يواجه مهرجان برلين السينمائي هذا العام انتقادات حادة على خلفية التزام نهج يتعمّد عدم فتح الباب أمام النقاش السياسي، وذلك عقب رسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 80 سينمائيا بارزا أدانوا فيها صمته حيال غزة.

لم تَسِر أمور مهرجان برلين السينمائي لهذا العام بسلاسة، إذ وجد المهرجان نفسه في قلب ما وصفه بـ"عاصفة إعلامية" بسبب ما اعتُبر تهميشا للنقاش السياسي خلال الحدث.

اعلان اعلان

المهرجان، المعروف بأنه الأكثر انخراطا في الشأن السياسي بين "المهرجانات الأوروبية الثلاثة الكبرى" (برلين، كان، فينيسيا)، انطلق الأسبوع الماضي وسط جدل واسع، بعدما وجّه صحفيون أسئلة إلى لجنة التحكيم في المسابقة الرسمية، برئاسة المخرج الألماني البارز فيم فيندرز، عن واقع العالم الراهن، بما في ذلك الحرب على غزة.

وعند سؤاله عمّا إذا كانت الأفلام قادرة على إحداث تغيير في المجال السياسي، قال فيندرز إن "الأفلام يمكن أن تغيّر العالم"، لكنها "لا تفعل ذلك بطريقة سياسية".

وأضاف: "لم يسبق لأي فيلم أن غيّر فعلا رأيا سياسيا واحدا، لكن يمكننا أن نبدّل الفكرة التي يحملها الناس عن الكيفية التي ينبغي أن يعيشوا بها". وتابع: "ثمة فجوة كبيرة على هذا الكوكب بين أناس يريدون أن يعيشوا حياتهم وحكومات لديها أفكار أخرى. أظن أن الأفلام تجد مكانها في هذه الفجوة".

وعندما طُرح سؤال عن الحرب على غزة وكيفية استمرار الحكومة الألمانية (التي تموّل جزءا من المهرجان) في إظهار دعمها لإسرائيل، رفضت عضو لجنة التحكيم إيفا بوشجينسكا الطرح الذي تضمّنه السؤال.

قالت: "هناك حروب كثيرة أخرى تُرتكب فيها إبادة جماعية، ولا نتحدث عنها". وأضافت: "لذا فهذا سؤال معقّد للغاية وأرى أنه من غير المنصف قليلا أن يُطلب منا أن نجيب: ما رأيكم، كيف ندعم أو لا ندعم، هل نتحدث إلى حكوماتنا أم لا".

واستطرد فيندرز قائلا: "علينا أن نبقى خارج السياسة، لأنه إذا صنعنا أفلاما مكرّسة للسياسة، فإننا ندخل مجال السياسة. لكننا ثقل موازن للسياسة، نحن نقيض السياسة. يتعين علينا أن نقوم بعمل يخص الناس، لا بعمل يخص السياسيين".

فيم فيندرز في برليناله 2026 AP Photo

في تلك اللحظة تحديدا، تعرّض البث المباشر للمؤتمر الصحفي لمشكلات تقنية، وبدأت الشائعات تنتشر بأن قطع البث كان متعمدا.

وردّ مهرجان برلين في بيان جاء فيه: "واجهنا مشكلات تقنية في البث عبر الإنترنت للمؤتمر الصحفي مع لجنة التحكيم الدولية هذا الصباح. ونود أن نتقدّم باعتذارنا الصادق".

ردود فعل غاضبة وانتقادات

توالت ردود الفعل الغاضبة سريعا، إذ رأى كثيرون أن المهرجان خسر وجهه النقدي وابتعد عن القضايا الراهنة، وهو ما عُدّ مستفزا بشكل خاص في حالة برليناله (مهرجان برلين السينمائي الدولي)، الذي لم يتردد يوما في اتخاذ مواقف واضحة، لا سيما حيال الغزو الروسي لأوكرانيا، حتى إنه صمّم دبّه الصغير الشهير، شعار المهرجان، على هيئة شارة بألوان العلم الأوكراني.

ومن الأمثلة الحديثة أيضا ما جرى في عام 2024، عندما مُنحت جائزة الأفلام الوثائقية لفيلم "No Other Land"، الذي يعرض وقائع مصادرة أراضي مجتمعات فلسطينية في الضفة الغربية المحتلة من قبل إسرائيل. وأثار التكريم جدلا واسعا، غير أن المهرجان تمسّك بالفيلم وبالمدافعين عنه، رغم انتقادات وجّهها مسؤولون في الحكومة الألمانية لما اعتبروه تصريحات "أحادية الجانب" بشأن غزة أدلى بها مخرجو العمل خلال حفل توزيع الجوائز.

