الثورة / متابعات

لم تعد حرية الحركة والتنقّل في قطاع غزة أمرًا بديهيًا كما كانت قبل الحرب الإسرائيلية، بل تحوّلت إلى معركة يومية يخوضها المواطنون بأجسادهم وأعصابهم، في ظل أزمة خانقة في المواصلات وندرة السيولة النقدية وغياب “الفكة”، ما جعل الوصول إلى العمل أو المستشفى أو حتى لقمة العيش تحديًا شاقًا.


فمنذ السابع من أكتوبر 2023، خلّفت الحرب الإسرائيلية دمارًا واسعًا طال آلاف السيارات والحافلات والشاحنات، إلى جانب البنية التحتية من طرق وشوارع ومحطات وقود وورش صيانة، ما أدّى إلى شلل شبه كامل في حركة النقل، ودفع السكان للاعتماد على وسائل بدائية وبطيئة، غالبًا ما تكون مكلفة وخطرة.
أزمة مركبة .. قلة المركبات ونقص الفكة
المواطن محمد الفليت يختصر المشهد بمرارة، مشيرًا إلى أن أجور المواصلات تضاعفت عشرات المرات مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.
فبعد أن كانت رحلة خان يونس – غزة لا تتجاوز 6 شواقل، باتت اليوم تتراوح بين 20 و25 شيقلًا، في وقت أصبحت فيه التنقّلات داخل المدن نفسها شبه مستحيلة، ليس فقط بسبب قلة المركبات، بل أيضًا نتيجة أزمة “الفكة” والسيولة النقدية.
أما أدهم أبو العطا، فيقول إن كثيرًا من المواطنين باتوا مضطرين للسير لمسافات طويلة على الأقدام لتوفير ثمن الأجرة، بينما يلجأ آخرون إلى الصعود في الشاحنات الفارغة على الطرقات، مخاطِرين بحياتهم، هربًا من أجور لا يستطيعون تحمّلها ووسائل نقل نادرة لا تلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات.
أعباء على الجميع
من جانبه، يوضح السائق سالم أبو سعدة أن معاناة المواصلات لا تطال الركاب وحدهم، بل تمتد إلى السائقين أيضًا، إذ يفتقد الطرفان إلى الراحة والأمان وسرعة الوصول، في ظل شح المركبات، وتدهور الطرق، وصعوبة الحصول على السيولة و”الفكة”، ما يضاعف الأعباء النفسية والمادية على الجميع.
ويضيف عبد الهادي أن ارتفاع أسعار الوقود يشكّل عبئًا إضافيًا، إذ يصل سعر لتر البنزين المستورد إلى نحو 100 شيقل، والمصنّع محليًا إلى 55 شيقلًا، فيما يبلغ سعر السولار المستورد نحو 60 شيقلًا، والمحلي بين 20 و25 شيقلًا، وهي أسعار تفوق قيمتها الحقيقية بعشرات المرات، وتنعكس مباشرة على ارتفاع أجرة المواصلات.
المشي للتوفير
السائق محي الدين مصلح يؤكد بدوره أن أعدادًا كبيرة من المواطنين باتت تتنقّل سيرًا على الأقدام، مفضّلة توفير ثمن الأجرة لتأمين الطعام والشراب لأطفالها، في ظل الفقر والنزوح وانعدام الاستقرار.
ويشير إلى أن أزمة “الفكة” دفعت بعض السائقين إلى رفض نقل ركّاب لا يملكون عملة نقدية معدنية، لعدم قدرتهم على إعادة باقي الأجرة، ما يزيد من تعقيد المشهد ومعاناة الطرفين.
الصيانة تزيد التكلفة
ولا تقلّ معاناة قطاع الصيانة قسوة عن غيرها. فالميكانيكي محمد الزقزوق يوضح أن أسعار قطع الغيار قفزت إلى مستويات غير مسبوقة؛ إذ ارتفع سعر محرك السيارة من 6 آلاف شيقل قبل الحرب إلى 25–28 ألفًا، وسعر الإطار الواحد من 300 شيقل إلى 2500–3000، فيما تجاوز سعر الزجاج 4500 شيقل بعد أن كان لا يتعدى 300.
كما ارتفعت كلفة إصلاح الفرامل إلى 800 شيقل دون القطعة، وزاد الاحتياطي اليومي للصيانة من 10–20 شيقلًا إلى 150–200، وقفز سعر زيت المحرك من 9–10 شواقل إلى نحو 80 شيقلًا، وسط انتشار قطع غير أصلية أو مستعملة لا تؤدي سوى وظيفة مؤقتة.
وتفيد تقارير حكومية بأن أكثر من 60% من المركبات في قطاع غزة تعرّضت للتدمير، بما يشمل السيارات والورش ومحطات الوقود، إضافة إلى البنية التحتية، مؤكدة أن شح الوقود وارتفاع أسعاره وغلاء قطع الغيار، إلى جانب تدهور الطرق وتدمير الشوارع، هي الأسباب الرئيسية لارتفاع أجرة المواصلات.
وتضيف أن أكثر من 9 0% من إشارات المرور وأعمدة الإنارة دُمّرت، ما جعل الحركة في الشوارع بالغة الخطورة، خاصة في ظل غياب الإشارات التحذيرية والإرشادات المرورية، وازدياد الحوادث والمخاطر.
في المحصلة، يعيش قطاع غزة أزمة مواصلات خانقة تتقاطع مع أزمة السيولة و”الفكة” وارتفاع غير مسبوق في أسعار الوقود وقطع الغيار، في وقت لا يُسمح فيه بدخول أكثر من 5 % من احتياجات السوق، ومعظمها غير أصلي، إضافة إلى “تنسيقات” قد تصل إلى ثلاثة ملايين شيقل للشاحنة الواحدة. كل ذلك يثقل كاهل السائقين والمواطنين معًا، ويحوّل أبسط تفاصيل الحياة اليومية إلى رحلة شاقة في مدينة لم تعد تتحرك إلا بصعوبة… أو على الأقدام.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

«مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر

صدر حديثا كتاب «مسافة بين ثورتين» للكاتب والناقد الفني والروائي البارز كمال القاضي، عن دار أم الدنيا للدراسات والنشر والتوزيع.

