الأسبوع:
2026-06-03@03:09:46 GMT

العالم على حافة توازن هش

تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT

العالم على حافة توازن هش

في زمنٍ تتراجع فيه اللغة أمام ضجيج القوة، وتتحرك فيه خرائط النفوذ كما لو كانت كائنات حية تعيد تشكيل نفسها باستمرار، يعود التوتر بين الولايات المتحدة وإيران ليكشف عن جوهر الصراع في النظام الدولي المعاصر، حيث لم تعد السياسة مجرد إدارة للمصالح، بل أصبحت اختباراً دائماً لإرادة الهيمنة وحدود السيادة.

ما يجري اليوم لا يمكن قراءته في إطار التصريحات السياسية العابرة، بل هو انعكاس لتحول عميق في فلسفة إدارة الصراع العالمي.

فحين يطرح «دونالد ترامب» معادلة تقوم على الاختيار بين الاتفاق أو التصعيد، فإنه لا يوجه رسالة إلى (طهران) وحدها، بل يعلن رؤية كاملة لطبيعة النظام الدولي، حيث تصبح القوة وسيلة تفاوض، ويغدو التهديد أداة لإعادة ترتيب موازين النفوذ.

في هذا السياق، لا تبدو قاعدة «دييجو جارسيا» مجرد منشأة عسكرية بعيدة في المحيط الهندي، بل تتحول إلى رمز لمعنى الهيمنة في صورتها الحديثة، حيث لم تعد الجغرافيا مجرد مساحة، بل خطاب سياسي صامت، ولغة ردع تتجاوز حدود المكان لتصل إلى عمق الحسابات الاستراتيجية للدول.

إن العالم اليوم يعيش مفارقة تاريخية معقدة، فالدول الكبرى تتحدث عن السلام بينما تعزز قدراتها العسكرية، وتدعو إلى الدبلوماسية وهي تلوّح بأدوات القوة.

وهذه المفارقة لا تعكس تناقضاً بقدر ما تعكس طبيعة النظام الدولي نفسه، الذي يقوم على توازن هش بين الردع والتفاوض، وبين التهديد والتسوية.

لقد تغيرت طبيعة الحروب في العصر الحديث، فلم تعد المواجهة العسكرية المباشرة الخيار الأول، بل أصبحت جزءاً من منظومة ضغط متعددة الأبعاد، تشمل الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتحالفات السياسية، والحروب النفسية. وفي هذا الإطار، تتحول التهديدات العسكرية إلى رسائل استراتيجية تهدف إلى فرض شروط التفاوض قبل أن تبدأ طاولة الحوار.

أما إيران، فهي تدرك أن المسألة تتجاوز حدود الملف النووي أو النفوذ الإقليمي، لتصل إلى جوهر موقعها في النظام الدولي. فالتفاوض بالنسبة لها ليس مجرد استجابة لضغوط خارجية، بل اختبار لقدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها السياسي، وصياغة دورها الإقليمي في ظل توازنات معقدة تحكمها حسابات القوة والمصالح.

وهنا يتجلى البعد الفلسفي للصراع، إذ لا يتعلق الأمر بخلاف تقني حول برامج أو اتفاقيات، بل بصدام بين رؤيتين للعالم: رؤية ترى أن الاستقرار يتحقق عبر الهيمنة وتوازن الردع، وأخرى تؤمن بأن السيادة الوطنية لا يمكن أن تكون رهينة لإرادة القوى الكبرى. وبين هاتين الرؤيتين تتشكل ملامح المرحلة المقبلة، ليس في الشرق الأوسط وحده، بل في مجمل بنية النظام العالمي.

كما أن تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، يعكس تحولات أوسع في طبيعة العلاقات الدولية، حيث لم تعد الحدود الجغرافية وحدها تحدد مسار الصراعات، بل أصبحت الإرادات السياسية، وشبكات التحالف، وموازين الردع التكنولوجي هي العوامل الحاسمة في تحديد اتجاه الأحداث.

لقد دخل العالم مرحلة جديدة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والأمن بالهوية، والمصالح بالتصورات الحضارية.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن حالة القلق العالمي المتزايد من انهيار منظومة التوازنات التي حكمت العلاقات الدولية لعقود.

