الشرق الأوسط حين تتفكك الدولة وتتصدر الشبكات
تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT
لم يعد الشرق الأوسط يُقرأ بوصفه مجموعة دول تتجاور وتتصارع داخل حدود واضحة، بل كمساحة مفتوحة تتنازعها قوى متشابكة، تتحرك خارج منطق الدولة التقليدية.
ما يبدو فوضى ممتدة ليس حالة عابرة، بل نتيجة مباشرة لانهيار نموذج الحكم المركزي الذي قام طويلًا على السلطة الهرمية واحتكار القرار.
في الفراغ الذي خلّفه هذا الانهيار، لم يولد نظام بديل مكتمل، بل تشكّلت بنية جديدة أكثر سيولة، تتوزع فيها القوة بدل أن تتركز.
في هذا المشهد المتحوّل، لم تعد الدولة هي مركز الثقل الوحيد، بل أحد عناصر منظومة أوسع تضم فواعل مسلحة، وشبكات اقتصادية رمادية، وقوى إقليمية، وأدوات إعلامية وتكنولوجية.
السلطة هنا لا تُدار من قصر الحكم فقط، بل من نقاط تماس متعددة، بعضها ظاهر، وأكثرها خفي، حيث تتقاطع المصالح وتتبدل التحالفات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات التقليدية على الضبط.
هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو حصيلة عقود من الحروب، والتدخلات الخارجية، وتآكل العقد الاجتماعي، وانكسار الثقة بين الدولة والمجتمع.
حين تفشل الدولة في حماية مواطنيها أو فرض سيادتها، لا يختفي الحكم، بل يعاد توزيعه.
تتراجع المركزية، وتظهر أشكال حكم غير رسمية، تعمل وفق منطق الترابط والتأثير المتبادل، لا وفق الأوامر والتعليمات.
في فلسطين، وسوريا، والعراق، واليمن، ولبنان، لم تعد الدولة اللاعب الوحيد في الميدان، بل طرفًا بين أطراف.
أما الصراعات، فلم تعد مواجهات تقليدية بين جيوش، بل اشتباكات شبكات: سلاح، وتمويل، وسردية، وضغط سياسي واقتصادي.
حتى القوى الإقليمية الكبرى لم تعد تعتمد فقط على الجيوش النظامية، بل على إدارة نفوذ ممتد عبر وكلاء وفواعل متعددة، تتحرك بمرونة أكبر وتكلفة أقل.
هذا الواقع يفرض تعريفًا جديدًا للقوة. لم تعد القوة حكرًا على من يمتلك السلاح الأثقل، بل على من يملك القدرة على الربط: ربط الميدان بالإعلام، وربط الاقتصاد بالسياسة، وربط المحلي بالإقليمي والدولي.
من يفهم هذا المنطق، يستطيع التأثير، ومن يتمسك بأدوات الماضي وحدها، يجد نفسه خارج المعادلة.
المشهد المصري، رغم تماسكه النسبي مقارنة بجواره الإقليمي، لا ينفصل عن هذا السياق المضطرب.
فالأمن القومي لم يعد يُقاس فقط بحماية الحدود، بل بقدرة الدولة على قراءة التحولات المحيطة، والتعامل مع تهديدات عابرة للجغرافيا، تتطلب مرونة في التفكير بقدر ما تتطلب صلابة في الموقف.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة لا تُدار فيها الصراعات بمنطق الدولة الصلبة وحده، ولا تُحسم فيها المعارك بنصر واضح أو هزيمة نهائية.
إنها مرحلة إعادة تشكيل السلطة نفسها، حيث تتفكك اليقينيات القديمة، وتتصدر الشبكات مشهد الحكم والتأثير. ومن لا يدرك طبيعة هذا التحول، سيظل يبحث عن دولةٍ بصورتها القديمة، في إقليم تغيّر جوهره إلى الأبد.
(محمد سعد عبد اللطيف كاتب صحفي وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية)
اقرأ أيضاًالعالم على حافة توازن هش
النفط يستفيد من ارتفاع المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بإيران وتوقف إمدادات كازاخستان
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: الأمن القومي الشرق الأوسط المشهد المصري الجيوش النظامية الجوار الإقليمي لم تعد
إقرأ أيضاً:
مصر وفرنسا تبحثان تطورات الشرق الأوسط وجهود تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد
عقدت يوم الأول من يونيو جولة مشاورات سياسية بين مصر وفرنسا بمقر وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين في الخارج، حيث ترأسها السفير نزيه النجاري، مساعد وزير الخارجية للتخطيط السياسي وإدارة الأزمات ونظيره الفرنسي "تريستان أورو".
تناولت المشاورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، حيث ركزت على تطورات المفاوضات الجارية لإنهاء الحرب في المنطقة والتطورات الخطيرة في لبنان، وجهود مصر والرباعية في تثبيت وقف إطلاق النار وخفض التصعيد لتجنب الانزلاق إلى الحرب مجدداً، كما تناول الجانبان الآثار الاقتصادية للحرب على دول المنطقة، وخاصة فيما يتعلق بإمدادات الطاقة، وحركة الملاحة، وتدفق الاستثمارات، حيث أكدا ضرورة بذل الأطراف المعنية كافة الجهود الممكنة للتوصل إلى حل.
من جانبه، شدد السفير نزيه النجاري على محورية حل القضية الفلسطينية في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، باعتبارها القضية المركزية لدى شعوبها، والتي ترتبط بمجمل قضايا المنطقة، مشيراً إلى ضرورة تضافر جهود المجتمع الدولي في الزام الجانب الاسرائيلى بالوفاء بمقتضيات خطة السلام فى غزة والتى تم اقرارها فى قمة شرم الشيخ للسلام العام الماضى، وكذلك لوقف الانتهاكات بحق الفلسطينين في الضفة الغربية.
وقد ثمن الجانب الفرنسي جهود مصر الرامية لإرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة، من خلال سياساتها المتزنة، وأعرب عن تقديره للتشاور الدائم بين البلدين حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، في إطار العلاقات المتميزة التي تجمعهما، وخاصة بعد ترفيعها لمستوى الشراكة الاستراتيجية، حيث تبادل الجانبان التقديرات بشأن مستقبل المنطقة، ومستقبل النظام الدولي في ظل الصراعات والتطورات المتسارعة على الساحتين الإقليمية والدولية.