وتنشط في عبادة ربها، لاهجة بذكره وشكره، ومسبحة بالثناء عليه وحمده، فهو كما قال بارئه العليم: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52)

ولقد تلقاه نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ بشغف بالغ، فأخذ يسارع في تحفظه، حتى خاطبه ربنا -سبحانه- بأن يتمهل ولا يتعجل في تلقي ما يلقى عليه منه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ﴾ (القيامة: ١٦ – ١٩)، وهذه الآيات الكريمات تصف حالة نفسية عاشها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في أول تلقيه للوحي، حيث كان حريصا على أن يتحفظ الآيات في عجلة بالغة فأُمِر بالرفق، ثم أُمِر بأن يرتل القرآن ترتيلا بكل هدوء وسكينة: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (المزمل: ٤)، فسواء في حالة تحفظ القرآن الكريم أو في حالة تلاوته عليك أن تراعي التأني وعدم الاستعجال.

وكفى بهذا دلالة على أهمية العناية بتجويد تلاوة القرآن الكريم، وألا يجعل القارئ للقرآن همّه في ختم الحروف بسرعة مهملا أحكام التلاوة، فإن هذا أمر يستطيعه كل قارئ، ولقد أثنى الله -عز وجل- على أولئك الذين يراعون حق تلاوة كتاب ربهم فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (البقرة: ١٢١) ، ولقد جاء في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- عندما سُئلت عن قراءة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولها: "كانت قراءة مفسرة..حرفاً حرفاً"، وهذا يدل على أن تحسين القراءة سنة فعلية ثابتة، وورد أن الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع رجلا يقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة: ٦٠، مقصورة من غير مد، فأنكر عليه قائلا: "ما هكذا أقرأنيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"، ثم قرأها بالمد، وهذا دالّ على أن القراءة المجودة هي سنة متوارثة، كان بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقريء أصحابه، ويعوّدهم عليها، وهي الباب الواسع الذي يلج منه تالي القرآن الكريم إلى ساحة التدبر الأمثل لكتاب الله العزيز.

فالمميزون من التالين لكتاب الله -تعالى- هم أولئك الذين يتمهلون ولا يتعجلون، فيقرؤونه بتؤدة، ويتلونه بتدبر وتأمل، ويتوسلون -بطريق إحسان التلاوة- إلى فهم مقاصد القرآن الكريم، والكشف عن أسراره ومعانيه، يقول الحق تعالى﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص: ٢٩) ، هؤلاء الموفقون هم الذين أتقنوا الانتقال من ختم الحروف إلى فهم مقاصد القرآن الكريم، فإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، وفقها في دينهم، وحرصا على طاعة ربهم، يتعبدون لله -تعالى- حق التعبد بتلاوتهم المرتلة لكتابه، فيحرصون على التدبر والتفكر فيما يقرَؤُون، حتى إن أحدهم ليصف تنقله بين سور القرآن الكريم بتطوافه في بستان مليء بأنواع الزهور والأشجار المثمرة والورود والرياحين، وآخر يعيش المشاهد التي يرسمها القرآن الكريم للنعيم وللجحيم، فلا يزال أثناء قراءته ما بين خوف ورجاء، ورغبة ورهبة، وإشفاق ووجل، ولقد أجاد الإمام أبوحمزة الشاري رحمه الله وهو يصف تفاعل أصحابه مع آيات كتاب الله -تعالى- نتيجة تدبرهم في التلاوة بقوله: "ينظر الله إليهم في جوف الليل منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مر أحدهم بآية فيها ذكر الجنة بكى شوقا إليها، وإذا مر بآية فيها ذكر النار شهق شهقة كأن زفير جهنم في أذنيه"، ذلكم التفاعل الإيجابي إنما هو ثمرة تلاوتهم المتدبرة، وحرصهم على قراءة القرآن الكريم بعلم وفهم، وتركيز وتأمل، مع إيمان راسخ باليقينيات التي جاءت في الكتاب المبين.

