النية في رمضان: هندسة الانبعاث من الداخل
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
رمضان هو موسم النور الذي يرسم للأرواح مسارها الإيماني لترتوي من شرابه كأسا يروي ظمأها الذي طال انتظاره أحد عشر شهرا، ولكن هل كل من يمر بهذا الموسم العظيم سيرتوي؟ أم أن أناسا يخرجون منه كما دخلوا، فلا هم ارتووا ولا هم استيقظوا من غفلتهم، وهنا لا بد من وقفة وإحداث يقظة للذات تخرجها من غفوة العادة التي تعيشها إلى يقظة الوعي بمقام القصد والمعنى، وإصلاح هذا الخلل سنتبينه من المنهج النبوي الذي لا يبدأ بضجيج الأفعال وإنما بهمس النيات، أي من البقعة الخفية التي تخفى على العين، ولكنها المحرك الحقيقي للجوارح، فهي الربان الذي يقود دفة السفينة وسط الأمواج.
إنها النية (بوصلة المقصد وهندسة الدوافع)
ففي ميزان النبوة تعتبر النية هي الهوية العميقة للفعل، أي أنها القوة المحركة التي تمنح لحركة العمل الإنساني معناها الحقيقي؛ فهي روح وبدونها جسد تتقاذفه الرياح بلا مسار، وقد اختصر من أعطي جوامع الكلم ﷺ فلسفة العمل في قوله: ((إنما الأعمال بالنيات))، وبيان ذلك أن الناظر في الأعمال يراها متشابهة في صورتها الظاهرة، ولكنها تتباين في قيمتها وقمتها ما بين السماء والأرض، والفيصل في ذلك وعيُ المقصد؛ فنحن في رمضان أمام محفزات كبرى تدفع إلى أداء عالٍ، غير أن هذا الأداء قد ينزلق إلى آليةٍ جوفاء، وهنا يكمن الخطر؛ إذ تُستنزف الأعمال دون أن ترفع صاحبها مقامًا. ولا مخرج من هذا المسار إلا بإعادة ضبط بوصلة النية، لتبقى حاضرة متقدة، على هدي المنهج النبوي.
الإيمان والاحتساب: ميثاق الإدارة النبوية
((من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه))، هذا الحديث يؤسس إطارا متكاملا لإدارة النفس، فقد قرن رسولنا الكريم ﷺ الصيام بالإيمان والاحتساب؛ ذلك أن:
•الإيمان هو الوقود الذي يغذي النية، ويبقي جذوة المراقبة متقدة.
•أما الاحتساب فهو يوجه جهد العامل نحو الغاية الكبرى، نحو ابتغاء الثواب والأجر والسعي لنيل رضا الله تعالى، وهذا يحفظ تعب العامل أن يتبدد في هباء العادة.
وبهاتين الكفتين - كفة الإيمان وكفة الاحتساب- نحقق التوازن، ويكون الصائم مديرا لذاته، يعرف موضع خطواته، ويحسن ادخار طاقته نحو مسارها الصحيح، فيسير في رمضان بثقة واطمئنان، محددا أولوياته التي تحدث أثرا.
