اعتبر كريستيان كوتس أولريشن، الخبير في شؤون الخليج في معهد بيكر للسياسات العامة بجامعة رايس، أن إدراج سوريا ضمن هذه المشاريع "يتسق مع مساعي السعودية لإعادة دمجها في الإطار الإقليمي وتقليص الروابط الملموسة مع إسرائيل".

كشف موقع موقع "ميدل إيست آي" أن السعودية تعمل على تعديل مسار مشروع كابل الألياف الضوئية الذي يربطها باليونان عبر البحر المتوسط، بحيث يتم استبدال إسرائيل بسوريا كدولة عبور رئيسية، وفق ما أكده مسؤولان إقليميان مطلعان على المشروع للموقع.

اعلان اعلان

ووفقاً للمصدرين، فإن إصرار الرياض على أن يمرّ الربط عبر الأراضي السورية بدلاً من إسرائيل، كما كان مطروحاً في مراحل سابقة من النقاش، يأتي في سياق تحولات سياسية أوسع تشهدها المنطقة، مع مساعٍ سعودية لتعزيز موقع دمشق إقليمياً، وربما عزل إسرائيل.

إعادة تموضع في شبكة التحالفات

بحسب تقرير "ميدل إيست آي"، فإن هذا التوجه يعكس تغيّراً في مقاربة الرياض الإقليمية، لا سيما بعد تعثر مسار التطبيع السعودي-الإسرائيلي الذي كان مطروحاً عام 2022 في إطار مفاوضات برعاية أمريكية.

وأوضح التقرير أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتهم إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، حيث تجاوز عدد الضحايا الفلسطينيين 72 ألفاً، كما تشهد العلاقات السعودية الإماراتية توتراً في ملفات اليمن والسودان والبحر الأحمر، بينما ترتبط الإمارات بعلاقات وثيقة مع إسرائيل.

وتسعى اليونان إلى تعزيز موقعها كمركز يربط أوروبا بالشرق الأوسط في مجالات الطاقة والذكاء الاصطناعي، وقد بنت علاقات استراتيجية مع إسرائيل التي تراها أثينا عنصر توازن في مواجهة تركيا.

وفي المقابل، ترتبط اليونان بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، إذ ينظر صانعو القرار في أثينا إلى تل أبيب بوصفها حليفاً في مواجهة التوترات مع تركيا، فضلاً عن اعتبارها عاملاً مساعداً في إبقاء الولايات المتحدة منخرطة في شرق المتوسط، ويرى التقرير أن أي استبعاد لإسرائيل من مسار المشروع قد ينعكس على توازنات العلاقة بين أثينا وتل أبيب.

Related على طريق ترتيب العلاقات.. لبنان وسوريا يوقعان اتفاقية لنقل نحو 300 محكوم سوري إلى دمشق"عقود استراتيجية" بين سوريا والسعودية: شركة طيران مشتركة.. وتطوير الاتصالات والإنترنتسوريا توقّع اتفاقاً مع شركة شيفرون الأمريكية للتنقيب عن النفط والغاز.. وبراك: تبهرنا قيادة الشرع مشروع "ممر البيانات" وأهميته الاستراتيجية

المشروع المعني هو "ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط" (East to Med Data Corridor – EMC)، الذي أُعلن عنه عام 2022 كشراكة بين شركة الاتصالات السعودية "STC"، وشركة الكهرباء اليونانية "PPC"، إلى جانب شركات اتصالات يونانية وشركة تطبيقات أقمار صناعية.

وتنقل كابلات الألياف الضوئية البيانات والخدمات الرقمية بين الدول خلال أجزاء من الثانية عبر نبضات ضوئية، وتكتسب أهمية متزايدة مع توسع استثمارات دول الخليج في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وسعيها إلى تصدير خدمات رقمية إلى أوروبا.

وبحسب ما أورده موقع "ميدل إيست آي"، كان المسار الأصلي لمشروع كابل الألياف الضوئية يمر عبر السعودية والأردن وصولاً إلى إسرائيل، غير أن طلب الرياض تعديل المسار ليعبر الأراضي السورية يمثل تحولاً لافتاً يعكس إعادة تقييم لحساباتها السياسية في المنطقة.

وفي السياق نفسه، نقل الموقع عن مسؤول إقليمي آخر أن السعودية تدرس أيضاً مشروع ربط كهربائي مع اليونان عبر كابل تيار مباشر عالي الجهد (HVDC)، بحيث يمر هذا الخط عبر سوريا بدلًا من إسرائيل، ويهدف المشروع إلى إنشاء مسار كهربائي مباشر يربط المملكة بأوروبا، في إطار توجه سعودي أوسع لإعادة رسم مسارات الربط الإقليمي عبر الأراضي السورية.

