يحبُّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استعراض القوة. لكنه لا يفعل ذلك، كما يبدو، حين يتعلق الأمر بالدولار. فعندما وُجِّه إليه سؤال يوم 27 يناير عن ضعف العملة الأمريكية مؤخرا قال "أداؤها ممتاز."
عقب تأكيده هذا صار أداء الدولار، بالمعنى الترامبي، أفضل حتى من ممتاز. فقد تراجع إلى أدنى مستوى له خلال أربعة أعوام تقريبا مقابل سلة من العملات الأخرى.
وعلى الرغم من إصرار سكوت بيسنت وزير الخزانة الأمريكي على أن أمريكا تتبنى "سياسة الدولار القوى" يعتقد ترامب كما يبدو أن الدولار الضعيف سيعزز الصادرات الأمريكية ويحدَّ من الواردات. وهو بذلك يقلل من العجز التجاري الذي يشكل أحد مصادر ضيقه منذ فترة طويلة. ويخشى بعض المستثمرين من أن موقف ترامب تجاه الدولار يعكس شيئا أكثر خطورة. أي ازدراءه لحلفاء أمريكا الأوروبيين وهجومه على استقلال بنك الاحتياطي الفيدرالي وتآكل المعايير المؤسسية الأخرى.
من جانبها، تعج منصات التداول بالحديث عن "تآكل قيمة العملة الورقية للدولار. وهذا تعبير فضفاض عن الرهان على تدهور الاستثنائية المالية التي تتمتع بها الولايات المتحدة (كونها امتياز بلد عملة الاحتياط العالمية- المترجم). وإذا كان المتداولون الذين يضاربون على ذلك غير مخطئين سيكون التخلص من الدولار بالكاد قد بدأ.
تصاعد سعر الذهب يشكل الدليل رقم واحد على التداول على أساس تآكل قيمة الدولار. فأونصة الذهب تكلف في أواخر يناير 5200 دولار. وهذا يزيد بأكثر من 22% عند بداية العام الحالي.
يرتفع سعر هذا المخزن العتيق للقيمة (أي الذهب) هذه الأيام ليس فقط بسبب الأخبار السيئة ولكن بسبب الأخبار الجيدة أيضا. فمنذ الكشف عن جدار الرسوم الجمركية العالمية الذي بناه ترامب في 2 أبريل الماضي هبط مؤشر "ستاندارد آند بورز" للشركات الأمريكية الكبرى بأكثر من 1% في 27 مناسبة. وفي المتوسط ارتفع سعر الذهب بنسبة 0.6% في اليوم خلال موجات بيع أسهم تلك الشركات. وفي فترة الأربعة وعشرين يوما التي قفز فيها مؤشر ستاندارد آند بورز بأكثر من 1% ارتفع سعر الذهب بنسبة 0.2%.
لكن إذا كان الذهب قد حكي حكاية واحدة فالأصول الأخرى لها حكاية أخرى. الأوراق المالية الأمريكية لا يتم التخلص منها على نحو دقيق. فحينما كان الدولار يضعف خلال فترة الأثني عشرة شهرا الماضية ارتفع مؤشر ستاندارد آند بورز بنسبة 15%. وفي 27 يناير بلغ هذا المؤشر ذروة أخرى. وكان العائد على سندات الخزانة لأجل 10 سنوات والذي يتحرك عكس أسعارها أقل مما كان عليه عند تنصيب ترامب رئيسا قبل ما يزيد قليلا عن عام.
السؤال: لماذا الأصول الأمريكية بهذه القوة على الرغم من الضعف الظاهر للدولار؟ أحد التفاسير لذلك أن الدولار في الواقع ليس بذلك الضعف المتصوّر.
فعلى الرغم من تراجع قيمته خلال فترة الأثني عشر شهرا الماضية في أواخر يناير كان سعر الصرف الحقيقي والذي يضع في حسابه التباينات في معدل التضخم بين البلدان أعلى بنسبة 13% من متوسطه خلال فترة الثلاثين عاما الماضية.
وباستخدام مؤشر "بغ ماك" الخاص بمجلة الإيكونومست والذي يرتكز على أسعار وجبات ماكدونالد حول العالم سنجد أن الدولار أعلى من قيمته الحقيقية مقابل 49 عملة من جملة 70 عملة.