فكل تصعيد جديد يفتح الباب أمام احتمالات غير محسوبة، ويجعل العالم أقرب إلى مرحلة من السيولة الاستراتيجية التي تتراجع فيها القواعد التقليدية لصالح منطق القوة المباشرة.

ومع ذلك، يبقى السؤال الجوهري معلقاً: هل يمكن للدبلوماسية أن تستعيد دورها كأداة لتجنب الصراع، أم أن العالم يتجه نحو مرحلة تصبح فيها القوة اللغة الأولى في إدارة العلاقات الدولية؟.

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تتوقف على قرار دولة بعينها، بل على قدرة النظام الدولي نفسه على إعادة تعريف توازنه بين المصالح والقيم، وبين الهيمنة والاستقرار.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة كاشفة لطبيعة عالم يتغير بسرعة، عالم تتصارع فيه الرؤى قبل الجيوش، وتتواجه فيه الإرادات قبل الأسلحة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى المستقبل مفتوحاً على احتمالات متعددة، تتراوح بين تسويات هشة تؤجل الصراع، أو مواجهات تعيد رسم خرائط النفوذ من جديد.

وفي النهاية، يظل التاريخ شاهداً على أن القوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تصنع دائماً استقراراً دائماً، وأن التوازن الحقيقي لا يولد من الخوف وحده، بل من إدراك مشترك بأن العالم، رغم صراعاته، لا يزال بحاجة إلى مساحة للعقل قبل الاندفاع للقوة.

(محمد سعد عبد اللطيف، كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)

اقرأ أيضاًصور الأقمار الصناعية تكشف تحصينات إيران لمواقعها الحساسة

مستشار ترامب: احتمال بسنبة 90% أن نشهد عملا عسكريا ضد إيران في الأسابيع المقبلة

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: واشنطن أمريكا أوروبا إيران العلاقات الدولية طهران النظام الدولي الصراع العالمي النظام الدولی

إقرأ أيضاً:

ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟

 

حين قررت إدارة ترامب وضع ملفي سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة وتسليمها لتوم باراك، لم تكن مجرد تسمية لمبعوث جديد، بل كانت إعلانًا صريحًا عن تغيير قواعد اللعبة في المشرق العربي. واشنطن اليوم تقلب الطاولة على أساليبها القديمة؛ وبدلاً من سياسة العقوبات والضغط المستمر، يبدو أنها تتجه نحو تفاعل مباشر قد يشمل صفقات وتقاربات غير متوقعة.
​الأهم هنا هو الوعي الأمريكي المستجد بأن دمشق وبغداد ملف واحد لا ينفصل، وأن إدارة هذه المنطقة لا يمكن أن تنجح بالانفراد، بل من خلال نسج شبكة مصالح مشتركة تجمع تركيا وسوريا والعراق معاً.
​هذا التحول يضع المنطقة أمام سيناريوهين: إما نجاح هذه الهندسة السياسية وبالتالي محاصرة النفوذ الإيراني وتقليص الدور الروسي لصالح عودة أمريكية قوية، أو الفشل الذي سيعني ارتداداً عنيفاً يغرق المنطقة في موجة توتر جديدة.
​المحك الحقيقي الآن لا يكمن في ذكاء الخطة، بل في قدرة إدارة ترامب على توفير الدعم والنفَس الطويل لتنفيذها، فهل نحن أمام رؤية استراتيجية متكاملة، أم مجرد مسكّن مؤقت للأزمة؟ الإجابة لن تتأخر كثيراً، وستكتبها التحركات الأولى لتوم باراك على الأرض وردود الفعل القادمة من دمشق وبغداد.

حين تبحث في كواليس واشنطن عن تفسير لجرأة التحركات الأخيرة في المشرق العربي، ستجد أن الإجابة تبدأ من طبيعة الرجل الذي اختاره ترامب لهندسة هذه المرحلة، وهو أن توماس باراك لا ينتمي إلى تلك الطبقة التقليدية من الدبلوماسيين الذين يديرون الأزمات بالورقة والقلم من خلف المكاتب المغلقة، بل هو أقرب لعقلية برجل الصفقات الميداني الذي يمتلك توليفة استثنائية من النفوذ السياسي والخلفية الشخصية، جعلته الأداة الأنسب لقلب الطاولة في المنطقة، و​هذا النفوذ يترجمه باراك اليوم من فوق مقعده كسفير للولايات المتحدة في أنقرة، وهو موقع يمنحه بالتبعية مفاتيح رئيسية للتحكم في خيوط الملف السوري، فبعد أن تسلم ملف سوريا كمبعوث خاص، جاء القرار الأخير بتوسيع صلاحياته ليشمل العراق أيضاً، ليصبح الرجل بمثابة المايسترو الذي يدمج الساحتين لأول مرة تحت رؤية تنسيقية واحدة ونافذة.

