19 فبراير، 2026
بغداد/المسلة:
محمد النصراوي
ظل الاقتصاد العراقي على مدى عقود أسيراً لسطوة “برميل النفط”، حيث ارتهنت السياسات المالية للدولة لتقلبات أسعار النفط العالمية في مشهد يفتقر إلى أدنى مقومات الاستشراف الاستراتيجي، هذا التحقيق يتتبع خيوط الأزمة التي لم تكن وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمي لسياسات حكومات متعاقبة أدمنت الحلول السهلة وأهملت بناء قاعدة إنتاجية حقيقية، حتى وصل الحال اليوم إلى جعل جيب المواطن هو الخزان البديل لتعويض العجز المالي، إن الأرقام الصادمة تشير إلى أن النفط لا يزال يهيمن على نحو ٩٠٪ من إيرادات الموازنة العامة، مما يعني أن الدولة العراقية، بكل ثقلها التاريخي والبشري، لا تزال تعمل بعقلية “محطة الوقود العالمية”، دون أن تنجح في تحويل هذه الوفرة المالية إلى تنمية مستدامة تحمي المجتمع من الهزات النقدية.
تبدأ القصة من الفشل الذريع في تنويع مصادر الدخل، حيث يرى خبراء اقتصاديون أن الاعتماد المفرط على الريع النفطي جعل الاقتصاد العراقي عرضة لتآكل القدرة التنافسية للقطاعات الأخرى مثل الزراعة والصناعة أمام سيل المستوردات، هذا الإهمال المتعمد للمصانع والقطاعات الإنتاجية جعل الدولة في مواجهة مباشرة مع الأزمات عند أي انخفاض في أسعار الخام، وعندما ضاقت الخيارات، لم تجد السلطات النقدية والمالية حلاً سوى اللجوء إلى “الجراحة المؤلمة” عبر رفع قيمة الدولار مقابل الدينار في أواخر عام ٢٠٢٠ (من ١١٨٢ إلى ١٤٥٠ ثم التعديلات اللاحقة)، وهو قرار كان يهدف ظاهرياً إلى سد فجوة العجز، لكنه واقعياً أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين بنسبة تجاوزت ٢٠٪، مما دفع بمئات الآلاف إلى ما دون خط الفقر الذي تبلغ نسبته حالياً نحو ١٧٪ وفق تقارير وزارة التخطيط.
لم يتوقف الأمر عند العملة، بل امتد ليشمل ملف الجمارك والضرائب، وهنا نجد أن الحكومة الحالية وقعت في فخ “التطبيق دون التمهيد”، فبالرغم من أن التوجه نحو رقمنة الإيرادات عبر نظام “أسيكودا” (ASYCUDA) العالمي هو خطوة صحيحة من الناحية النظرية لضبط المنافذ الحدودية، إلا أن التقصير الحكومي الفادح تجلى في غياب خطة ما بعد التطبيق، إن تطبيق نظام تقني معقد في بيئة تعاني من فساد إداري متجذر وغياب للأتمتة الشاملة، دون توفير بدائل أو تسهيلات للتجار والمستوردين، ودون تشاور معهم لمعرفة مشكلاتهم، أدى إلى قفزات غير مدروسة في الأسعار، أثارت موجات من المظاهرات والتحشيد الإعلامي ضد القرار، المشكلة هنا ليست في النظام الرقمي بحد ذاته، بل في العقلية الجبائية التي رأت في هذا النظام وسيلة سريعة لجمع الأموال من المستهلكين، بدلاً من أن يكون جزءاً من رؤية اقتصادية شاملة تحمي السوق المحلي وتوفر الحماية للطبقات الهشة.