وحتى يكون تالي القرآن الكريم مؤهلا للوقوف على مقاصده يأتي تحفظ القرآن وحمله في الجوانح في مقدمة وسائل تفهم المقاصد القرآنية، وقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ”إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب"، أي كالبيت الذي أصابه الخراب فلا ينتفع به من يسكنه الانتفاع الملائم، لا يقي حرا ولا يدفع بردا ولا يكنّ من احتمى به من مطر، بعكس من حمل القرآن بين جوانحه، واهتم بتحفظه عن ظهر قلب، يقول الله -تعالى- مثنيا على أمثال هؤلاء: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ٤٩).

وهكذا يتوسل المسلم بما استطاع تعلمه من العلوم النافعة إلى مقام فهم المقاصد القرآنية، من مثل النحو والصرف والبلاغة واللغة والفقه والأصول ومصطلح الحديث والسيرة النبوية وغيرها؛ حتى يترقى الفهم عنده لكتاب الله -سبحانه وتعالى- ويسمو، فإن مدارك الإنسان تتسع باتساعه في العلم، وغير خاف أن بيننا وبين فهم القرآن الفهم التام مراحل، يقول الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (الزمر: ٩)، قدّم -سبحانه- ذكر النتيجة قبل المقدمة؛ للفت الانتباه إلى فائدة التعلم الحقيقية المرتكزة على تدبر المقاصد القرآنية، والتي تظهر في إقبال العبد على العمل الصالح، وقيامه بالمندوبات فضلا عن قيامه بالمفروضات.

ونقف وقفة الآن مع تعداد أهم مقاصد القرآن الكريم والتي يأتي في مقدمتها: غرس العقيدة الحقة؛ من توحيد الله -عز وجل- وعدم الإشراك به، ومن الإيمان به وبرسله الكرام، وفي مقدمتهم نبينا محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام-، ومن الإيمان بملائكته، وكتبه، واليوم الآخر وما ينتظر المكلفين من جمع للحساب، وثواب وعقاب، ومن الإيمان بقضاء الله -تعالى- وقدره، ومن ولاية أولياء الله، والبراءة من أعدائه، ومن تصديق الإيمان بالعمل الصالح، ومن وجوب شكر الله -تعالى- على نعمه التي لا تحصى، وآلائه التي لا تستقصى، ومن التجافي عن دار الغرور، ومن الحذر من ألاعيب الشيطان ومكايده، ومن وجوب الدعوة إلى دين الله الحق، والحذر من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن التواصي بالحق والتواصي بالصبر، ومن الصبر على فعل الطاعة وترك المعصية، ومن المسارعة إلى الخيرات، ومن تفنيد أباطيل أعداء الله -تعالى- على اختلاف توجهاتهم، ومن العمل على إعلاء كلمة الله، وإسكات لغط أهل الباطل، وإخماد نار أهل الشرك والكفر والعناد والشقاق والنفاق، ومن تربية الأهلين والأولاد على الخير، وعشرة الأهل بالمعروف، ومن القيام بالمندوبات فضلا عن الواجبات، ومن الابتعاد عن المكروهات فضلا عن المحرمات، ومن التخلق بمحامد الأخلاق والبعد عن سفاسفها. والخلاصة أن مقاصد كتاب الله -تعالى- تدور حول ستة محاور رئيسة؛ وهي: العقيدة، والتشريع، والقصص، والأخلاق، والإعجاز، والتزكية.