كما تعرّض ضيفا برليناله 2026 ميشيل يوه ونيل باتريك هاريس لانتقادات عبر الإنترنت بعد امتناعهما عن الإجابة عن أسئلة تتعلق بمداهمات "ICE" في الولايات المتحدة وتصاعد الفاشية، ولا سيما هاريس الذي قال إنه يفضّل الانخراط في أعمال "لا تحمل طابعا سياسيا".

وجاء أحد أبرز الردود من الكاتبة الهندية المعروفة أرونداتي روي، التي كان من المقرر أن تقدّم فيلمها الكوميدي الصادر عام 1989 "In Which Annie Give It Those Ones" ضمن قسم "الروائع" في المهرجان.

وأعلنت روي انسحابها، مشيرة إلى "تصريحات لا يمكن تبريرها" صدرت عن لجنة التحكيم، معتبرة أن "سماع قولهم إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسيا أمر يصيب بالذهول".

وقالت في بيان: "على الرغم من أنني شعرت طويلا بقلق عميق إزاء المواقف التي اتخذتها الحكومة الألمانية وعدد من المؤسسات الثقافية الألمانية بشأن فلسطين، فإنني كنت أتلقى دائما تضامنا سياسيا عندما كنت أتحدث أمام جمهور ألماني عن رؤيتي حيال الإبادة الجماعية في غزة. هذا ما جعل من الممكن أن أفكر في حضور عرض فيلم "Annie" في برليناله".

وأضافت، في إشارة إلى لجنة التحكيم: "إن سماعهم يقولون إن الفن لا ينبغي أن يكون سياسيا أمر يصيب بالذهول. إنها طريقة لإسكات النقاش حول جريمة ضد الإنسانية تتكشف أمامنا في الزمن الفعلي، في وقت يُفترض فيه أن يبذل الفنانون والكتّاب وصنّاع الأفلام كل ما في وسعهم لوقفها. دعوني أقول هذا بوضوح: ما حدث في غزة، وما يستمر في الحدوث، هو إبادة جماعية للشعب الفلسطيني على يد دولة إسرائيل. وهي تحظى بدعم وتمويل حكومتي الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب دول أوروبية أخرى عدة، ما يجعلها متواطئة في الجريمة".

وختمت بيانها بالقول: "إذا كان أعظم صانعي الأفلام والفنانين في زمننا عاجزين عن الوقوف وقول ذلك، فعليهم أن يدركوا أن التاريخ سيحكم عليهم. أشعر بصدمة واشمئزاز".

برليناله يدافع عن نفسه في وجه "عاصفة إعلامية"

ومع تصاعد الغضب، أصدر المهرجان بيانا مطولا لرئيسته تريشا تتل، جاء فيه: "دعا كثيرون إلى حرية التعبير في برليناله. حرية التعبير موجودة في برليناله. لكن يُطلب من صنّاع الأفلام بشكل متزايد الإجابة عن أي سؤال يُطرح عليهم".

وتابع البيان: "يُنتقدون إن لم يجيبوا، ويُنتقدون إن أجابوا ولم يُعجبنا ما قالوه، ويُنتقدون إن عجزوا عن اختزال أفكار معقّدة في جملة مقتضبة عندما يُوضع ميكروفون أمامهم في وقت كانوا يظنون فيه أنهم سيتحدثون عن أمر آخر".

وأوضحت تتل أن برنامج هذا العام يضم 278 فيلما، يتناول بعضها "الإبادة الجماعية، والعنف الجنسي في الحروب، والفساد، والعنف الأبوي، والاستعمار أو تعسّف السلطة".

تريشا تَتِل في برليناله 2026 AP Photo

وأضافت: "في بيئة إعلامية تهيمن عليها الأزمات، يكاد لا يتبقى مجال لنقاش جاد حول السينما أو الثقافة عموما، إلا إذا أُدرجتا بدورهما ضمن أجندة الأخبار. بعض الأفلام يعبّر عن سياسة بحرف "p" صغير، إذ يفحص علاقات القوة في الحياة اليومية: من يُرى ومن يُحجب، من يُدرج ومن يُستبعد. وأفلام أخرى تنخرط في سياسة بحرف "P" كبير، تتصل بالحكومات وسياسات الدول ومؤسسات السلطة والعدالة. ذلك خيار. ومخاطبة السلطة قد تتم أحيانا بطرق مباشرة ومرئية، وأحيانا أخرى عبر مقاربات شخصية أكثر هدوءا".

وأردفت بالقول: "الفنانون أحرار في ممارسة حقهم في حرية التعبير بالطريقة التي يختارونها. ولا يُفترض أن يُطالَبوا بالتعليق على كل النقاشات الأوسع المرتبطة بممارسات المهرجان السابقة أو الحالية، وهي أمور لا يملكون عليها أي سلطة. كما لا ينبغي توقع أن يتناولوا كل قضية سياسية تُطرح عليهم ما لم يرغبوا في ذلك".

