يمنيون يواجهون المجهول بعد رفع إدارة ترمب الحماية المؤقتة
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
بعد نحو 10 سنوات من صدوره، ألغت الإدارة الأمريكية وضع "الحماية المؤقتة" الذي كان يتمتع به أكثر من 3500 يمني دخلوا الولايات المتحدة في ظروف مختلفة وعلى فترات متفاوتة منذ 2015.
والقرار بطبيعة الحال ليس خاصا باليمنيين بل شمل دولا أخرى كأوكرانيا وأفغانستان وفنزويلا وإثيوبيا وسوريا، غير أن الأخيرة التمست التمديد لمواطنيها فحصلت عليه.
ويرفع القرار الأمريكي الغطاء القانوني والإنساني عن الحاصلين عليه، وبذلك يصبحون في موقع المخالفين، وبالتالي تسقط عنهم الحقوق التي ترتبت عنه، ولن يكون بمقدورهم العيش ولا العمل داخل أمريكا.
القرار وانعكاساته
وبحسب مراقبين، فإن قرار رفع الحماية القانونية الذي شمل عددا من الدول منها اليمن، يأتي في إطار سياسة إدارة الرئيس دونالد ترمب التي تستهدف المهاجرين بكل فئاتهم وتحت مبررات وعناوين فضفاضة وتجسيدا لشعار "أمريكا أولا".
وأكد ذلك رئيس مركز واشنطن للدراسات اليمنية، عبدالصمد الفقيه، بقوله "الإدارة الحالية متشددة في الهجرة بشكل عام، وتحارب بشراسة كل أشكال الدخول لأمريكا، سواء بالقرابة أو باللجوء والدراسة وصولا للحماية المؤقتة".
وكانت وزيرة الأمن الداخلي الأمريكية كريستي نويم، قد قالت يوم 13 فبراير/شباط الجاري "الأوضاع في اليمن قد تحسنّت، ولم تعد تشكّل تهديدا خطيرا لسلامة المواطنين العائدين".
وأضافت -في بيان نشرته وسائل إعلام أمريكية- "اليمن لم يعد يستوفي المتطلبات القانونية لوضع الحماية المؤقتة -وذلك- بعد مراجعة الوضع في البلاد والتشاور مع الوكالات الحكومية الأمريكية ذات الصلة". وتابعت "السماح للمستفيدين اليمنيين من وضع الحماية المؤقتة بالبقاء في أمريكا يتعارض مع مصلحتنا الوطنية".
والقرار كما يراه البعض وفي مقدمتهم المتضررون ومعهم المحامون وذوو الخبرة في الشأن القانوني لا قانوني بل ولا أخلاقي؛ لأنه "يفتقر لأسس قانونية وأخلاقية كما يفتقد للواقعية والمنطقية" حسب المحامي والخبير القانوني عبدالرحمن برمان.
إعلانو أوضح برمان، أن حاملي الحماية الأمنية المستهدفين بالقرار، تجاوزهم هذا القلق والخوف إلى حاملي الجنسية، جميعهم، ولفت إلى نقطة اعتبر أنها قد تزيد الوضع سوءا، هي صعوبة انتقال المتضررين إلى دول جديدة في ظل التعقيدات التي تواجه اليمني، حتى في دول شقيقة.
وأضاف "صار دخول اليمني إلى دول عربية وشقيقة مرتبطا بموافقة أمنية، والتي قد تتأخر شهورا، إضافة إلى كلفة الإقامات وتجديدها الدوري".
وفيما يتعلق بأخلاقية القرار، أوضح برمان وهو المدير التنفيذي للمركز الأمريكي للعدالة، أن المحزن جدا في الأمر أن الحكومة الأمريكية لا تبالي بالأطفال الأمريكيين، سواء الذين اكتسبوا الجنسية بالولادة أو بطرق قانونية أخرى. وأضاف "بعض الأسر لديهم من طفلين أو ثلاثة، جميعهم ولدوا هنا في أمريكا، وهم أمريكيون بموجب القانون، وبالتالي كيف لهذه الإدارة أن تقرر طردهم لخارج بلدهم؟".
ثم إن اليمنيين -برأيه- لا يُمثّلون أي عبء علي الحكومة الأمريكية، فجميعهم يعملون وليس بينهم من لديه طلب خدمات أو مساعدات ، بل إن كثيرا منهم يدفع الضرائب، وليس على أي منهم أي سوابق جنائية، بل إن بعضهم استثمر "تحويشة عمره" في أمريكا".
وعن تبرير الإدارة الأمريكية قرارها بأن اليمن صار آمنا، يقول أحمد الخولاني وهو أحد المستهدفين بقرار رفع الحماية "يبدو أن حكومة ترمب لا تكترث بحياتنا، وتريدنا أن نعود تحت أي ظرف، مع أن الأمم المتحدة بكل قوتها عجزت عن حماية عشرات من موظفيها محتجزين لدى جماعة أنصار الله (الحوثيين)".
وأضاف للجزيرة نت "هناك حالة خوف وقلق لدى كل يمني يعرف حقيقة الوضع الأمني في كل المحافظات سواء التي تحت سيطرة الحوثيين أو عند الحكومة".
وتساءل "ألم تر حكومة واشنطن أن قوات الأمن والأجهزة العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي لا تزال بعيدة رغم تغيير التسمية، ولا يزال المحتجزون والمخفيون رهن الاعتقال والتغييب بسجون الانتقالي".