إن التحليل المعمق لمسار الموارد غير النفطية يكشف عن فجوة هائلة؛ فبينما يُقدر حجم الاستيرادات السنوية بعشرات المليارات من الدولارات، لا تزال الإيرادات الجمركية والضريبية الفعلية التي تدخل خزينة الدولة لا تتناسب مع هذا الحجم، بسبب التهريب والتهرب الضريبي والوساطات السياسية، ويشير تقرير لمنظمة الشفافية الدولية إلى أن العراق يفقد مليارات الدولارات سنوياً في المنافذ الحدودية، وهي أموال كان يمكن أن تُغني الدولة عن المساس بلقمة عيش المواطن لو تم ضبطها بجدية؛ إن الحكومات، بدلاً من أن تضرب بيد من حديد على رؤوس حيتان الفساد في المنافذ، فضلت الطريق الأقصر عبر فرض نظام يؤدي في نهاية المطاف الى رسوم إضافية يتحملها المواطن البسيط عند شرائه السلع الأساسية.
وهنا تبرز الحاجة الملحة لتغيير العقيدة الاقتصادية للدولة؛ فتعظيم الموارد لا يبدأ من الجباية، بل من الاستثمار في الإنتاج، إن على الحكومة أن تدرك أن الاستثمار الحقيقي ليس في بيع الأراضي أو منح رخص الاستيراد، بل في جذب الشركات العالمية الرصينة وتسهيل دخولها للسوق الصناعي العراقي، إن بناء المصانع والمعامل وتقديم التسهيلات الائتمانية والضريبية لهذه الشركات هو الذي سيخلق قاعدة ضريبية مستدامة على المدى الطويل، ويوفر فرص عمل لآلاف الخريجين، ويقلل الضغط على الطلب على العملة الصعبة لاستيراد السلع الاستهلاكية، إن الاكتفاء بكون الدولة بيت توظيف كبير يوزع الرواتب النفطية هو انتحار اقتصادي بطيء.
الطريق الصحيح لتعظيم الإيرادات يتطلب شجاعة سياسية في تنفيذ الثورة الإدارية؛ أولاً، يجب إكمال نظام “أسيكودا” وربطه بشبكة مصرفية رقمية شاملة تمنع التلاعب البشري تماماً، مع ضرورة وجود مصدات اقتصادية تحمي الأسعار من القفزات المفاجئة خلال فترة الانتقال. ثانياً، يجب تفعيل القطاع الخاص عبر شراكات حقيقية تخرج الدولة من دور الإدارة المباشرة للمصانع المعطلة التي باتت عبئاً على الموازنة. ثالثاً، لا بد من إصلاح النظام الضريبي ليكون تصاعدياً يستهدف الأرباح الكبرى والشركات العملاقة، وليس الاستهلاك اليومي للفرد.
إن إستمرار الرهان على جيب المواطن لتمويل فشل التخطيط الحكومي هو سياسة قصيرة النظر ستؤدي حتماً إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي، فالمواطن العراقي الذي تحمل تبعات الحروب والحصار وتغيير أسعار الصرف، لم يعد قادراً على تحمل المزيد من اجتهادات مالية تفتقر للبعد الإنساني، على الحكومة الحالية، والحكومات التي ستليها، أن تفهم أن الاقتصاد القوي يُبنى في المعامل والحقول ومراكز التكنولوجيا، لا في دهاليز الجباية والمكوس، إن العراق يمتلك كافة المقومات ليكون قوة اقتصادية إقليمية، وما ينقصه فقط هو الإرادة التنموية التي تتجاوز حدود البرميل، وتنظر إلى الإنسان بوصفه غاية للتنمية وليس وسيلة لتمويل العجز، إذا لم يحدث هذا التحول الآن، فإننا سنظل ندور في حلقة مفرغة، ننتظر فيها رحمة أسعار النفط، بينما تآكل الأزمات ما تبقى من مدخرات وصبر العراقيين.
المسلة – متابعة – وكالات
النص الذي يتضمن اسم الكاتب او الجهة او الوكالة، لايعبّر بالضرورة عن وجهة نظر المسلة، والمصدر هو المسؤول عن المحتوى. ومسؤولية المسلة هو في نقل الأخبار بحيادية، والدفاع عن حرية الرأي بأعلى مستوياتها.
About Post AuthorSee author's posts
المصدر
المصدر: المسلة
إقرأ أيضاً:
اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.
ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».
كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.
كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.
في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.
إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.
هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.
لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.
عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟
في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.
وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.
وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.
بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟
ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.
كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.
هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.