صديق اللحظة أم عدو الغد؟.. حكاية الصحفيين المستقلين مع الذكاء الاصطناعي
تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT
بعد فضيحة اكتشاف مؤسسات إعلامية لنشرها مقالات بأسماء "صحفيين وهميين" تبين لاحقا أنهم مجرد شخصيات ابتكرها الذكاء الاصطناعي، أُعيد رسم ملامح العمل الصحفي المستقل، ليُفرض على المحررين والكتاب واقعا جديدا تتشابك فيه المكاسب التقنية مع الإشكاليات الأخلاقية والمهنية.
وفي هذا السياق، يسلط معهد رويترز لدراسة الصحافة الضوء على هذا التحول الجذري، مستندا إلى آراء 45 صحفيا ومحررا مستقلا من مختلف أنحاء العالم، شاركوه آراءهم حول كيفية إعادة ثورة الذكاء الاصطناعي تشكيل طريقة عملهم، خاصة على صعيد عملية الإنتاج، والثقة، والمخاوف الوجودية الوظيفية.
رأى عدد من الصحفيين في الذكاء الاصطناعي "مساعدا شخصيا" يختصر الوقت، ويحسن من جودة العمل اليومي وتدفقه.
وأكد خيسوس غارسيا، وهو محرر رقمي مكسيكي، أن أدوات مثل "تشات جي بي تي" قلصت وقت الانتظار، مما منحه قدرة مذهلة على التغطية اللحظية للمؤتمرات الصحفية.
ويتفق معه الصحفي الأرجنتيني ألفارو ليوزي، الذي أدمج الذكاء الاصطناعي لهيكلة الأفكار، مما أتاح له التفرغ للتحليل المعمق والقرارات السردية.
واعتبرت الصحفية أولريكي لانجر أن هذه الأدوات فتحت لها مجالات جديدة، بينما أشار الكاتب الكيني روبرت أماليمبا إلى أن التقنية زادت من سرعة وجاذبية أفكاره المقدمة للمحررين.
مخاوف وجوديةفي المقابل، سيطرت المخاوف الوجودية والمالية على شريحة أخرى من الصحفيين، وسط قلق واسع من تأثير التقنية في أرزاقهم.
وحذرت الصحفية العلمية الأمريكية سارة سكولز من تراجع التكليفات وانخفاض الأجور، مما فرض حالة من عدم الاستقرار والمزيد من المشقة لضمان استمرار العمل.
ومن كوستاريكا، انتقدت المحررة هاسل فالاس افتراض العملاء بأن كل شيء أصبح أسرع، مما يدفعهم لفرض أجور زهيدة، محذرة من أن ذلك يغري بإنتاج محتوى صحفي "رخيص".
وبلغت المخاوف حد الشعور بالخيانة الفكرية لدى الكاتبة المكسيكية أدريانا كروز التي تخشى سلب وظيفتها، وهو ما عانت منه فعليا الرسامة البريطانية جاستين بيلميس بعد إجبارها على محاكاة "أسلوب الآلة".
إعلانولاحظ صحفي التكنولوجيا البريطاني كريس ساتكليف انهيارا في الطلب على مقالاته لصالح الذكاء الاصطناعي، وهو واقع دفع الكاتب إميل تشانتشار للتعبير عن حزنه لسباق الصحفيين المستحيل مع الآلات.
أزمة ثقةوعلى صعيد العلاقة بين المحررين والمستقلين، أضاف الذكاء الاصطناعي أعباء وتسبب في فجوة ثقة واضحة في بيئة العمل.
وأكدت الصحفيتان صوفي مانغادو وإليسا جيستري أن استخدام التقنية في البحث يتطلب "تحققا مزدوجا" لاكتشاف "هلوسات" الآلة، مما يستنزف الوقت المطلوب توفيره أصلا.
وللتغلب على أزمة الشك، ابتكر الصحفي كريس ساتكليف حيلة بمنح المحررين صلاحية الدخول لسجل تعديلات مسوداته على "Google Docs"، ليكون ذلك دليلا قاطعا على كتابته للمادة بنفسه.
وتأتي هذه الحيل بعد صدمة حقيقية عاشها المحرر الكندي نيكولاس هيون براون، الذي وقع ضحية لصحفية وهمية، مما دفعه للتوقف عن استقبال عروض الأفكار المفتوحة.
وأمام هذا المشهد المعقد، لخص المحرر الأرجنتيني إريك فرنانديز الموقف بتأكيده المطلق على أنه من غير المقبول ألا يكون هناك عنصر بشري وراء أي عمل صحفي لضمان مصداقيته.
في المحصلة، يبدو أن الذكاء الاصطناعي لن يمحو مهنة الصحافة الحرة، بل يعيد تشكيلها من جذورها، بين من يطوع هذه التقنية لتعزيز إنتاجيته، ومن يصارع للحفاظ على قيمته في سوق تكتسحه الآلات.
ويبقى التحدي الأكبر أمام غرف الأخبار متمثلا في إيجاد صيغة توازن تضمن الاستفادة من سرعة التكنولوجيا دون التنازل عن جوهر الصحافة الأساسي المتمثل في المصداقية، والتحقق، واللمسة البشرية التي لا يمكن استنساخها.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الذکاء الاصطناعی
إقرأ أيضاً:
وضع مبادئ توجيهية للذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية
نجح طبيب طوارئ من جامعة فرجينيا الصحية وزميلته من جامعة كليمسون في كارولاينا الجنوبية في الولايات المتحدة في تطوير إطار عمل لمساعدة المستشفيات على دمج الذكاء الاصطناعي، ليس فقط لزيادة الكفاءة وخفض التكاليف، بل لضمان بقاء جودة رعاية المرضى.