ومقصد التزكية من أعظم المقاصد التي تدور حولها أكثر آيات القرآن الكريم، وقد صرح كتاب الله -تعالى- بهذا المقصد المبارك في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء:9) ، ويقول: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ۝١٤ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ﴾ الأعلى: ١٤ - ١٥ ، ويقول ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: ٧ – ١٠)، وفي سبيل تقرير هذا المقصد العظيم نوّع القرآن الكريم أساليب خطابه ما بين ترغيب وترهيب، وإطناب وإيجاز، وحقيقة ومجاز، وقصص وأمثال، وإغراء على فعل الخير، وتحذير من فعل الشر، وبيان لأحوال النفس وتقلباتها، وكيفية معالجة صفاتها المذمومة، وتحفيزها على الاقتداء بالصالحين الأخيار، والبعد عن مساوئ الفجار، الذين يدعون سرا وعلانية إلى النار، أجارنا الله منها وهو الرحيم الغفّار، والحمد لله على ما يسر وأعان من الحديث عن الانتقال من ختم الحروف إلى التدبر المقاصدي، والفهم المحمود لآيات الكتاب المبين، والحمد لله رب العالمين .

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: النبی ـ صلى الله علیه وسلم ـ القرآن الکریم مقاصد القرآن کتاب الله

إقرأ أيضاً:

الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"

كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، عن الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء، بعنوان: كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي، على أن يكون الهدف المراد توصيله إلى الجمهور هو التوعية بأن من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، والتحذير من التفاخر والتباهي.

الإصدار السابع والخمسون: سلسلة زاد الأئمة والخطباء

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد،

فقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل قلبه بين داعيَين: داعٍ يدعوه إلى الرضا والقناعة، فيحيا مطمئن النفس، ساكن الفؤاد، مستشعرًا فضل الله عليه في السراء والضراء، وداعٍ يدعوه إلى التفاخر والتباهي، فيظل أسير المقارنات، مشغولًا بما عند الناس، متطلعًا إلى ما في أيديهم.

وإذا كانت المباهاة تُورث الكبر، وتُفسد العلاقات، وتزرع الحسد والبغضاء بين الخلق، فإن الرضا يملأ القلب سكينةً وطمأنينةً، ويجعل صاحبه غنيًّا وإن قلَّت ذات يده، سعيدًا وإن اشتدت عليه المحن، ومن هنا جاءت نصوص الشرع تحذر من الفخر والخيلاء، وتغرس في النفوس قيمة الرضا، وإليك بيان ذلك:

المباهاة.. حقيقتها وتحذير الشرع منها
المباهاة في أصل معناها هي المفاخرة وإظهار ما عند الإنسان من مال أو جاه أو علم أو نسب أو غير ذلك بقصد التعاظم على الناس واستجلاب إعجابهم، وقد بيَّن أهل اللغة أن المباهاة هي المفاخرة، كما جاء في تفسير غريب الحديث: "المباهاة: المفاخرة".

ومن تأمل حقيقة المباهاة وجد أنها قائمة على الاغترار بأمور خارجة عن ذات الإنسان؛ فالمال ليس من صنعه، والجمال هبة من الله، والنسب فضل لم يختره المرء لنفسه. ولذلك قال الراغب الأصفهاني: "الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان"، ثم بيَّن أن العاقل يعلم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، وأن المباهي بها إنما يفتخر بشيء سريع الزوال، لا يلبث أن يفارقه أو يفارق هو الدنيا كلها، فقال: "فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، لا يؤمن في كل ساعة أن تسترجع، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه، ومتبجح بما في يد سواه، كالفاخرة بحِدْج ربَّتها (وهي الأَمَة تتباهى بهودج سيدتها لمجرد وجودها فيه معها)، بل هو أدون من ذلك، فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه: إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك، وإن افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت: هذه محاسننا فما لك من الحسن" [الذريعة الى مكارم الشريعة].

وقد نبَّه الإمام الحارث المحاسبي إلى أن المباهاة ثمرةٌ من ثمار الفضول والتوسع فيما لا يحتاج إليه الإنسان، فقال: "وفضول اللِّباس يخرج إلى المباهاة والخيلاء" [رسالة المسترشدين]، فكلما ازداد تعلق القلب بالمظاهر الخارجية ازداد خطر الوقوع في التفاخر والتعالي على الناس.

