لا مآذن ولا موائد.. رمضان غزة الثالث تحت الحرب: كيف تحوّل شهر اللمّة إلى صراع من أجل البقاء؟
تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT
يستقبل قطاع غزة شهر رمضان للعام الثالث توالياً في ظل الحرب، وسط تدهور اقتصادي غير مسبوق، وارتفاع حاد في الأسعار، واعتماد شبه كامل على المساعدات، فيما تتزايد المخاوف من استمرار شحّ الإمدادات، خصوصاً غاز الطهي.
بعد أكثر من عامين من العمليات العسكرية والدمار الواسع، لم تعد التحضيرات الرمضانية كما كانت قبل الحرب.
يقول صادق قنديل، نازح من بيت حانون، إن رمضان قبل الحرب كان يبدأ قبل رؤية الهلال بأيام.
"كنا نجهّز أنفسنا بشراء احتياجات الشهر، ونرتّب زيارات بين الإخوة والأخوات. كل يوم بيت وعزومة"، كما يقول.
أما اليوم، فيؤكد أن المشهد تبدّل بالكامل بعد أن فقد خلال الحرب عدداً من أقاربه وتفرّق من تبقّى من العائلة مشتّتين بين مناطق النزوح.
ويضيف صادق بحسرة قائلا: "العيلة راحت، واللي ضلّ تفرّق. ما عاد في لمّة ولا زيارات. كل واحد في مكان، ونفطر بما يتوفر".
مصطفى الآغا، وهو نازح من خان يونس، يقول إن رمضان يحلّ عليهم للعام الثالث وهم داخل الخيام.
"الخيمة لا تصلح للحرّ والبرد. نتمنى من الجهات المعنية أن تتحسّس (تهتمّ) أوضاع الناس، خصوصاً مع احتياجات الصيام والسحور. كثيرون فقدوا بيوتهم ومقتنياتهم، واليوم يعيشون بلا أدنى مقومات".
أما سوسن زقوت، النازحة من شمال القطاع، فتعتبر أن رمضان بات مرتبطاً بالبحث اليومي عن الاحتياجات الأساسية.
"اعتمدنا على التكية. لا دخل لدينا. من كان لديه بيت أو مصدر دخل فقده. الأطفال يركضون وراء الماء، ويركضون وراء التكية، ويركضون وراء لقمة العيش”، تقول، مضيفة أن المبادرات الإنسانية لم تكن منتظمة، "قد تأتي مبادرة أو اثنتان طوال الشهر، ثم ينقطع كل شيء".
وتقول سهير أبو راضي، نازحة من الشجاعية، إن 14 فرداً من عائلتها يعيشون داخل خيمة واحدة.
وتضيف: "لا يوجد معيل للأسرة. الوضع الاقتصادي سيّئ جداً. نعيش غالباً على التكايا. نتمنى أن يكون هناك سند في رمضان لأن لدينا أطفالاً والتزامات لا تنتهي”.
من جهته، يقول الطفل أحمد لبد، النازح من شمال القطاع، إنه يتمنى أن يعود رمضان كما كان قبل الحرب، مضيفاً أن أكثر ما يزعجه هو الجري اليومي وراء الماء والطعام، وأن الأطفال "لا يعيشون رمضان كعيد، بل كانتظار طويل".
تزامناً مع بدء شهر رمضان، تعمل الأسواق في ظروف استثنائية. فقد دُمّرت غالبية الأسواق الرسمية التابعة للبلديات، ما أدى إلى انتشار بسطات وأسواق عشوائية تفتقر إلى أبسط المقومات.
تقتصر السلع المتوفرة على كميات محدودة من الأرز والبقوليات وبعض المواد الأساسية، في ظل شحّ الإمدادات. وكان اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي ينص على إدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً، إلا أن ما يدخل فعلياً لا يتجاوز نحو 250 شاحنة يومياً، وفق مكتب الإعلام الحكومي في غزة.