تصعيد بمشاركة نجوم الصف الأول

لم ينجح بيان تتل في تبديد المخاوف، إذ وجّه أكثر من 80 شخصية من العاملين في صناعة السينما انتقادات حادة إلى برليناله في رسالة نُشرت أمس الثلاثاء، أعربوا فيها عن استياءهم من صمت المهرجان المؤسسي حيال غزة.

ومن بين الموقّعين على الرسالة الفائز بجائزة الأوسكار خافيير بارديم، والممثل براين كوكس، والمخرج البريطاني مايك لي، والمخرج البلجيكي لوكاس دونت، والمخرج الأمريكي آدم ماكاي، والمصوّرة الشهيرة نان غولدِين، والممثلة تيلدا سوينتون، إحدى أبرز الداعمين لبرليناله، والتي نالت العام الماضي "الدب الذهبي الفخري" المرموق.

تيلدا سوينتون في برليناله 2025 AP Photo

وأكدت الرسالة أنهم "يختلفون تماما" مع تصريحات فيندرز، معتبرين أنه لا يمكن الفصل بين صناعة الأفلام والسياسة، كما انتقدوا موقف برليناله من غزة، إضافة إلى ما وصفوه بـ"الدور المحوري للدولة الألمانية في تسهيل ما تقوم به إسرائيل".

وجاء في نص آخر: "نكتب بوصفنا عاملين في مجال السينما، جميعنا من المشاركين السابقين أو الحاليين في برليناله، الذين يتوقعون من مؤسسات صناعتنا أن ترفض التواطؤ في أعمال العنف المروّعة المستمرة ضد الفلسطينيين. نشعر بقلق بالغ إزاء تورط برليناله في قمع فنانين يعارضون الإبادة الجماعية المستمرة التي تنفذها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة، وإزاء الدور المحوري للدولة الألمانية في تسهيلها. كما ذكر "معهد الفيلم الفلسطيني"، فإن المهرجان "يراقب صنّاع الأفلام إلى جانب التزامه المستمر بالتعاون مع الشرطة الاتحادية في تحقيقاتها".

وتتابع الرسالة: "نختلف بشدّة مع تصريح رئيس لجنة تحكيم برليناله 2026 فيم فيندرز بأن صناعة الأفلام هي "نقيض السياسة". لا يمكن الفصل بين الأمرين. نحن قلقون للغاية من أن برليناله، المموّل من الدولة الألمانية، يساهم في تطبيق ما أدانته مؤخرا إيرين خان، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية التعبير والرأي، بوصفه سوء استخدام ألمانيا لتشريعات قمعية "من أجل تقييد الدعوة إلى حقوق الفلسطينيين، وكبح المشاركة العامة، وتقليص نطاق النقاش في الجامعات والفنون". وهذا نفسه ما وصفه آي ويوي مؤخرا بأن ألمانيا "تفعل ما فعلته في ثلاثينيات القرن الماضي" (موافقا محاوره الذي قال له "إنها الدوافع الفاشية نفسها، لكن الهدف مختلف").

وتشير الرسالة إلى أن برليناله أصدر في الماضي "بيانات واضحة" بشأن "الفظائع" المرتكبة ضد شعوب في إيران وأوكرانيا، وتلفت إلى أن مهرجانات سينمائية دولية كثيرة، مثل "مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية" و"مهرجان فيلم فست غنت" البلجيكي، قد "أيّدت المقاطعة الثقافية لإسرائيل بوصفها دولة فصل عنصري".

وأضاف الموقّعون: "أكثر من 5.000 عامل وعاملة في مجال السينما، بينهم أسماء بارزة في هوليوود والعالم، أعلنوا أيضا رفضهم العمل مع شركات ومؤسسات سينمائية إسرائيلية متواطئة".

وتختتم الرسالة بالقول: "ندعو برليناله إلى القيام بواجبه الأخلاقي وإعلان معارضته بوضوح لإبادة إسرائيل الجماعية وجرائمها ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ترتكبها بحق الفلسطينيين، وأن يضع حدا كاملا لانخراطه في حماية إسرائيل من الانتقاد ومن الدعوات إلى المحاسبة".

هل يتعيّن على الفنانين أن يعبّروا عن مواقفهم؟

متى تصبح مسؤولية الفنان الذي يشارك في مهرجان أن يعبّر عن موقفه، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بصعود الفاشية التي تتعارض مع حرية الإبداع؟

بالنسبة لكثيرين، الجواب: دائما، خاصة إذا استحضرنا موقف جورج أورويل: "االطرح الذي يعتبر أن الفن يجب ألا تكون له علاقة بالسياسة هو في حد ذاته موقف سياسي".