​لكن أبعد من المناصب هناك بعد إنساني وثقافي يمنح باراك تفوقاً نوعياً، فالرجل الذي يعود بجذوره إلى أصول لبنانية يفهم جيداً الشفرة الاجتماعية والسياسية للمجتمعات العربية، ولديه قدرة أعلى على بناء الجسور والتحدث بلغة يفهمها الفاعلون على الأرض، بعيداً عن الجفاء الدبلوماسي الغربي المعتاد، ​ومع ذلك لا ينبغي إغفال العقلية التي تحركه فباراك يتحرك بعقيدة سياسية صارمة تلخصها مدرسة أمريكا أولاً، وهو ما أشار إليه وزير الخارجية ماركو روبيو بوضوح حين وضعه في خانة الموثوقين القادرين على تطويع هذه الأوراق المعقدة لصالح واشنطن، فنحن إذن أمام شخصية تجمع بين مرونة الجذور وحسم الأجندة، مما يجعله المحرك الفعلي لأي نظام إقليمي جديد يتشكل في دمشق وبغداد.

أما عن الجمع بين سوريا والعراق في حقيبة دبلوماسية واحدة ليس مجرد ترتيب إداري لتخفيف زحام المبعوثين، بل هو اعتراف أمريكي بواقع الأرض، فواشنطن أدركت أخيراً أن الفصل بين بغداد ودمشق كان خطأً استراتيجياً، طالما أن الحدود بينهما تكاد تكون ملغاة فعلياً أمام تحركات السلاح والفصائل وشبكات النفوذ، ​من هنا تسعى إدارة ترامب لفرض نفسها كوسيط وحيد لإدارة التنسيق الأمني والعسكري بين الدولتين، وهي خطوة ذكية لسحب هذا الملف من يد أطراف إقليمية أخرى، والأهم أن هذه المظلة الموحدة ستمنح واشنطن ورقة ضغط قوية، فبدلاً من تفاوضها مع كل دولة على حدة، ستصبح حوافز مثل رفع العقوبات أو أموال إعادة الإعمار عبارة عن صفقة إقليمية واحدة وشاملة، تُعرض على دمشق وبغداد معاً مقابل ثمن سياسي وأمني محدد.

واتذكر حين رفع ترامب العقوبات عن سوريا في مايو 2025، فكان يمهد لسياسة جديدة قائمة على الصفقات المباشرة، ومنذ ذلك الوقت بدأ توماس باراك يتحرك لفتح القنوات المغلقة مع دمشق، وجاء قراره الأخير ليوكد أن واشنطن تريد تحويل هذا التقارب إلى مسار دائم، و​الفكرة هنا بسيطة وذكية فبدلاً من ترك دمشق مجبرة على الارتماء في أحضان روسيا وإيران بسبب العزلة، قررت إدارة ترامب أن تجلس مع النظام السوري على طاولة حوار واحدة، لأن أمريكا تدرك أن أفضل طريقة لإبعاد طهران وموسكو هي تقديم بدائل حقيقية لدمشق، واللعب على ورقة الاستقرار ومحاربة التطرف، لتضمن واشنطن في النهاية أنها أصبحت اللاعب الأهم في المنطقة.

وأن جمع باراك بين منصب السفير في أنقرة ومهمته الجديدة في سوريا والعراق ليس مجرد جمع بين وظيفتين، بل هو اعتراف ذكي من واشنطن بأن مفاتيح الحل في المشرق العربي تمر حتماً عبر تركيا، فإدارة ترامب تدرك أنك لا تستطيع تفكيك العقدة السورية دون وجود شريك إقليمي قوي بوزن أنقرة على نفس الطاولة، 
و​الخطة هنا تعتمد على استغلال النفوذ التركي لترتيب الأوراق، بحيث تلعب أنقرة دور الجسر الذي يساعد في إعادة إدماج سوريا في محيطها العربي، وهذا التنسيق الثلاثي الناشئ بين واشنطن وأنقرة ودمشق يهدف إلى خلق معادلة مصالح جديدة، تضمن لتركيا أمن حدودها، ولأمريكا تقليص خصومها، ولدمشق العودة للمشهد، مما قد يفتح الباب أخيراً لتسوية حقيقية للأزمة السورية بعيداً عن التدخلات الخارجية الأخرى.