ومع هذا فلم تكن المباهاة مقصورة على الأموال والثروات، بل تتسلل إلى مختلف شؤون الحياة؛ فقد تكون بالملبس والمركب والمسكن، وقد تكون بالعلم والعبادة والقراءة، بل قد تقع حتى في الأعمال الصالحة إذا قصد بها صاحبها ثناء الناس ومدحهم، ولذلك كان السلف الصالح شديدي الخوف من هذه الآفة؛ إذ قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ مَخَافَةُ الْمُبَاهَاةِ" [الزهد والرقائق لابن المبارك]، فكان يراقب قلبه ويخشى أن يتطرق إليه حب الظهور والتعاظم على الخلق.

ولهذا عد العلماء أخطر صور المباهاة ما يكون في الطاعات والقربات، حين يتحول العمل الصالح إلى وسيلة لطلب الجاه والمنزلة بين الناس،  وقد أشار الماتريدي إلى هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، فقال: "قَالَ بَعْضُهُم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم اللَّه في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير اللَّه، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عَبَّاسٍ" [تأويلات أهل السنة].

ومن أجل تحقيق هذا المعنى عقد العلماء أبوابًا خاصة في التحذير من المباهاة بالعلم والقرآن؛ لأن العلم شرفه في العمل به والإخلاص لله فيه، لا في اتخاذه وسيلة للرياسة والافتخار، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تعلم القرآن وعلَّمه وقرأه طلبًا للمفاخرة والتعاظم على الناس، لا ابتغاء وجه الله تعالى.

ذم المباهاة
جاء الشرع الشريف بذم المباهاة والتحذير منها في نصوص كثيرة؛ لأنها تناقض حقيقة العبودية لله تعالى، وتفسد الإخلاص، وتورث الكبر والعجب، ومن أوضح ما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، وقد فسر الإمام الطبري الآية بقوله: "ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم وعما ينجيكم من سخطه عليكم" [جامع البيان]، وقال الزمخشري: "والتَّكاثُرُ التبارى في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر" [الكشاف]، فالتكاثر المذموم هو الانشغال بالتفاخر والتباهي به والتعاظم على الخلق بسببه.

قال الله تعالى عن صاحب الجنتين: ﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا﴾ [الكهف: ٣٤].

قال الدكتور محمد سيد طنطاوي: "أي: فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا، وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها بطرا وفسادا في الأرض، وما أصدق قول قتادة رحمه الله: "تلك – والله - أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزة النفر" [التفسير الوسيط].

قال تعالى على لسان لقمان لابنه وهو يعظه: ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورࣲ﴾ [لقمان: ١٨].

"ولا تستكبر على الناس، بل ألِن جانبك لهم، وأقبِل عليهم متواضعًا، ولا تُوَلِّهم شِقَّ وجهك وصفحته كما يفعله المتكبِّرون إعجابًا بأنفسهم؛ لأن الله لا يحب كل مختال فخور، وأصل الصَّعَر: داءٌ يَعتري البعير فيلوى منه عنقه، ويُستعار للكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا وبطرًا كما يمشي المختالون المتكبرون؛ لأن الله ـ لا يُحبُّ كل مختال فخور، والمختال: المتكبّر، وهو مأخوذ من الخيلاء وهو التَّبَختر في المشي كِبرًا، والفخور: كثير الفخر، وهو المباهاة، ويدخل في ذلك تعداد الشخص ما أعطاه لغيره...". [التفسير الوسيط- مجمع البحوث].

وقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱ وَزِینَةࣱ وَتَفَاخُرُۢ بَیۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرࣱ فِی ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَیۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرࣰّا ثُمَّ یَكُونُ حُطَٰمࣰاۖ وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابࣱ شَدِیدࣱ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣱۚ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]

ولقد حذر النبي ﷺ من صور المباهاة الاجتماعية التي تدفع الناس إلى التكلف والتنافس المذموم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "نَهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ طَعامِ المُباهاةِ، وَطعامِ المُتَباريَيْنِ"، [التاريخ الكبير للبخاري] أي: ما يصنعه الناس لا طلبًا للأجر أو الإكرام، وإنما للمفاخرة وإظهار السعة والتغلب على الآخرين في مظاهر الإنفاق.