وتقول إسرائيل إنها تفرض قيوداً على بعض السلع بدعوى أنها مزدوجة الاستخدام، وهو ما ينعكس على توفر عدد من المواد في الأسواق حيث تبدو الحركة فيها أضعف من مواسم رمضان السابقة. بضائع معروضة بأسعار مرتفعة، فيما يغادر كثير من المتسوقين دون أن يشتروا شيئًا، في ظل غياب الدخل وتآكل المدخرات.
يقول المدير العام للغرفة التجارية والصناعية بمحافظة غزة، ماهر طباع، إن الناتج المحلي الإجمالي انخفض بنسبة 86% مقارنة بعام 2023، فيما بلغت البطالة نحو 80% بعد تدمير ما يقارب 85% من المنشآت الاقتصادية.
ويضيف أن أكثر من 1.6 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بينما تجاوزت معدلات الفقر 90%، مع ارتفاع أسعار بعض السلع بنسبة تصل إلى 200 %. وتعكس هذه الأرقام، بحسب مسؤولين اقتصاديين محليين، حالة انهيار شبه كامل في الدورة الاقتصادية، في وقت يعتمد فيه غالبية السكان على مساعدات محدودة.
والذي يزيد من تعقيد المشهد هو نقصُ السيولة النقدية وتعطّلُ البنوك وتآكلُ العملات المتداولة، ما يضع البائع والمشتري معاً تحت ضغط غير مسبوق في شهر رمضان.
تتزامن هذه الظروف مع استمرار أزمة غاز الطهي، ما يضاعف المخاوف بشأن القدرة على إعداد وجبات الإفطار والسحور.
يؤكد المدير العام للهيئة العامة للبترول في غزة، إياد الشوربجي، أن ما دخل القطاع منذ 10 أكتوبر وحتى نهاية يناير بلغ 307 شاحنات محملة بنحو 6.4 ملايين كيلوغرام من الغاز، وهو ما يمثل نحو 20% فقط من الاحتياج الفعلي.
ويشير إلى أن القطاع يحتاج إلى ما بين 80 و100 شاحنة أسبوعياً لضمان الحد الأدنى لضمان استمرارية التزويد، لافتاً إلى أن محدودية الكميات وعدم انتظام إدخالها يدفعان كثيراً من العائلات إلى ادخار الأسطوانات للاستخدام في الحالات الطارئة، والاعتماد يومياً على الحطب رغم المخاطر الصحية.
وبين دمار واسع، ونسبة بطالة مرتفعة، وأسواق محدودة، وأزمة غاز مستمرة، يحلّ رمضان على غزة هذا العام مثقلاً بالأعباء المعيشية.
ففي وقت مضى كان رمضان يشكل مساحة للطمأنينة والتكافل، لكن اليوم باتت العائلات تنظر إلى الشهر الفضيل بقلق، حيث يتحول الإفطار نفسه إلى تحدٍّ يومي، وتغيب الزيارات والصلوات الجماعية التي كانت تشكل روح الشهر.
ومع استمرار التذبذب في تدفق الإمدادات وتآكل مصادر الدخل، يستقبل سكان القطاع رمضانهم الثالث في الحرب وفي أذهانهم تتقدّم أولوية واحدة على ما عداها من طقوس: تأمينُ لقمة العيش في يومهم التالي.
انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة
المصدر
المصدر: euronews
كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب حروب إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب حروب إيران غرينلاند صوم شهر رمضان البطالة قطاع غزة إسرائيل إرتفاع الأسعار فلسطين إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب حروب إسرائيل فرنسا إسبانيا الصحة علاج رمضان
إقرأ أيضاً:
من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
بين أروقة المتحف المصري الكبير، يقف التمثال الضخم للملك سينوسرت الثالث شامخًا كأنه يتحدى الزمن، لا بوصفه مجرد قطعة أثرية نادرة، بل باعتباره شهادة حجرية على واحدة من أعظم الشخصيات التي حكمت مصر القديمة، فبينما اعتادت التماثيل الملكية في الحضارة المصرية أن تُظهر الملوك في صورة مثالية خالية من العيوب، جاء هذا التمثال ليقدم صورة مختلفة تمامًا؛ صورة إنسان يحمل على وجهه ثقل المسؤولية وأعباء الحكم، لتتحول ملامحه إلى قصة تروي مجد الدولة الوسطى وقوة أحد أبرز فراعنتها.