وما زلت اتذكر حين صرح وزير الخارجية ماركو روبيو بأن باراك هو الرجل الأنسب لتطبيق أجندة أمريكا أولاً في المنطقة، لم يكن يتحدث بشعارات انتخابية، بل كان يلخص الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في كلمتين الا وهي دبلوماسية أقل كلفة ومكاسب أكبر، و​الفكرة هنا قائمة على فلسفة بسيطة وهي واشنطن لم تعد مستعدة لإنفاق تريليونات الدولارات في حروب عسكرية لا تنتهي بالشرق الأوسط، والبديل الذكي هو استخدام الدبلوماسية والصفقات المباشرة لحماية مصالحها الأساسية، وباراك سيتحرك لتركيز الجهود الأمريكية حول ملفات محددة ومباشرة، مثل مكافحة الإرهاب، تأمين خطوط الطاقة، وقطع الطريق أمام النفوذ الصيني والإيراني المتزايد، وهذا التحول المرن يسمح لإدارة ترامب بتحقيق أهدافها الإقليمية بأقل خسائر ممكنة، وفي نفس الوقت إعادة توجيه الموارد والتركيز نحو الداخل الأمريكي.

إذا جمعنا كل هذه الخيوط والمؤشرات معاً، وقارنا هذا التحرك بما كان يحدث في الماضي، يبدو واضحاً أن ما يفعله ترامب اليوم عبر توماس باراك ليس مجرد تبديل وجوه، بل هو انقلاب كامل في طريقة تفكير واشنطن تجاه منطقتنا، واننا أمام قواعد لعبة جديدة تماماً تختلف عن كل ما عشناه مع الإدارات الأمريكية السابقة.
ف​الملفات التي كانت واشنطن تديرها بالقطعة، فتقارب سوريا بمعزل عن العراق، صُهرت اليوم في بوتقة واحدة، والمنصب نفسه لم يعد مجرد لقب لمبعوث تقليدي، بل تحول إلى تفويض رئاسي ثقيل يتحرك به باراك وهو لا يزال ممسكاً بمقعد السفارة في أنقرة، ما يعني أن الدور التركي لم يعد على الهامش بل أصبح في قلب الطاولة.

و​لكن التحول الأبرز يكمن في العقلية نفسها، فالإدارة الأمريكية تجاوزت أخيراً لغة العقوبات والضغط التي أثبتت عقمها، لتفتح الباب لرفع القيود والتقارب المباشر، ولم تعد المعركة مقتصرة على فكرة مواجهة إيران من بعيد، بل تحولت إلى بناء تفاهمات عملية مع دمشق وبغداد على أرض الواقع، و​هذا التغيير يعكس نضجاً سياسياً مختلفاً لإدارة ترامب باتباعه استراتيجية واقعية تبحث عن الصفقات الممكنة بدلاً من الغرق في الشعارات، وتؤكد أن واشنطن قررت أخيراً أن تدير مصالحها في الشرق الأوسط بعيون ترى الواقع كما هو، لا كما تتخيله المكاتب المغلقة.

مقالات مشابهة

  • مصطفى الفقي: صعود الصين يحقق «توازن الرعب».. وسُمعة إسرائيل بلغت مستوى غير مسبوق من التراجع|فيديو
  • الاتحاد الدولي لكرة القدم يجري تعديلات على قوانين اللعبة اعتبارا من كأس العالم
  • أحمد موسى: العلمين نموذج للتنمية الشاملة واستضافة المؤتمرات الدولية
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • كاسيميرو: البرازيل ليست المرشح الأول لكأس العالم 2026 رغم القوة والطموح
  • السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
  • لكل زمان بلعمه: المفكر المحصّن وتراجيديا السقوط الطوعي
  • التوابل ليست مجرد نكهات وفوائدها لصحة الجسم كبيرة
  • رفضوه عريسًا فوقف على حافة الموت.. إنقاذ شاب حاول القفز من أعلى عقار بمدينة نصر
  • ماذا وراء تعيين توماس باراك لدمشق وبغداد؟