النية أداة لفرز الأولويات:
التحدي الأكبر أمام الصائم هو تحصيل الأثر، فكثيرا ما نشهد في رمضان لهف الناس نحو الكم، فازدحام في الأوراد، وضغط وتشتت في الأعمال، واضطراب في الأثر، فلا تغيير حقيقي في النفس، ولا تحول نحو الأحسن، وهنا يأتي دور النية الواعية بصفتها مرشحًّا داخليًّا للأولويات؛ ذلك أن النية الصادقة تحرك صاحبها نحو سؤال عميق: ما الذي تحتاجه نفسي لتستقيم؟
أفي خُلُقٍ يحتاج إلى تهذيب؟ أم في قلبٍ يحتاج إلى جبر؟ أم في لسانٍ يحتاج إلى كفّ؟ وهنا يضع المرء النفس أمام تلمس النية الصحيحة، فيصنع وعيا داخليا يوقف به طاقته عن التبدد في المسارات الجانبية، وعليه يركز قوته النفسية في نقطة التغيير الحقيقية التي تورث أثرا. وهذا تغذيه الرقابة الذاتية المنطلقة من ((الصوم لي وأنا أجزي به))، وهنا لا بد أن نستعرض فلسفة الصيام ودوره:
من الرقابة الظاهرة إلى القيادة الباطنة
الصيام عبادة خفية يختبر فيها صدق الإنسان مع نفسه، إنها تدريب مكثف وعميق على أن يستقل الإنسان عن رقابة البشر أو مراءاتهم، إنها ترتقي بالعبد الصائم إلى مستوى عال من الالتزام الأخلاقي في الخلوة، وهذا المعنى كفيل بتزكية النفس البشرية لتصعد نحو كمال معناها. وهذا هو التجلي للقيادة الذاتية في أبهى صورها، أليس من أسمى النتائج أن يحكم المرء نفسه بدافع داخلي وفاء لميثاقه مع الله، لا يخشى عينا تراقبه ولا يخضع لدواعي النفس الدنية، إنه مقام يبنى باستحضار المراقبة الربانية حتى صارت سمة دائمة للسلوك.
وفي ختام هذه المقالة يتبين أن النية جسر الاستمرار؛ فالنية التي كتبت للإصلاح تمد جسورها إلى بقية العام، فلنجعل من رمضان منصة إقلاع، ولنعلم أن من أحسن هندسة داخله بالنية استقام خارجه بالعمل، وكان له من رمضان زادا يبقى معه ما بقي القلب نابضا بالإيمان.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فی رمضان
إقرأ أيضاً:
الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
منذ أكثر من 10 سنوات، عندما اندفعت عربة مدرعة أوكرانية لتحطم حاجزا نصبه "الانفصاليون" الموالون لـ روسيا في مدينة ماريوبول، تحول الضابط الشاب ميخايلو دراباتي إلى أحد رموز المقاومة الأوكرانية.
واليوم يعود الرجل نفسه إلى الواجهة، لكن في ظرف أكثر تعقيدا، بعدما اختاره الرئيس فولوديمير زيلينسكي قائدا أعلى للقوات المسلحة خلفا للجنرال أوليكسندر سيرسكي، في خطوة لا تعكس مجرد تغيير للأشخاص بقدر ما تمثل تحولا في فلسفة إدارة الحرب التي تخوضها أوكرانيا ضد روسيا.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2عزلة القوة.. "الفراغ الأمريكي" يفاقم أزمة الشرعية الإسرائيليةlist 2 of 2الحرب التجارية تتجدد.. كيف تستعد الصين لجولة جديدة مع واشنطن؟end of listويرى تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز ، وأعده الكاتب مارك سانتورا أن تعيين دراباتي يأتي في لحظة توصف بأنها من أكثر مراحل الحرب حساسية، إذ تتزامن مع انتقال عسكري وسياسي معقد، في وقت تواجه فيه أوكرانيا حرب استنزاف طويلة أصبحت التكنولوجيا، ولا سيما الطائرات المسيرة، العامل الأكثر حسما فيها.
ويشير سانتورا إلى أن القائد الجديد البالغ من العمر 43 عاما، ينتمي إلى جيل جديد من الضباط الأوكرانيين الذين نشأوا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ويؤمنون بأن مستقبل الحرب يعتمد على الابتكار والمرونة أكثر من اعتماده على أساليب القتال التقليدية.
ويوضح التقرير أن دراباتي يعد أحد أبرز مهندسي إستراتيجية "خط الطائرات المسيرة" التي تقوم على إنشاء نطاق قتالي متواصل خلف خطوط المواجهة يعتمد على الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية والأبراج الآلية، بدلا من الاكتفاء بخنادق ثابتة تتعرض باستمرار للهجمات الروسية.