ملامح غير مألوفة في الفن الملكيمن النظرة الأولى، يلفت التمثال الانتباه بواقعيته المدهشة. فالعينان الغائرتان، والخدان النحيلان، والتجاعيد الواضحة أسفل العينين، والخطوط المحفورة على الجبهة، جميعها تفاصيل لم تكن مألوفة في تصوير الملوك المصريين الذين غالبًا ما ظهروا في هيئة الشباب الأبدي والقوة المطلقة.
ويعتقد علماء المصريات أن هذه الملامح لم تكن انعكاسًا لعمر الملك فحسب، بل رسالة سياسية وفكرية أراد الفنان المصري القديم إيصالها؛ فسنوسرت الثالث لم يُرِد أن يظهر كحاكم مثالي بعيد عن الواقع، بل كقائد يحمل هموم دولته ويكرّس حياته لحماية شعبه وتأمين حدود بلاده.
القائد الذي أعاد رسم حدود مصرلم يكن سينوسرت الثالث مجرد ملك يجلس على العرش، بل كان قائدًا عسكريًا بارعًا ومصلحًا إداريًا من الطراز الأول. وخلال حكمه في الأسرة الثانية عشرة، قاد حملات عسكرية عميقة داخل النوبة، ونجح في توسيع النفوذ المصري جنوبًا، كما أنشأ سلسلة من الحصون على ضفاف النيل، من أشهرها حصونا سمنة وأورونارتي.
ولم تقتصر أهمية هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تحولت إلى مراكز للتجارة والإدارة، ما يعكس رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من مصر قوة إقليمية مؤثرة خلال عصر الدولة الوسطى.
ثورة في الإدارة وترسيخ لهيبة الدولةإلى جانب إنجازاته العسكرية، لعب سنوسرت الثالث دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الدولة المصرية، فقد عمل على تقليص نفوذ حكام الأقاليم الذين ازدادت قوتهم خلال الفترات السابقة، واستعاض عن كثير منهم بمسؤولين تابعين مباشرة للسلطة المركزية.
هذا التحول أسهم في تعزيز وحدة الدولة وترسيخ سلطة الفرعون، وأرسى قواعد إدارية استمرت آثارها في عهد خلفائه. ولذلك ينظر المؤرخون إليه باعتباره أحد أبرز الملوك الذين نجحوا في بناء دولة مركزية قوية قادرة على إدارة مواردها وحدودها بكفاءة عالية.
تمثال يروي عبء المُلك وخلود الذكرىيُجسد التمثال الضخم جميع رموز السلطة الملكية المعروفة؛ فالملك يرتدي النقبة الملكية، وتظهر على صدره القلادة العريضة، فيما تعكس كتفاه العريضتان القوة العسكرية التي عُرف بها، لكن القيمة الحقيقية للعمل تكمن في قدرته على الجمع بين الرمزية التقليدية والواقعية الإنسانية في آن واحد.
ولعل هذا ما جعل سينوسرت الثالث يحظى بمكانة استثنائية حتى بعد وفاته، إذ جرى تأليهه في بعض مناطق مصر القديمة، وخاصة في أبيدوس، واستمر تقديسه لقرون طويلة، كما اتخذ ملوك لاحقون من سيرته نموذجًا يُحتذى به في الحكم والقيادة.
واليوم، يقف تمثاله بالمتحف المصري الكبير ليس فقط بوصفه تحفة فنية من روائع النحت المصري القديم، بل باعتباره وثيقة تاريخية نادرة تكشف لحظة فارقة في تطور الفن المصري؛ لحظة التقت فيها عظمة الملك بواقعية الإنسان، لتُخلد على الحجر قصة قائد حمل أعباء الإمبراطورية فوق كتفيه، فبقيت ملامحه شاهدة على القوة والحكمة وخلود الحضارة المصرية.
الملك سينوسرت الثالث