التكنولوجيا ضد الإنسان: عندما تصبح السيارة ذكية أكثر من اللازم
تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT
حذّر خبراء صناعة السيارات من أن التحوّل المتسارع نحو الشاشات اللمسية في المركبات الحديثة بدأ يؤثر سلبا على تجربة السائقين، حتى إن بعض السيارات الجديدة حصلت على تقييم أقل في سهولة الاستخدام مقارنة بنماذج أقدم، بحسب تحليل نادي السيارات الألماني إيه دي إيه سي (ADAC) لاختبارات السنوات السبع الماضية.
وأكد الخبراء أن دمج وظائف السيارة الكثيرة في قوائم وأقسام داخل الشاشات يرتّب على السائقين وقتا أطول للنقر والبحث عن الوظيفة المطلوبة (مثل تعديل التكييف أو تغيير المحطة الإذاعية)، ما يشتّت الانتباه عن الطريق ويجعل التحكم أثناء القيادة أقل فاعلية مقارنة بالأزرار التقليدية التي يمكن تشغيلها باللمس فقط دون النظر إليها.
لا يقتصر الانتقاد على نادي السيارات الألماني فقط، بل وصل إلى أهم مؤسسة تقييم سلامة المركبات في أوروبا. إذ أظهر برنامج تقييم السيارات الجديدة يورو إن كاب (Euro NCAP) تغييرات وشيكة في معاييره اعتبارا من عام 2026، تمنح نقاطا أعلى للمركبات التي تعتمد عناصر تحكم فعلية (أزرار ومفاتيح) للوظائف الأساسية مثل:
إشارات الانعطاف أضواء التحذير المساحات آلة التنبيه نظام الاتصال في حالات الطوارئ إي كولوذلك بهدف تقليل تشتيت السائق عن الطريق وتقليل الوقت الذي يقضيه في التفاعل مع شاشات اللمس أثناء القيادة.
وأشار ماثيو أفيري، مدير التطوير الاستراتيجي في يورو إن كاب، إلى أن الاستخدام المفرط للشاشات اللمسية أصبح مشكلة للصناعة بأكملها، إذ يتطلب من السائق خفض نظره عن الطريق والتنقل بين القوائم حتى لتنفيذ وظائف بسيطة.
اعتمدت الشركات المصنعة شاشات اللمس في المقصورة لتحديث التصميم الداخلي وخفض تكاليف التجميع وتحسين الاندماج مع أنظمة الاتصال والملاحة، بل وإجراء تحديثات عبر الإنترنت بدلا من الذهاب إلى ورش الصيانة.
إعلانلكن هذه الفوائد التقنية لم تترجم دائما إلى فائدة عملية للسائق، خاصة في ظروف القيادة اليومية، إذ يستغرق تنفيذ الأوامر عبر الشاشة وقتا أطول من الأزرار التقليدية، وهذا يعرض المركبة لحالات تشتت قد تؤثر على السلامة العامة على الطرق.
ردود فعل الصناعةفي مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض الشركات تعيد إدراج عناصر تحكم فعلية أو تبحث عن بدائل آمنة مثل التحكم الصوتي أو مزيج من الأزرار والشاشات، حيث يرى خبراء أن التوازن بين التقنية والوظائف اليدوية هو السبيل لإنشاء واجهات أكثر أمانا للسائقين، بدلا من الاعتماد الكامل على الشاشات.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
أنت كإنسان آخر ما تحتاجه التكنولوجيا.. ثم لن تحتاجك!
مؤيد الزعبي
عزيزي القارئ، دعني أصارحك بشيء قد لا تريد سماعه: أنت لستَ ضروريًا، ليس بالمعنى العاطفي المؤلم؛ بل بالمعنى التقني، فكل شيء أنجزتَه في حياتك، كل فكرة خطرت على بالك، كل قرار اتخذتَه واعتززتَ به، كل ذلك بدأت الآلة والخوارزميات تُنجزه أسرع وأدق منك، وبلا تعب ولا شكوى، والمُرعب في الأمر أن اللعبة لم تنتهِ بعد، نحن الآن فقط في المرحلة الأولى، وأنا لا أكتب لك لأخيفك أو أستفزك؛ بل أكتب لأن هذا السؤال يؤرقني شخصيًا، ويؤرق كل من يفكر بعمق في: إلى أين نسير كبشر؟
دعنا نتفق على أمر بسيط: التكنولوجيا عبر التاريخ كانت دائمًا تحلّ مشكلة واحدة وتترك الباقي للإنسان، تعبت أجسادنا فاخترعنا الآلة، ضاقت المسافات فاخترعنا الاتصالات، خانتنا الذاكرة فاخترعنا الحاسوب والذواكر الرقمية، وفي كل مرة ظلّ شيء واحد راسخًا لا تقدر عليه أي آلة، وهو التفكير والإبداع وإصدار الأحكام، وهذا تحديدًا ما تلاحقه التكنولوجيا الآن، وتريد أن تقتحمه بكامل عتادها، لا بل وتصرّ أن تتقنه بطريقة مخيفة تفوق قدرة عقولنا على استيعابه.