ونظرًا للإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي في إحداث نقلة نوعية في الرعاية الصحية خلال السنوات القادمة، ابتكر الدكتور آر. أندرو تايلور، من جامعة فرجينيا، والدكتورة أروين ب. ل. ديكلان، من جامعة كليمسون، هذا الإطار الجديد لضمان بقاء الرعاية الصحية "متجذرة في التزاماتها الأخلاقية" تجاه المرضى والمجتمعات والقوى العاملة المحلية، كما ذكرا في ورقة بحثية جديدة تشرح تفاصيل ابتكارهما.
يأتي إطار عمل "القيمة الشاملة للمهمة" في وقت تواجه فيه المستشفيات ضغوطًا متزايدة لتبني الذكاء الاصطناعي بسرعة، غالبًا مع قلة الإرشادات العملية حول كيفية تقييم قيمة الأداة بما يتجاوز سعرها.
وقد نشر تايلور وديكلان إطار عملهما في مجلة npj Digital Medicine.
هرم قائم على الرعاية
يضع هذا الإطار رعاية المرضى وتجربتهم في قمة هرم مبنيٍّ على أسس أخلاقية ومدعوم بقاعدة من الاستدامة الاقتصادية. ويؤكد على ضرورة أن يدعم الذكاء الاصطناعي مقدمي الرعاية في مهمتهم، لا أن يحل محلهم أو أن يزيد من أعبائهم.
يقول تايلور، نائب رئيس قسم البحث والابتكار في قسم طب الطوارئ بكلية الطب في جامعة فرجينيا "يُعتمد الذكاء الاصطناعي في الطب بنطاق وسرعة لم نشهدهما من قبل، لكن المستشفيات لم تكن تملك آلية فعّالة لتقييم هذه القرارات بشكل شامل".
يضيف "تميل المناهج التقليدية إلى قياس التكلفة، لأنها أسهل ما يُقاس. لقد صممنا هذا الإطار لنمنح المؤسسات طريقة منظمة لتقييم ما تقدمه أدوات الذكاء الاصطناعي للمرضى والموظفين وجودة الرعاية".
اقرأ أيضا... تعلم الآلة يساعد في تشخيص خطر الإصابة بالربو
أولويات تقييم الذكاء الاصطناعي
يُشير تايلور وديكلان في بحثهما إلى أن "أدوات الذكاء الاصطناعي يُمكن أن تُحسّن سرعة الرعاية ودقة التشخيص وكفاءة التكلفة، مع دعم صحة السكان والبحث العلمي والإدارة التشغيلية. مع ذلك، فإن تلك الأدوات تُضيف أيضًا مخاطر التحيز، والغموض، ونزوح القوى العاملة، وتآكل العلاقة بين المريض والطبيب، وهي مخاطر لا تظهر في التحليلات التي تركز على التكلفة".
يؤكد تايلور وديكلان أن المستشفيات كانت تفتقر إلى منهجية منظمة لتقييم هذه الخيارات بشكل شامل. وقد صُمم إطار عملهما لسد هذه الفجوة، من خلال دمج خمس أولويات "مبنية على أسس أخلاقية" هي: رعاية المرضى، وخبرة الموظفين، وعمليات المستشفى، والأثر الاقتصادي، والتعليم والبحث.
تؤكد رعاية المرضى، التي يضعها المؤلفان في صدارة إطار العمل، على أهمية الرعاية "المتمحورة حول المريض" وسمات مثل النزاهة، والأمانة، والثقة، والتعاطف، والاحترام. أما فئة خبرة الموظفين، فتدعو المستشفيات إلى استخدام الذكاء الاصطناعي لدفع عجلة تطوير القوى العاملة، والعمل الجماعي، والتعاون بين مختلف التخصصات.
تؤكد ديكلان أن تحقيق الإمكانات الكاملة للذكاء الاصطناعي يتطلب مقاومة الرغبة في تقييمه بشكل ضيق. وتضيف "تشهد المستشفيات اليوم انتشارا واسعا لأدوات الذكاء الاصطناعي الجديدة التي تُسوَّق لتحسين الرعاية الصحية. ويكمن التحدي في تحديد أيٍّ منها سيحقق هذا التحسين فعلا".
وتمضي قائلة "يتطلب ذلك تقييم تأثير أدوات الذكاء الاصطناعي على المستويات السريرية والتشغيلية والمالية، مع إبقاء رعاية المرضى محور كل قرار".
في نهاية المطاف، من الضروري أن تتذكر المستشفيات أن رعاية المرضى هي "مهمتها الأساسية والمحورية"، كما كتب دكلان وتايلور.
وقال تايلور "نأمل أن يُسهم إبقاء هذه المهمة في صميم اهتمامنا في تسريع تبني الذكاء الاصطناعي الفعال بدلاً من إبطائه، لأنه يبني الثقة التي يحتاجها المرضى والأطباء. ينبغي أن تساعدنا التكنولوجيا في تقديم رعاية أفضل للناس. وإذا ما حافظنا على هذا الهدف، فإن الكفاءة والوفورات ستتحققان تلقائيًا".
مصطفى أوفى (أبوظبي)