ربما حين يهل هلال رمضان، أو يهل هلال شوال يكون المسلمون أكثر إدراكا للتباين الذي وصلوا إليه، إذ أن الشهور ومنازلها وأبراجها خاضعة لقانون فيزيائي وقواعد وحسابات فلكية أدركها الإنسان منذ وقت مبكر وتعامل معها بشكل جوهري في مختلف حقب التاريخ، والإنسان اليوم أكثر علما وأكثر سيطرة وفهما لقوانين الكون والفلك إلى درجة أنه أصبح يستطيع حساب الزمن الذي سوف يخسف فيها القمر أو تكسف فيه الشمس، فالموضوع أصبح علميا ولم يعد خاضعا لمزاج أتباع هذا المذهب أو ذاك، فما سر هذا الخلاف العميق بين المسلمين؟ ولماذا تصر بعض الفرق والطوائف والجماعات على التمايز؟ في غالب الظن هناك خلل بنيوي في المساق الثقافي وأنساقه وهذا أمر يتضح من خلال تعطيل القيم العقلية العلمية لصالح القيم النقلية، ورسوخ التصورات الذهنية ،فكل فريق أو مذهب يرى الآخر على ضلال وهو وحده على الهدى الواضح والبين إلى درجة أن ترى من ينهى عبدا من عباد الله وهو قائم يصلي لمجرد قيامه بنافلة هي موضوع خلاف بين المذاهب، أو قيامه بالتقيد بسلوك معين في النظافة الشخصية، فالسلفية مثلا ترى الزيدية فرقة ضالة مضلة لأنها تقول بالاستنجاء، والاستنجاء زيادة في الطهارة لا يفسد من أمر الدين شيئا، فمن أين جاء الضلال ؟ جاء كضلال للصراع السياسي والاجتماعي والتاريخي بين نجد واليمن الطبيعي والتاريخي، وهو صراع عميق تتحدث عنه كتب الأخبار والتاريخ، وهو ممتد إلى زمننا المعاصر، ولذلك مازالت نجد تنظر إلى القبائل الجنوبية سواء تلك التي تحت راية آل سعود أو راية اليمن كقبائل على غير الملة السمحاء، ولذلك حرص أرباب المذهب الوهابي على غزو اليمن بحجة تطهيره من الشرك والضلال، وكانت لهم صولات وجولات في اليمن سواء فكرية أو عسكرية، ووصلت طلائع جيشهم إلى الحديدة في بداية التأسيس للدولة السعودية، ثم تراجعوا وابقوا على المخلاف السليماني بموجب اتفاق تم في الطائف عام 1934م .
اليوم سكان المخلاف السليماني من عسير ونجران وجيزان غير متناغمين مع السلطة الثقافية الدينية النجدية، بل هناك فتاوى نجدية سلفية تمنع الاندماج الاجتماعي بين القبائل ذات الأصول اليمنية والقاطنة في جنوب المملكة من الأراضي التي ضمتها دولة آل سعود إليها وفق بنود اتفاقية الطائف التي أشرنا إليها آنفا، ولذلك من يتابع حركة السوشيال ميديا يدرك أن الهوية التاريخية والثقافية والحضارية في جنوب المملكة تقاوم حركة التهجين الثقافي، وهو صراع ثقافي يحضر فيه العامل التاريخي والحضاري، فالهجنة الثقافية فشلت إلى حد ما في جنوب المملكة، ولم تستطع السلفية تغيير السمة الثقافية في نجران ولا في غيرها .
وهذا السياق يتنوع ويختلف من جغرافيا إلى أخرى، وقد ضربنا بالصراع الثقافي بين السلفية والزيدية كمثال دال على العموم، فالاختلاف ليس ظاهرة سلبية في عمومه، بل ظاهرة مهمة في الحياة وهو نوع من التدافع الذي يمنع الفساد في الأرض، لكن في قضايا كبرى مثل دفع الظلم مثلا وتحقيق العدل، شيوع الخيرية، دفع الحقوق ،النقاش العقلي حول الكليات الست أو الأصول الست من مهام الدولة، وحل القضايا الاجتماعية الشائكة أو المعقدة للمجتمعات، أما الاختلاف حول رؤية هلال الشهور من عدمه وهو خلاف العلم حسمه لصالحه ولم يدع مجالا للناس فيه حتى يختلفوا، ففي ظني نحن بحاجة إلى مراجعة عميقة للحركة البنيوية الثقافية العربية والإسلامية حتى يستقيم حالها من هذا الاعوجاج الذي ترك واقعا منقسما وغير متناغم، ومجتمعا متناحرا غير متصالح مع نفسه ولا مع قيم العصر .