هنالك تفسير آخر ينطوي على الكيفية التي يحمي بها المستثمرون الأجانب الذين أُتْخِموا بالأوراق المالية الأمريكية منذ الأزمة المالية 2007-2007 استثماراتِهم من مخاطر تقلب العملة.
أحد الأشكال الأساسية لمثل هذه الحماية مقايضة الصرف الأجنبي الفورية والآجلة. إنها أداة مالية مشتقَّة تتيح للمستثمر الذي يحتفظ بأصول أجنبية التحوط من مخاطر البيع واسع النطاق للعملة التي تُقوّم بها هذه الأصول. (مثلا بهذه الطريقة يمكن للمستثمر الأجنبي الحائز على أصول دولارية في الولايات المتحدة حماية قيمة الأصول وعوائدها من مخاطر تقلب العملة الأمريكية عند تحويلها الى عملة بلده -المترجم).
إذا تم شراء هذه الحماية عند شراء الورقة المالية في البداية لن يكون لها أثر على سعر الصرف. لكن لأسباب تتعلق بالحسابات المالية لن تكون تلك هي الحال إذا حدث التحوط من المخاطر على المحفظة الاستثمارية لاحقا فقط.
يشير بحث نشره في يونيو الماضي "بنك التسويات الدولية" وهو نادٍ للبنوك المركزية الى أن عددا كبيرا جدا من المستثمرين هرعوا للتحوط من مخاطر تعرضهم لمخاطر تقلب الدولار في أعقاب هجمة الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب في 2 أبريل من العام الماضي. في ذلك الوقت تهاوت الأصول الأمريكية وتهاوى معها الدولار. فضعف الدولار إذن ربما ليس انعكاسا " لبيع أمريكا" حسبما ذكر بعض المراقبين المنفعلين ولكن للتحوط من أمريكا. (عبارة بيع أمريكا التي شاعت مؤخرا يُقصَد بها بيع الأصول الأمريكية والدولار أو خروج رؤوس الأموال من الولايات المتحدة. وتقصد مجلة الإيكونومست بالتحوط من أمريكا حماية المستثمرين لأنفسهم من مخاطر تقلب قيمة الدولار- المترجم).
يعني كل من سعر الصرف الحقيقي وتصرفات التحوط ضمنا أن الدولار سيواصل الهبوط. وإذا لم تكن العملة الأمريكية ضعيفة بالمقاييس التاريخية يمكن بسهولة أن تصبح أضعف. ويمكن أن يجعلها التحوط (ضد تقلبها) كذلك، خصوصا إذا حصل ترامب على ما يرغب فيه وخفَّض بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعارَ الفائدة في الأجل القصير. وكان الاحتياطي قد أبقي عليها دون تغيير في 28 يناير. ذلك لأن سعر مقايضات الصرف الأجنبي يتحرك مع أسعار الفائدة قصيرة الأجل هذه. والتأمين (أي التحوط) الأرخص يعني أن المستثمرين الأجانب سيرغبون في الحصول عليه، خصوصا إذا استمرت قيمة الأصول الأمريكية في الارتفاع. لكن كلما زاد عدد المقايضات التي يشترونها كلما زادت الضغوط التي تدفع الدولار في اتجاه الهبوط.
إذا استمرت هذه الدورة التي تعزز نفسها بنفسها (التي يحركها كل من التحوط وضعف الدولار) لفترة طويلة بما يكفي قد يتحول "التحوّط" من أصول أمريكا الى "بيع" واسع لأصولها في نهاية المطاف. وإذا استمر ترامب في تقويض صدقية النظام المالي لأمريكا يمكن أن تحل تلك اللحظة في فترة أقرب.
في الأثناء على المضاربين على "تآكل قيمة الدولار" ربط الأحزمة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: الأصول الأمریکیة قیمة الدولار أن الدولار من مخاطر
إقرأ أيضاً:
منع نفط حضرموت يُعيق تحسن الكهرباء بعدن.. ودعوات للتظاهر بالمدينة
وجهت مكونات وناشطات نسوية بالعاصمة عدن دعوة للتظاهر، الخميس القادم، احتجاجاً على استمرار أزمة الكهرباء، رغم الإعلان السعودي الأخير عن تقديم دعم جديد لوقود الكهرباء.