وقد ساعد هذا الأسلوب -حسب الصحيفة- في إبطاء التقدم الروسي، ومنح القوات الأوكرانية فرصة لاستعادة زمام المبادرة في بعض الجبهات للمرة الأولى منذ سنوات.
غير أن التغيير العسكري لم يكن منفصلا عن أزمة سياسية داخلية، إذ يلفت سانتورا إلى أن قرار زيلينسكي بإقالة وزير الدفاع الإصلاحي ميخايلو فيدوروف، الذي كان يقود عملية تحديث الجيش وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة والأنظمة الآلية، فجر احتجاجات في كييف ومدن أخرى، بعدما اعتبر كثير من العسكريين أن الرئيس انحاز في البداية إلى سيرسكي في خلافه مع الوزير حول مستقبل الحرب.
إعلانلكن اتساع الاحتجاجات، التي تحولت من المطالبة بإعادة فيدوروف إلى الدعوة لإقالة سيرسكي، دفع زيلينسكي في النهاية إلى تغيير القيادة العسكرية وتعيين دراباتي، المعروف بتأييده لرؤية فيدوروف القائمة على التكنولوجيا واللامركزية في اتخاذ القرار.
وترى صحيفة تايمز البريطانية -في تقرير لمراسلها مارك بينيتس- أن دراباتي لم يكتسب شهرته من مكتبه، وإنما من ساحات القتال.
ويستعيد بينيتس واقعة ماريوبول عام 2014، حين أمر دراباتي سائق المدرعة باقتحام الحاجز قائلا "انطلق بأقصى سرعة".
المهمة الجديدة للجنرال دراباتي تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة
بواسطة مارك سانتورا
قائد جريءوتحول تسجيل تلك العملية إلى رمز متداول على وسائل التواصل الاجتماعي بعد إعلان تعيينه قائدا للجيش، باعتباره يجسد صورة القائد الجريء الذي يفضل المبادرة والمخاطرة على التردد.
وتضيف الصحيفة أن دراباتي واصل بناء سمعته خلال الحرب الحالية، إذ شارك في وقف التقدم الروسي نحو مدينة كريفي ريه، مسقط رأس زيلينسكي، وأسهم في تحرير خيرسون، قبل أن يتولى "قيادة القوات البرية" عام 2024، حين أعلن مباشرة عزمه على تنفيذ إصلاحات واسعة لمحاربة الفساد داخل المؤسسة العسكرية.
ورغم استقالة دراباتي بعد أشهر قليلة إثر مقتل عشرات الجنود في مراكز تدريب نتيجة ضربات روسية، معلنا أن القادة يجب أن يتحملوا مسؤولية إخفاقاتهم، فقد أعاده زيلينسكي بعد يومين فقط لقيادة القوات المشتركة، في خطوة عكست استمرار الثقة في قدراته العسكرية.
مهمات جديدة معقدةغير أن المهمة الجديدة تبدو أكثر تعقيدا بكثير من إنجازاته السابقة، إذ يقول تقرير نيويورك تايمز، إن دراباتي يتسلم منصبه وسط مجموعة من الأزمات المتشابكة، تبدأ من مشكلات التجنيد ونقص الأفراد، ولا تنتهي عند احتمال إطلاق روسيا موجة تعبئة جديدة، إضافة إلى حماية شبكة الطاقة الأوكرانية من الهجمات الشتوية، في وقت تتراجع فيه مخزونات الذخائر الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي، فضلا عن ضرورة وقف التقدم الروسي البطيء في إقليم دونباس.
كما يواجه القائد الجديد تحديا سياسيا لا يقل صعوبة عن التحديات العسكرية، إذ سيكون مطالبا بالحفاظ على استقلالية القرار العسكري التي يدافع عنها الإصلاحيون، وفي الوقت نفسه التعامل مع ميل زيلينسكي إلى التدخل المباشر في إدارة العمليات الميدانية.