في غابر الزمن انقسم المسلمون إلى أشعرية ومعتزلة، وكان بين الاتجاهين صراع فكري قائم على الحجج العقلية والنقلية، ثم اتسع النطاق، وتداخلت الثقافات والحضارات، وخاضوا صراعا وجوديا مع بعضهم بعضا، وتدافع الناس بالخير وبالشر، وكل فريق يجادل بما يراه عين الصواب، فتعددت الفرق والملل والنحل إلى درجة لم يستوعبها عقل وقد ألف أبو الفتوح الشهرستاني كتابا ضخما في الملل والنحل تتبع فيه الثقافات والمعتقدات ثم ألف الإمام أحمد بن يحيى المرتضى كتابا في ذات الموضوع، وفي العصر الحديث هناك موسوعة عن الفرق والمذاهب والمعتقدات وهي دائرة يتسع نطاقها وقطرها مع امتداد الزمن، لكن غالب تلك الفرق والطوائف تعمق الخلاف في البنية العقائدية ويكاد بعضها يفسد العقيدة السمحة، ولها طقوس يكاد عند بعض الفرق والطوائف يخرج عن منطق الدين، وعن منطق الأشياء وقوانين الطبيعة نفسها، لكننا لم نجد يوما سلفيا مثلا يتناول تلك الفرق والطوائف ويقول بضلالها كما قال بضلال الزيدية في موضوع الاستنجاء، ولم نجد نقاشا حول أفكار الطوائف ومعتقداتها كما نجد هذه الأيام النفاش حول تحريم الخمر ومنافعه أو اجتنابه.
الموضوع كما سلف معنا القول هو اختلال بنيوي في المساقات والانساق الثقافية العربية والإسلامية، وإلا فهناك قضايا لا يمكن الحديث عن خلاف حولها لأنها محسومة علميا مثل الحسابات الفلكية ودخول الشهر وخروجه وخاصة الشهور التي ترتبط بالعبادات والطقوس الدينية، وهناك قضايا غايتها هدم التطبيقات الاجتماعية والعقائدية وأحداث انحراف في مساراتها وهي قديمة قدم الصراع بين اليهودية والإسلام إلى اليوم لا نجد من المسلمين من يناقشها أو يكفر أربابها، كما هم في أشد الحرص على تكفير بعضهم في قضايا سلوكية غالبها محمود كالطهارة مثلا .
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
الأمم المتحدة تحذر من ظاهرة الـ نينيو الوشيكة
أعلنت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية الثلاثاء أنّ احتمال حدوث ظاهرة إل نينيو بين يونيو وأغسطس يصل إلى 80%، مما قد يفاقم خطر الظواهر المناخية المتطرفة في الفترة المقبلة.
وبحسب آخر تقرير للمنظمة التابعة للأمم المتحدة، يهيئ الارتفاع الاستثنائي لدرجات حرارة مياه المحيط الهادئ الظروف الملائمة لتشكل ظاهرة إل نينيو التي "يُتوقَّع أن تؤثر على أنماط درجات الحرارة وهطول الأمطار على مستوى العالم".
وأشارت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى احتمال حدوث ظاهرة إل نينيو بين يونيو وأغسطس 2026 بنسبة 80%.
وأضافت المنظمة أن احتمال استمرار هذه الظاهرة أقله حتى نوفمبر، يقارب أو يتجاوز 90%، متوقعةً ظاهرة متوسطة الشدة إن لم تكن قوية.