ووجهت المكونات والناشطات النسوية دعوة، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للتظاهر ضد استمرار تدهور خدمة الكهرباء، عصر يوم الخميس القادم، الموافق 4 يونيو 2026، في "ساحة العروض" بمديرية خور مكسر.
وجاءت هذه الدعوة مع استمرار تدهور خدمة الكهرباء بالعاصمة عدن، التي تشهد ارتفاعاً في درجات الحرارة جراء دخول فصل الصيف. وفي المقابل، لا تزال الخدمة عند برنامج تشغيل لساعتين فقط، مقابل ثماني ساعات انطفاء.
ويأتي استمرار تدهور خدمة الكهرباء بالعاصمة عدن بالتزامن مع إعلان السفير السعودي في اليمن محمد آل جابر، الأربعاء الماضي، عن تقديم الرياض دعماً عاجلاً للحكومة اليمنية بالمشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار، لتغطية احتياجات تشغيل محطات الكهرباء من الديزل والمازوت بمختلف المحافظات اليمنية.
ويؤكد ناطق مؤسسة الكهرباء بالعاصمة عدن، نوار أبكر، أن هذا الدعم الجديد لن يُحدث فرقاً في الخدمة، بسبب حاجة المدينة إلى وقود النفط الخام لرفع حجم التوليد وخفض ساعات الانطفاء على السكان.
وقال أبكر، في رسالة وجهها إلى الجانب السعودي عبر حسابه على منصة "فيس بوك"، وشكر فيها تقديم الدعم الجديد لوقود الكهرباء، إن هذا الدعم لن يظهر أثره على المواطن في عدن والمحافظات المجاورة.
وأشار إلى أن جميع المحطات العاملة في عدن تعمل منذ تقديم الجانب السعودي الدعم السابق لوقود الكهرباء في شهر يناير الماضي، وعلق بالقول مخاطباً الأشقاء في السعودية: "لكن ما أثر التحسن؟! فأنتم على علم بساعات الانطفاء اليومية".
وأكد أن المواطن في عدن لن يلمس أي تحسن في الوقت الراهن إلا بدخول محطة الرئيس (بترومسيلة) بكامل قدرتها للخدمة، وليس بتشغيل جزئي لا يتعدى 100 ميجاوات فقط.
وأضاف ناطق الكهرباء بعدن أن ذلك لن يتم "ما لم يتم إقناع رجل حضرموت بضرورة رفع كميات النفط الخام وتشغيل محطة الرئيس بكامل قدرتها"، في إشارة إلى موقف عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي من تزويد المحطة بوقود النفط الخام المنتج بالمحافظة.
وبحسب مصادر عاملة في مؤسسة الكهرباء بالعاصمة عدن، تعمل محطة الرئيس (بترومسيلة) بشكل جزئي لا يتعدى 100 ميجاوات فقط، حيث يتم تزويدها بنحو 4 آلاف برميل نفط يومياً من محافظات حضرموت وشبوة ومأرب.
وأضافت المصادر أن المحطة تحتاج إلى رفع الكمية بنحو 6 آلاف برميل نفط يومياً من الكميات المخزنة في منشأة الضبة بحضرموت، التي تحتوي على نحو 3 ملايين برميل نفط مخزنة منذ توقف التصدير عقب هجمات مليشيا الحوثي أواخر عام 2022.
وأكدت أن تشغيل المحطة بقدرتها الكاملة البالغة 260 ميجاوات سيعمل على تحسين خدمة الكهرباء في العاصمة عدن، عبر خفض ساعات الانطفاء مساءً إلى النصف، من 8 ساعات حالياً إلى 4 ساعات.
إلا أن هذا الأمر يصطدم بموقف رافض من عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، الذي يطالب الحكومة بدفع مبلغ 20 دولاراً عن كل برميل نفط للمحطة.
وختم ناطق مؤسسة الكهرباء بالعاصمة عدن رسالته الموجهة إلى الجانب السعودي بالتحذير من تدهور قادم لخدمة الكهرباء خلال الفترة المقبلة، في حال استمرار الوضع على ما هو عليه.
وأشار إلى أنه من المتوقع أن تصل أحمال عدن في ذروة الصيف إلى 750 ميجاوات، معلقاً بالقول: "إذا كانت الكهرباء تنطفئ الآن من 8 إلى 10 ساعات يومياً، والأحمال لا تتعدى 650 ميجاوات، فما بالكم حينما تصل إلى 750 ميجاوات؟!".