يمثل الكتاب - الذي يأتي تزامنًا مع احتفالات ثورة 30 يونيو 2013 والتي تحل نهاية الشهر- وثيقة تاريخية وإبداعية فريدة ترصد كواليس الحراك السياسي والثقافي والفني في أدق المراحل التاريخية التي عاشتها مصر المعاصرة.


فلسفة «المسافات» وتوثيق الذاكرة الوطنية


وجاء الكتاب في 282 صفحة مصدّراً بإهداء بليغ: «إلى تراب الوطن المخضب بدماء الشهداء»، وضم بين دفتيه مئة وعشرين مادة ومقالاً تحليلياً كتبها المؤلف مواكبةً للأحداث الساخنة كشاهد عيان عاش المشهد بحواسه كافة ناقداً وكاتباً ومواطناً.

واعتمد القاضي في تبويب كتابه على فلسفة خاصة ومبتكرة أطلق عليها «مفهوم المسافات»، حيث تنوعت الأقسام بين: (من المسافة صفر إلى المسافة ألف)، (المسافة ث.ق: الثقافة أزمات ومواقف)، (المسافة ش.ص: محاكمة نقدية للشاشة الصغيرة)، (المسافة س: السينما مرآة الثورة وهواجس التغيير)، وصولاً إلى قسم (إسقاط خارجي.. قضايا الأمة في مرآة الفكر والإبداع).


معركة الثقافة ضد «الأخونة» والتغريب


ويطرح الكتاب رؤية نقدية وفكرية عميقة حول كيفية تحول الثقافة المصرية من «قوة ناعمة» إلى ساحة اشتباك ومقاومة شرسة.

ويوثق المؤلف في قسم «المسافة ث.ق» كيف خاض المثقفون والمبدعون من أبناء الشعب معركة استعادة الهوية الوطنية والوسطية العريقة ضد محاولات الاختراق الأيديولوجي وسياسات «الحلال والحرام» قسراً التي حاولت التيارات المتطرفة فرضها للترهيب والإذعان أثناء حقبة وصولها للسلطة.


محاكمة الشاشة الفضية والسينما


لم يغفل الكاتب دوره كناقد فني مخضرم؛ فخصص قسماً كاملاً لمحاكمة الشاشة الصغيرة (التلفزيون والفضائيات) كلاعب وموجه أساسي للجماهير، كاشفاً التذبذب والارتباك وصراعات الفضائيات بين الحقيقة والتزييف.

وفي قسم «السينما»، يرصد الكاتب كيف كانت الفنون والدراما شاهد إثبات ودقّت أجراس الخطر مبكراً مستشرفةً نبوءات الجوع والغضب عبر قراءة متأنية في روائع الإبداع السينمائي ونصوص نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم.


البعد العربي والإقليمي


ويمتد أفق الكتاب ليربط الواقع المصري بالمتغيرات العربية والإقليمية المحيطة، مستعرضاً قضايا الأمة المركزية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وأحداث الثورة التونسية، والنهاية المأساوية للعقيد الليبي معمر القذافي، في محاولة عميقة لرؤية الذات المصرية في مرآة الفكر العربي الأكبر.

الكاتب كمال القاضي، من مواليد ديسمبر 1965، وهو كاتب صحفي بجريدة «القدس العربي» اللندنية، حاصل على بكالوريوس الدراسات النوعية ودرس بمعهد الموسيقى العربية. صدرت له عدة مؤلفات بارزة في النقد والرواية والشعر منها: «السينما شاهد إثبات»، «نصوص موازية»، رواية «عتبة عبد الكريم»، ورواية «ابن سبعة». وأخيرًا المجموعة القصصية «بدون أوراق رسمية». 
شارك القاضي كعضو لجنة تحكيم ورئيس في العديد من المهرجانات السينمائية الدولية بمصر وتونس والجزائر والمغرب.
والكتاب الجديد يُعد إضافةً رصينة للمكتبة العربية توثق بالوعي والفن كواليس مرحلة فارقة حوّلت كابوس الوطن إلى أمل بالبناء العقلاني الحر.

مقالات مشابهة

  • كواليس جديدة بشأن أزمة صلاح مصدق مع الزمالك.. ميدو يكشف التفاصيل
  • كاس تتدخل في أزمة صلاح مصدق والزمالك.. ومحامي اللاعب يكشف تطورات جديدة
  • منتخب مصر يواصل استعداداته للمونديال بجولة مشي يومية في شوارع أمريكا
  • «مش هتعرفوا تحرموني من جمهوري».. محمد رمضان يوجه رسالة جديدة بعد أزمة فيلم «أسد»
  • «مسافة بين ثورتين».. كمال القاضي يوثق معركة الوعي في مصر
  • عيوب التصميم وغياب المصدات الخرسانية.. خبراء يكشفون أسباب حادث ترعة المريوطية المأساوي
  • في معركة الاستقلال (5): هندسة التوازن.. كيف تناور الدول بين القوى الكبرى؟
  • مخرج مسرحي يكشف عن أزمة جديدة في جامعة طنطا ..تفاصيل
  • تمركزات مرورية مكثفة بشوارع الشرقية لتحقيق السيولة والإنضباط
  • انتخابات إثيوبيا تنطلق في ظل تمردات مسلحة وغياب التصويت في إقليم تيغراي