ليس هذا فحسب بل إن التفاخر أو المباهاة تجعل الإنسان يرى نفسه أفضل من غيره: بماله، أو نسبه، أو علمه، أو منصبه، وربما بطاعته، أو عبادته، أو التزامه، فيقع في آفةٍ أخطر وهي الكبر، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه سيدنا عَبْد اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ ‌مَنْ ‌كَانَ ‌فِي ‌قَلْبِهِ ‌مِثْقَالُ ‌ذَرَّةٍ ‌مِنْ ‌كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: «ِإنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بطر الحق وغمط الناس» [رواه مسلم].

قال حجة الإسلام الغزالي: "وإنما صار حجابًا دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة، والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها؛ لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز، ولا يقدرُ على التَّواضُعِ وَهُوَ رَأسُ أَخلاق المتقين وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز، ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز، ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز، ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحسد وفيه العز، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز، ولا يقدر على قبول النصح وفيه العز، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز، ولا معنى للتطويل فما من خُلق ذميمٍ إلا وصاحب العز والكبر مضطرٌ إليه ليحفظ عزه وما من خلقٍ محمودٍ إلا وهو عاجزٌ عنه خوفًا من أن يفوته عِزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة منه" [إحياء علوم الدين].

ومن هنا جاء توجيه النبي ﷺ إلى الزهد في مظاهر الدنيا وعدم الاغترار بها؛ إذ قال ﷺ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري]، قال ابن بطال في شرحه للحديث: "فنبّه بذلك أمته ﷺ على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا، وأن ما كان عند الله في منزلة الضعة، فحق على كل ذي عقل الزهد فيه وقلة المنافسة في طلبه، وترك الترفع والغبطة بنيله، لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل" [شرح صحيح البخاري].

كما بين ﷺ أن من يباهي بأعمال الآخرة أهل الدنيا فهم وقود النار، لأنه تجرد من الإخلاص الذي هو شرطه، فأخرج المستغفريّ في "فضائل القرآن" باب ما يكره للقارئ من المباهاة بالقرآن والتعمق في إقامة حروفه والتنطع وما جاء في ذلك، عن أم الفضل عن رسول الله ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَقْرَؤُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَلِمْنَا وَقَرَأْنَا فَهَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا فَهَلْ فِيهِمْ مِنْ خَيْرٍ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أُولَئِكَ؟ قَالَ: «أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ».

مفهوم الرضا وحقيقته وأهميته
يُعَدُّ الرضا من أجلِّ المقامات الإيمانية وأرفع المنازل الروحية التي يتنافس إليها السالكون إلى الله تعالى؛ إذ هو ثمرة المعرفة بالله، وعلامة حسن الظن به، ودليل امتلاء القلب باليقين والتسليم، وقد عظَّم أهل العلم والتربية هذا المقام حتى وصفوه بأنه باب السعادة في الدنيا والآخرة، ومفتاح الطمأنينة التي لا تنالها القلوب المضطربة بأحوال الدنيا وتقلباتها.

وقد عبَّر أهل السلوك عن عظيم شأن الرضا بقولهم: «الرضا باب الله الأعظم»، أي أنه من أعظم الأبواب الموصلة إلى القرب من الله تعالى، فمن وُفِّق للرضا فقد فاز بحظ وافر من السكينة والأنس بالله، ونال من ألطافه ما لا يناله كثير من الناس، ولذلك قال عبد الواحد بن زيد: «الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا»، لأن صاحبه يعيش في راحة قلبية دائمة، لا تزعزعه الحوادث، ولا تذهب بسكينته تقلبات الزمان.