وظاهرة ال نينيو، ومرحلتها المعاكسة "لا نينا" هما اسمان يطلقان على تغير طبيعي في المناخ، يؤدي إلى تغير ملحوظ في درجة حرارة مياه المحيط الهادىء الاستوائي، وتغيّر في الدورة الجوية العالمية، ويمكن أن يتسبب في بعض الأحداث المتطرفة في عدد كبير من المناطق، بحسب هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية.
بين أواخر أبريل ومنتصف مايو، اقتربت درجات حرارة سطح البحر في الجزء الأوسط الشرقي من المحيط الهادئ الاستوائي من العتبات التي تميّز هذه الظاهرة، وهو ارتفاع مدفوع بدرجات حرارة "مرتفعة بشكل استثنائي"، تتجاوز المعدلات الموسمية بأكثر من 6 درجات مئوية، بحسب المنظمة العالمية للأرصاد الجوية.
وتزامناً، تتوافق قيم مؤشر التذبذب جنوب المحيط الهادئ الذي يمثل المكوّن الجوي لظاهرة ال نينيو، مع تهيؤ الظروف لظهور هذه الظاهرة، بحسب المنظمة.
وقالت الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، سيليستي ساولو في بيان "علينا أن نستعد لمرحلة من ظاهرة ال نينيو قد تكون قوية، ستفاقم الجفاف والأمطار الغزيرة، وتزيد من خطر موجات الحر سواء فوق اليابسة أو في المحيطات".
وأكدت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن موجة من ظاهرة ال نينيو ذات شدة معتدلة تزيد من احتمال حصول بعض الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة.
وتتميز ظاهرة إل نينيو بارتفاع درجات حرارة سطح المياه في وسط المحيط الهادئ الاستوائي وشرقه. وتحدث عادة كل سنتين إلى سبع سنوات، وتستمر من تسعة إلى اثني عشر شهرا.
وجعلت ظاهرة ال نينيو الأخيرة في 2023 و2024 هذين العامين الأكثر حرارة على الإطلاق. وتؤثر هذه الظاهرة الدورية بشكل متسلسل على المناخ العالمي لعدة أشهر.
"حالة طوارئ مناخية"
تتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، خلال الفترة من يونيو إلى أغسطس، مجموعة من الظروف التي تُرجّح ارتفاع درجات الحرارة "فوق المعدل الطبيعي في معظم مناطق العالم"، مع ازدياد خطر الإجهاد الحراري، والجفاف في بعض المناطق، وظواهر مناخية متطرفة كالفيضانات أو الجفاف الشديد.
واشارت المنظمة إلى أن مراكز التنبؤات الإقليمية تتوقع هطول أمطار "أقل من المعدل الطبيعي" خلال موسم الأمطار الممتد من يونيو إلى سبتمبر في القرن الإفريقي، وأمطارا موسمية أقل غزارة من المعدل في جنوب آسيا، وظروفا أكثر حرارة وجفافا في أميركا الوسطى خلال فصل الصيف.
وأضافت المنظمة أن المياه الدافئة المصاحبة لظاهرة ال نينيو خلال فصل الصيف في نصف الكرة الشمالي قد تُسهم في تكوّن الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه، بينما تحدّ من تطورها في المحيط الأطلسي.
وحذّر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في بيان مصور قائلا "يجب أن نُدرك جميعا خطورة حالة الطوارئ المناخية التي يُمثلها هذا الوضع".
وتابع "ستُفاقم ظروف ال نينيو من حدة الاحتباس الحراري الذي يشهده كوكبنا. وستكون الآثار أشدّ وأوسع نطاقا، وستتجاوز الحدود بسرعة مُدمّرة".
وأشارت الأمينة العامة للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن ظاهرة ال نينيو سترتب "آثارا مُتتالية"، مع تداعيات مُحتملة على التجارة العالمية.
ولفتت أمام صحافيين في جنيف الثلاثاء إلى أن هذه التأثيرات ستطال "تقلبات المناخ والاقتصاد وأمن السكان"، مشددة على أن "هذه المعلومات بالغة الأهمية".
وتأمل المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تُسهم الإنذارات المبكرة في تحسين توجيه تدابير التأهب، لا سيما في القطاعات الحساسة تجاه المناخ مثل الزراعة وإدارة موارد المياه والطاقة والصحة.