الفنانون الذين يشاركون في حدث طالما احتلّت فيه السياسة موقع الصدارة، على الشاشة وخارجها، يتحمّلون مسؤولية توظيف منصاتهم لرفع الصوت، خصوصا في أوقات مضطربة يصفها بعضهم بـ"الأورويلية".

احتجاجات على السجادة الحمراء في برليناله 2026 AP Photo

قد يكون من السذاجة تجاهل تعليق فيندرز بشأن القيود التي تحكم قدرة الأفلام على تغيير آراء السياسيين، كما أنه من غير الواقعي ترقّب جملة نارية من كل فنان حول أي قضية، لكن لا ينبغي أن يخشى أي فنان التعبير عن آرائه. وإن كان ثمة ما يدعو إلى التردد، فربما لا تكون المهرجانات السينمائية الدولية المكان الأنسب في هذه اللحظة، وخصوصا برليناله، الذي لم تكن السياسة فيه يوما منطقة محرّمة.

قدّم الممثل المرشّح للأوسكار إيثان هوك توازنا جيدا (وبكثير من الطرافة) هذا العام في برليناله. خلال المؤتمر الصحفي لفيلمه التاريخي الجديد "The Weight"، سُئل الممثل عن مسؤولية الأسماء الكبيرة في التعبير عن مواقفها.

قال: "آخر مكان ينبغي أن تبحث فيه على الأرجح عن نصيحة ضمن إرشادك الروحي هو مجموعة من الفنانين المرهقين من السفر، وربما المخمورين، يتحدثون عن أفلامهم"، قبل أن يضيف: "أنا أؤمن بقوة السينما على التأثير... كما تعلمون، نحلم جميعا كل ليلة، وتلك الأحلام تشفينا نوعا ما وتُعدّنا لليوم التالي. أشعر أن المهرجان بأكمله، كلّكم، ونحن جميعا هنا، مسؤولون عن خلق حياة أقرب إلى الحلم. ما هي؟ ما أحلامنا؟ عمّ نتحدث؟ في ماذا نفكّر؟".

إيثان هوك في برليناله 2026 AP Photo

واختتم هوك إجابته برد أكثر مباشرة على السؤال قائلا: "أي شيء يحارب الفاشية أنا معه".

ولاحقا، طُرح عليه سؤال بشأن الرسالة المفتوحة التي وقّعها فنانون آخرون، فأجاب بصراحة: "في المرة الأخيرة التي تحدثت فيها علنا عن أي من هذه الأمور، صُدمت حقا بحجم العداء الذي قوبلت به آرائي. تعرفون، من قبيل: "على الممثلين ألا يتحدثوا في السياسة" وما شابه. وأشعر فعلا أن الجواب عكس ذلك تماما: أن على الجميع أن يفعلوا ذلك. نحن جميعا مواطنو هذا العالم، وكلنا مهمون، ولكل منا صوت، ويُرحَّب بالجميع مهما تباينت آراؤهم. هذا جزء من مزايا العيش في مجتمع حر".

وأضاف أن المشاهير عادة "تُلقى الميكروفونات في وجوههم، لكن ليس لأننا نخبر الناس ماذا يفعلون. نحن فقط نشارك فنا".

وتابع: "لسنا من بين أعظم العقول في العالم التي تحاول جعل الكوكب يعيش في سلام"، قبل أن يختتم رده موجّها كلامه إلى الصحفي الذي طرح السؤال: "أشعر أن لسؤالك أجندة طفيفة تختلف عن أجندتي. لكنني أحترمك وأحترم السؤال".

يُختتم مهرجان برلين السينمائي يوم الأحد 22 فبراير 2026.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا رمضان دونالد ترامب إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا رمضان دونالد ترامب إيران غرينلاند قطاع غزة جدل فلسطين سينما إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا رمضان دونالد ترامب حروب محادثات مفاوضات إسرائيل الصحة الضفة الغربية روسيا مهرجان برلین السینمائی لجنة التحکیم حریة التعبیر هذا العام ینبغی أن لا ینبغی

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • الرباط تحتضن أول دورة من مهرجان السينما الروسية بالمغرب في يونيو المقبل
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • شريف نور الدين: قرار إيقاف مهرجان الإسكندرية لدول المتوسط شجاع| خاص
  • بعد رحيل ليفاندوفسكي.. صدمة من مانشستر يونايتد لبرشلونة بسبب ماركوس راشفورد
  • التفاصيل الكاملة لأزمة عدم التصريح بإقامة الدورة 42 من مهرجان الإسكندرية
  • انطلاق فعاليات مهرجان الكرازة المرقسية 2026 بإيبارشية مطروح والخمس مدن الغربية
  • خطة سرية لضرب بيروت تنهار.. وغضب في الجيش الإسرائيلي من تصريحات نتنياهو
  • انتقادات حادة لنتنياهو بعد إعلان ترامب وقف ضربة إسرائيلية على بيروت
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