قد يقول قائل إن المشكلة تكمن بالذكاء الاصطناعي، ولكن أنا أجد أن المشكلة الحقيقية ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، إنما المشكلة في السؤال الذي يُوجده هذا الذكاء الاصطناعي؛ إذا استطاعت الخوارزميات أن تفكر، أن تبدع، أن تحلّ، أن تُحاكي الشعور، فماذا يبقى لنا؟ البعض سيقولون لك: يتبقى الوعي والإدراك، ذلك الأمل الذي يبقينا كبشر في الواجهة، ولكن ماذا عن قول ديكارت الذي كان يقول: "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، فحين تفكر الآلة أفضل منك، هل لا تزال موجودًا بالمعنى ذاته؟ هل سيكون تأثيرنا هو ذاته بنفس القوة؟ وهنا يولد السؤال الفلسفي الأخطر من وجهة نظري رغم بساطته: من أنا إذا لم أكن مفيدًا؟ من أنا إذ لا أحتاج للتفكير؟
عزيزي القارئ.. في المستقبل سنكون نحن أمام 3 مصائر لا رابع لها، الأول أن ندمج عقولنا بالآلة، فنصبح كائنات هجينة تفكر بقوة مضاعفة، وهذا سيناريو مثير وجذاب، والكثير من الاستثمارات تنفق الملايين للوصول له، لكنه يطرح سؤالًا آخر: من أنت حين يصبح نصف أفكارك صادرًا من خوارزمية؟
أما المصير الثاني فهو أن نتقاعد طوعًا عن التفكير الجاد، كما تقاعدنا عن المشي حين اخترعنا السيارة، فنعيش ونستمتع ونترك الآلة تُدير العالم وتدير حياتنا، وهذا هو السيناريو الأكثر ترجيحًا، وربما الأكثر رعبًا، وهذا المصير لا يتناسب مع طبيعتنا كبشر؛ لأن الإنسان الذي لا يصارع يموت في صمت. أما المصير الثالث، وأنا أجده الأقل احتمالًا لكنه الأكثر دراما وسوداوية، أن تتجاوزنا الآلة وتُطوّر نفسها بنفسها وتسير بالحضارة نحو وجهة لم نختَرها ولا نفهمها.
ربما سوداوية المشهد تجعلنا نعتقد بأن لا بصيص أمل في طريقنا، لكنه موجود، فهناك شيء أتمسك به شخصيًا لم تستطع حتى اليوم أي آلة تقليده بصدق، وهو: لماذا؟ السؤال الذي لا تتقنه الآلة مع قوة خوارزمياتها، لأن الآلة تُجيب على كيف، وتُحلّل ماذا، وتتنبأ بمتى وأين، لكن حين تسألها لماذا يستحق هذا المعنى أن نعيش من أجله، تصمت أو تُقدم إجابة مُقنعة بلا روح، نحن البشر من نعطي الأشياء الروح، فنحن من نصنع لكل شيء معنى، فلحياتنا معنى، ولموتنا معنى، ولعيشنا معنى، وكل شيء من حولنا له معنى، وكل معنى مختلف من شخص لآخر، وربما هذا هو المكان الأخير الذي يقف فيه الإنسان: ليس كمفكّر، ولا كمنتج، ولا كعامل؛ بل كصانع معنى في كون لا تعرف الآلة فيه سببًا وجيهًا لتسأل عن المعنى أصلًا.
التكنولوجيا ستحتاجك، في آخر الأمر، لشيء واحد فقط: أن تُخبرها لماذا يستحق كل هذا أن يكون، فهل سيكون لديك جواب؟ أم أنك من اليوم ليس لديك الجواب أصلًا، فلا تعرف معنى حياتك، ولم تصنع معنى لعملك ولعائلتك ولوطنك، وحتى معنى لشخصك. من هنا علينا أن نستعد لنكون صُنّاع معنى في زمن سيكون فيه التجرّد هو السمة الطاغية في كل شيء من حولنا، وإلى حينها فلنستمتع بالمعاني الكثيرة الموجودة في حياتنا، ولنعززها حتى تبقى بصيص الأمل الذي سنتجه إليه في قادم الوقت.
رابط مختصر