واستدل أيضا بأن أعضاء الحكومة الجديدة حلفوا القسم الوطني خارج الوطن، وأن كثيرا من موظفي الدولة وقياداتها وفي مقدمتهم أعضاء مجلس القيادة الرئاسي لا تزال مكاتبهم وأسرهم خارج اليمن، ومثلهم المئات من مسؤولي وموظفي الدولة.
وسينعكس تنفيذ قرار رفع الحماية المؤقتة على حياة أكثر من 1300 مواطن يمني، كثير منهم تبرمجت حياته وربما مستقبل أسرته وأولاده على النمط الأمريكي، وسيصعب عليهم الانتقال لبيئة ومجتمع ودولة أخرى، يؤكد المحامي برمان، مضيفا "منذ صدور القرار تلقيت اتصالات عدة من أسر وأفراد آباء وأمهات يعيشون حالة قلق كبيرة خوفا من التبعات، والتي يعد الترحيل القسري أخطرها".
معاناة مركبةوغير بعيد من ذلك، تحدث الشاب علوي الظاهري، عن أسوأ ما يمكن أن يحدث في حال لم تتراجع إدارة ترمب أو لم تمدد، قائلا "سيدفع أرباب الأسر الثمن الأقسى، لأنهم المتضرر الأكبر، سواء ماديا أو معيشيا، لأن العبء والكارثة لن تكون عادية ولا خسائرهم سهلة".
وعبّر علوي للجزيرة نت عن قلقه من توسع إدارة ترمب في دائرة المبررات التي يريد بها إخراج أكبر عدد من المهاجرين، قائلا إنها اليوم تستهدف أصحاب الحماية المؤقتة، وغدا ربما يأتي الدور على من مُنحوا حق اللجوء، أو حتى ربما المهاجرين المستقرّين منذ عقود، فلا فرق عند ترمب حسب المعطيات الراهنة.
إعلانوأبدى أسفه الشديد لما ستؤول إليه أحوال الأشخاص والأسر التي قد تضطر للرحيل وكأنه خروج للمجهول فعلا، حسب وصفه.
وعن التبعات الإنسانية والمعيشية، قال عصام أحمد، إن شقيقه خالد حصل على الحماية القانونية سنة 2017 "وحين دخل أمريكا كان لديه طفل واحد، واليوم لديه 4 أطفال، جميعهم لا يعرفون لغة غير الإنجليزية، كما أن خالد ترك البلد بسبب ملاحقة الحوثيين له".
وأضاف للجزيرة نت " لو تم ترحيلهم إلى أين سيذهبون؟، فمنطقتهم لا تزال تحت سيطرة الحوثي، ووالدهم لا يملك فرصة عمل بديلة في حال عاد، لأنه باع محله التجاري حين هاجر، وبالتالي ستنهار حياتهم".
ومن جهته أضاف المحامي برمان "أمس تواصلت بي أم تقول أولادي في المدرسة ويصعب السفر وهم في منتصف الفصل الدراسي، ونحتاج تمديدا على الأقل حتى لا يفقد الطلاب سنتهم الدراسية، ولا أدري كيف سيكون وضعهم في دولة جديدة ولغة جديدة في حال خرجنا من أمريكا".
وأضاف للجزيرة نت "أعرف شخصا آخر خاض مغامرة صعبة وخطيرة ومكلفة ليدخل أمريكا، حكى لي أنه واجه الأهوال حرفيا، حيث امتدت رحلة السفر والتنقل نحو شهر كامل، وخسر ما لا يقل عن 30 ألف دولار هي كل ما يملك، وحين حصل على حق الحماية، بالكاد استقر في وظيفة وبدأ يقضي ديونه، وبالتالي فإن ترحيله سيعيده لمربع الصفر، ويهدم كل ما أسسه، بل سينسف كل أحلامه ويغرقه في الديون وتبعاتها".
بارقة أملقال الباحث الفقيه "نحن وبالتعاون مع جهات قانونية ومنها المركز الأمريكي للعدالة نشتغل منذ اليوم الأول لصدور القرار، ونعمل على تفعيل حملات ضغط بمختلف الوسائل القانونية المتاحة وعلى كل المستويات لتعزيز موقف القضاء الذي نثق أنه سيكون في صف القانون والإنسانية".
لكنّ القلق الوحيد -حسب قوله- هو أن ترمب وسلطاته وحكومته، كما يبدو، مصممون على تنفيذ القرارات.
ووفقا لمصادر في الجالية اليمنية بواشنطن فإن إجمالي من حصلوا أو استفادوا من الحماية القانونية منذ إقرارها في عهد الرئيس جو بايدن تراوح بين 3500 إلى 4 آلاف يمني فقط بحسب إحصائيات 2018. وحرص أغلبهم على استثمار ذلك وعملوا على تقنين وجودهم عبر برامج أخرى وحصلوا على الجنسية، وبالتالي فإن القرار يستهدف حاليا حوالي 1400 شخص.
وبينما يعيشون حالة قلق على مصيرهم المرهون بالمهلة المحددة بـ60 يوما، تبقّى منها نحو 5 أسابيع، يراهن المستهدفون بالقرار الأمريكي على دور مطلوب من الحكومة والسفارة اليمنية في واشنطن لطلب التمديد أسوة بجاليات أخرى حصلت على ذلك.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الحمایة المؤقتة للجزیرة نت إدارة ترمب فی أمریکا
إقرأ أيضاً:
الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.
الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.
في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.
وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.
والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.
إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.
نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.
فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.
ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟
بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟
سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..