والرضا في حقيقته ليس مجرد احتمال الأقدار أو الصبر عليها، بل هو مرتبة أرفع من ذلك، تقوم على استقبال ما يجري به قضاء الله تعالى بالطمأنينة والانشراح، مع الثقة الكاملة بحكمته وعدله ورحمته، ولهذا قيل: هو استقبال الأحكام بالفرح، وقيل: هو سكون القلب تحت مجاري الأقدار، وقيل: هو سرور القلب عند مرارة القضاء، لأن المؤمن يعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.

وقد أشار الإمام القشيري إلى العلاقة الوثيقة بين رضا العبد عن ربه ورضا الله عن عبده، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ﴾، فمتى امتلأ القلب رضا بالله، وبأمره، وبقسمته، كان ذلك من أمارات عناية الله بصاحبه وقبوله له. ولهذا قيل: إن العبد إذا وجد قلبه ساكنًا إلى تدبير الله، مطمئنًا إلى قضائه، غير معترض على حكمه، كان ذلك من أعظم دلائل الخير والفضل.

ولأهمية هذا المقام أوحى الله تعالى إلى نبيه موسى عليه السلام حين سأله عن العمل الذي ينال به رضا ربه، فأخبره ـ أن رضاه متحقق في رضا العبد بقضائه وقدره، قال القشيري: "وقيل: قَالَ مُوسَى عليه السلام: "إلهي دلني عَلَى عمل إِذَا عملته رضيت بِهِ عنى" فَقَالَ: "إنك لا تطيق ذَلِكَ"، فخرَّ مُوسَى عليه السلام ساجدًا متضرعًا فأوحى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ: "يا ابْن عمران إِن رضاي فِي رضاك بقضائي" [الرسالة القشيرية]؛ إذ لا يجتمع السخط على الأقدار مع كمال العبودية لله تعالى، فكلما ازداد العبد تسليمًا لما اختاره الله له، ازداد قربًا من مولاه ونال من رضوانه بقدر ما قام بقلبه من الرضا والتفويض.

ومن هنا لخَّص بعض العارفين طريق التزكية والسلوك (التصوف) في كلمتين جامعتين فقالوا: "التصوف الرضا بالقسمة والسخاء بالنعمة" [حلية الأولياء لأبي نعيم]؛ لأن المؤمن ينظر إلى ما قسمه الله له بعين القبول والامتنان، فلا يحسد غيره على ما أوتي، ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس تطلع الساخطين، بل يرى أن لكل إنسان نصيبه الذي اختاره الله له بحكمته.

والرضا يثمر في النفس آثارًا جليلة؛ فهو يورث السكينة عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والقناعة عند قلة الحظوظ الدنيوية، كما يطهِّر القلب من الحسد والاعتراض والتسخط، وإذا استقر الرضا في القلب انطفأت فيه نوازع الكبر والمباهاة؛ لأن الراضي يعلم أن ما عنده من نعم إنما هو فضل من الله تعالى لا استحقاق له فيه، فلا يتعالى بها على الناس ولا يتفاخر بها بينهم، بل يشهد فيها منة المنعم ـ.

ولهذا كان أهل الرضا من أبعد الناس عن السخط والاعتراض، وأقربهم إلى الطمأنينة والثبات. وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم، وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم.

 

مقالات مشابهة

  • الأوقاف تحدد موضوع خطبة الجمعة المقبل.. «كن راضيا وإياك والتباهي»
  • فعالية لأمن محافظة حجة بذكرى يوم الولاية
  • فعالية في مديرية مبين في حجة بذكرى يوم الولاية
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • المفتي العام يحذر من تداول نسخة من القرآن الكريم
  • أمير نجران يعزّي شيخ شمل آل فاطمة يام في وفاة شقيقه
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"
  • بدء الاختبارات التحريرية المركزية للمسابقة العالمية 33 في حفظ القرآن الكريم وفهم معانيه
  • الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
  • لأول مرة.. إذاعة القرآن الكريم تذيع المصحف المرتل النادر للشيخ المنشاوي