بوابة الوفد:
2026-06-02@23:22:17 GMT

التمويل الأجنبي والفيلم العربي

تاريخ النشر: 20th, February 2026 GMT

لم تعد المشكلة الأساسية عند السينمائيين العرب تتعلق بالإمكانيات الإنتاجية، فالتمويل المتعدد الجهات أصبح هو السمة السائدة اليوم، سواء من جهات إنتاجية في أوروبا، أو من مهرجانات السينما التي تقام في العالم العربي والتي تدعم وتقدم منحا إنتاجية لأفلام تعتقد أن يعتقد أعضاء صناديق الدعم "المغلقة" أنها جديرة بالدعم.

وقد تصل الأطراف لمشاركة في إنتاج الفيلم الواحد إلى أكثر من عشرين شركة.

بالطبع سيقال لنا إن ما يقدم من كل طرف هو طعم مالي صغير، وأحيانا رمزي من أجل وضع اسم الطرف الداعم فوق الفيلم. ولكن لماذا يتم القبول بهذه المشاركات "الرمزية"؟

على أي حال يمكن الجدل حول مسألة دعم الأفلام، والشروط التي تفرض، سواء بشكل باشر أو غير مباشر على الأفلام التي تتلقى الدعم خصوصا من أطراف أوروبية، تميل عادة إلى تشجيع ودعم مشاريع الأفلام التي تتناول قضايا الجندرية والأقليات والجنسية المثلية والمرأة والتطرف واللاجئين، وغير ذلك من المواضيع التي ترى أنها تتسق مع "أجندتها" الخاصة، وتوجهاتها، وإن كنت لا أرى، كما يميل البعض، إلى أن هذه الأجندة، تخضع لـ"مؤامرة" خاصة للتخريب والتشويه وغير ذلك من الأفكار الساذجة التي تعكس جهلا بطبيعة المجتمع الأوروبي وما يشغله من قضايا تعكسها أيضا الأفلام الأوروبية.

المشكلة بالطبع ليس في وجود " شروط" أو "مواصفات" ما، لتمويل الفيلم، بل في ذلك الخضوع المسبق لدى المخرجين العرب تحديدا، وتطوعهم بتقديم تنازلات لم يلبها أحد منهم، تحت تصور أنها يمكن أن تساهم في تمويل أفلامهم وتثير الاهتمام بها في الغرب، ومن ذلك مثلا مسألة الإفراط بل والافتعال الشديد في تصوير "الفولكلور"، وكل ما يمكن أن يجذب العين "الاستشراقية" عند الجمهور المثقف أو شبه المثقف في الغرب. وهذه مشكلة خاصة بالمخرجين العرب والأفريقيين فقط حسب ملاحظاتي الممتدة منذ خمسين سنة من خلال حضوري مهرجانات السينما العالمية ومشاهدة الكثير من النوعيات المقصودة من هذه الأفلام.

لم يكن مخرج مثل الروسي تاركوفسكي مثلا وهو يصنع أفلامه خارج الاتحاد السوفيتي، في إيطاليا والسويد، يخضع أفلامه البديعة لأي توجهات يتصور أنها تحكم نظرة الأطراف التي كانت تمول هذه الأفلام في البلدين، بل كان يقدم رؤيته الخاصة بما يتسق مع فلسفته وتوجهه من قبل أن يغادر بلده ويضطر لصنع أفلامه في الغرب.

ولم يكن مخرج مثل الإسباني لويس بونويل عندما غادر إسبانيا وعل لسنوات في المكسيك، يحاول استرضاء أطراف الإنتاج والتوزيع بل إن بعض أفلامه تعرض للرقابة المشددة والرفض الرسمي، الذي بلغ حد العنف في التعامل معه. لقد أخرج بونويل عشرين فيلما في المكسيك (من 1946 إلى 1965)، أشهرها قد يكون فيلم "المنسيون" (1950) الذي اتهم من طرف جماعات محافظة ونقابات وسياسيين بإهانة الأمة، وتشويه سمعة المكسيك، وتقديم صورة زائفة ومتشائمة للغاية عن الواقع. بل ووصل الأمر إلى حد أن بعض الممثلين والعاملين في صناعة السينما طالبوا بطرد بونويل من المكسيك، وانتهى الجدال بأن أعاد بونوبل تصوير نهاية الفيلم بحيث تصبح نهاية متفائلة!

أما المخرج العربي، سواء الذي غادر بلاده أو بقي فيها، فهو عادة ما يسعى وهو في مرحلة كتابة السيناريو، إلى حشد فيلمه بصور وعلاقات وافتعال شخصيات معينة في السياق (أو اللاسياق!) يتصور أنها يمكن أن تغري الممول الغربي المغرم بالصورة "الإكزوتية" للشرق، والعلاقات الجنسية "السرية" داخل الأقبية الخفية بما فيها العلاقات المثلية، أو المنتظر الفظة لاعتداء الرجال على النساء داخل البيوت، وغير ذلك من القالب التي أصبحت شبه ثابتة خصوصا في الأفلام التي تنتج في المغرب العربي الكبير من التمويل الفرنسي بنسبة غالبة. وهو ما أسميه "الخضوع التطوعي".

ومع هذا، تبقى المشكلة الأهم هي غياب الخيال الروائي أو القصصي الجميل الذي يتبع من الواقع ولكن من خلال نظرة حب، لا عداء وكراهية ورفض واحتجاج، فانحسار الخيال ظاهرة نلاحظها في كثير من الأفلام العربية الجديدة، رغم أن المثير منها جيد فنيا، وليس المقصود بالخيال الفانتازيا، بل الابتكار والخلق والإبداع في تشكيل الفيلم، من ناحية أسلوب السرد أو التعامل مع الصورة. وهو غياب قد يعود إلى طغيان الهاجس السياسي، وثقافة الرفض. وهو موضوع مقال قادم.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: د أمير العمري

إقرأ أيضاً:

سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

دَعْنا نراقب الشمس…

قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.

الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز.  وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.

الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.

الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.

الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.

باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط.  دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.

ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.

ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه.  وما بين الميلاد والموت  تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟

لحظةٌ لا تأتي بإشعار

ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.

تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.

في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.

بين السؤال والجواب.. ثورة

يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:

     "كيف تبرد نار النفس؟"

      فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:

     "بالاستغناء."

لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.

لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.

أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى

إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.

كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟

        قال كارل غوستاف يونغ:

       "الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،

        بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."

فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.

فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب

الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.

       "الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،

        ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."

الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟

الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ

الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.

   قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:

     "كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:

      حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."

وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.

الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر

ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.

من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.

قال إبن الرومي:

  "حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."

فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.

الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم

الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.

إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.

ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.

ذلك هو الاستغناء.

وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.

وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.

باريس

1 يونيو 2026

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • رحاب طه مشرفا على قطاع التمويل المالي غير المصرفي بالرقابة المالية
  • رحاب طه مشرفًا على قطاع التمويل غيرالمصرفي بـ الرقابة المالية
  • عرض خاص لفيلم “بومة” في الهيئة الملكية الأردنية للأفلام
  • إيران تتجه إلى إسبانيا ثم المكسيك استعدادا للمونديال رغم أزمة التأشيرات
  • بعيدًا عن الولايات المتحدة.. لماذا اختارت إيران الإقامة في المكسيك خلال المونديال؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • تركي آل الشيخ يشيد بفيلم "أسد" ومحمد رمضان يرد
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • إيرادات الأفلام.. كريم وعز يصدمان الجميع ومحمد رمضان الثالث