ويرى محللون -نقل عنهم كاتب التقرير مارك سانتورا- أن نجاح دراباتي لن يقاس فقط بما يحققه على الجبهات، وإنما أيضا بقدرته على إدارة هذه العلاقة الحساسة مع الرئاسة، ومنع تحول الخلافات السياسية إلى عبء إضافي على الجيش.
نهاية مرحلةفي المقابل، تقدم كارلوتا غال في صحيفة نيويورك تايمز قراءة موازية تركز على القائد المقال أوليكسندر سيرسكي، معتبرة أن إبعاده يمثل نهاية مرحلة كاملة في تاريخ الجيش الأوكراني.
وتقول غال إن سيرسكي كان أحد أبرز القادة الذين تصدوا للهجوم الروسي منذ الأيام الأولى للغزو عام 2022، وقاد معركة الدفاع عن كييف، ثم أشرف لاحقا على توسيع استخدام الطائرات المسيرة والروبوتات في ساحة القتال.
إعلانلكن الكاتبة ترى أن إنجازاته العسكرية لم تعد كافية لحمايته من الانتقادات المتزايدة، بعدما اتهمه كثير من الضباط باتباع أسلوب قيادة شديد المركزية، والإصرار على الاحتفاظ بمواقع عسكرية أصبحت غير قابلة للدفاع، وهو ما أدى -حسب منتقديه- إلى خسائر بشرية كبيرة.
صراع بين مدرستين
وتشير غال إلى أن الخلاف بين سيرسكي ووزير الدفاع السابق ميخايلو فيدوروف لم يكن مجرد نزاع شخصي، بل كان يعكس صراعا بين مدرستين مختلفتين في إدارة الحرب، الأولى تتمسك بقيادة تقليدية تعتمد على التسلسل الهرمي الصارم، والثانية تدعو إلى منح القادة الميدانيين حرية أكبر في اتخاذ القرار، وتسريع دمج التكنولوجيا والطائرات المسيرة والأنظمة الذكية في العمليات العسكرية.
وقد أدى هذا الصراع في النهاية إلى خروج الرجلين معا من المشهد، وإن كان تعيين دراباتي يوحي بأن رؤية فيدوروف الإصلاحية ما زالت تحظى بتأييد داخل دوائر صنع القرار.
وتضيف الصحيفة أن القائد الجديد يتبنى فلسفة تقوم على منح الوحدات المقاتلة صلاحيات أوسع للاستجابة السريعة لتغيرات الميدان، مع الاعتماد بصورة أكبر على البيانات الفورية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة.
أزمة الموارد البشريةويعتقد محللون أن هذه المقاربة قد ترفع كفاءة العمليات وتزيد من قدرة الجيش على مواجهة التفوق العددي الروسي، لكنها لن تكون كافية وحدها إذا لم تعالج أوكرانيا أزمة التجنيد المزمنة ونقص الموارد البشرية.
وتتفق صحيفة تايمز البريطانية مع هذا التقييم، لكنها تضيف بعدا سياسيا أوسع، إذ ترى أن تعيين دراباتي يمثل أيضا اختبارا للرئيس زيلينسكي نفسه، لأن الأزمة الأخيرة التي اندلعت عقب إقالة وزير الدفاع كشفت حجم التوتر داخل المؤسسة الحاكمة، وأظهرت أن الحرب لم تعد الساحة الوحيدة التي يواجه فيها الرئيس تحديات متزايدة.
وتنقل الصحيفة عن المحلل السياسي فولوديمير فيسينكو قوله إن ما جرى أبرز مرة أخرى أن السياسة الداخلية أصبحت نقطة الضعف الرئيسية في رئاسة زيلينسكي، وهو أمر قد ينعكس على مستقبله السياسي عندما تسمح الظروف بإجراء الانتخابات الرئاسية المؤجلة بسبب الحرب.