الاستثمار في البنية التحتية السورية

في سياق متصل، أعلنت شركة الاتصالات السعودية في فبراير/شباط عن خطط لاستثمار نحو 800 مليون دولار في البنية التحتية للاتصالات في سوريا، وذكرت وكالة الأنباء السعودية الرسمية أن الهدف يتمثل في "ربط سوريا إقليمياً ودولياً عبر شبكة ألياف ضوئية تمتد لأكثر من 4500 كيلومتر".

ونقل التقرير عن مسؤول غربي مطلع على التوجهات الاستثمارية السعودية قوله إن "دمشق تقع في قلب مفهوم الربط الإقليمي بالنسبة للرياض"، مضيفاً أن السعودية تفضّل أن تمر الطرق والكابلات وخطوط السكك الحديدية عبر الأراضي السورية.

من جانبه، اعتبر كريستيان كوتس أولريشن، الخبير في شؤون الخليج بمعهد بيكر في جامعة رايس، أن إدراج سوريا في هذه المشاريع "يتسق مع محاولات السعودية إعادة دمجها في الإطار الإقليمي وتقليل الروابط الملموسة مع إسرائيل"، مشيراً إلى أن عام 2022 شكّل ذروة الحديث عن التطبيع السعودي-الإسرائيلي، وأن التطورات الحالية تعكس تحولاً في موقف الرياض، وفق ما نقل عنه الموقع.

شرق المتوسط.. مشاريع مؤجلة ومنافسات مستمرة

يضع التقرير المشروع في سياق أوسع يتعلق بالتنافس على ممرات الطاقة والبيانات في شرق المتوسط. فقد سعت اليونان إلى ترسيخ موقعها كمركز إقليمي يربط أوروبا بالشرق الأوسط، مستقطبة استثمارات خليجية في مجالات الطاقة والعقارات والذكاء الاصطناعي.

وفي السنوات الماضية، كانت موانئ مثل مرسيليا وجنوى تمثل نقاط الوصول الرئيسية لكابلات الألياف الضوئية إلى أوروبا، غير أن الصناعة تتجه إلى تنويع المسارات شرقاً، ما يعزز دور كل من اليونان وتركيا.

ويشير التقرير إلى أن المنطقة شهدت تعثر عدد من مشاريع البنية التحتية الكبرى، من بينها خط أنابيب غاز كان يُفترض أن يربط اليونان وقبرص وإسرائيل، إضافة إلى مشروع "غريت سي إنتركونكتور" للربط الكهربائي بين الدول الثلاث، والذي واجه تأخيرات متكررة. كما تعارض تركيا بعض هذه المشاريع في ظل نزاعاتها البحرية مع اليونان.

تمويل المشروع وآفاقه

بحسب ميدل إيست آي، وقّعت بنوك سعودية ويونانية اتفاقاً لتمويل 60% من مشروع EMC. وفي عام 2023، أبرم المشروع عقداً مع شركة "ألكاتيل سابمارين نتوركس" لبناء كابلين بحريين وبريين لنقل البيانات.

ونقل الموقع عن مستشار كابلات بحرية مقيم في الولايات المتحدة، جوليان رول، قوله إن طلب السعودية المرور عبر سوريا يُعد تطوراً جديداً، موضحاً أن القطاع يبحث عن مسارات برية إضافية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، وأن سوريا قد تمثل خياراً إذا ما توفرت بيئة سياسية مستقرة.

وفيما يرى التقرير أن "ممر البيانات من الشرق إلى المتوسط" يُعد من المشاريع الأكثر قابلية للتنفيذ مقارنة بمبادرات إقليمية أخرى، فإنه يشير إلى أن دفع الدفعة الأولى لمزوّد النظام يُعد مؤشراً رئيسياً يراقبه العاملون في القطاع لقياس مدى تقدم المشروع.

وبذلك، يخلص تقرير ميدل إيست آي إلى أن مسار الكابل المقترح لا يعكس فقط اعتبارات تقنية أو اقتصادية، بل يرتبط أيضاً بإعادة تشكيل شبكات التحالف والربط الإقليمي في شرق المتوسط، في مرحلة تتسم بتبدلات سياسية متسارعة.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند السعودية سوريا السياسة الإسرائيلية اليونان اقتصاد إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل فرنسا قطاع غزة الصحة إيطاليا الصين غزة عبر الأراضی السوریة الألیاف الضوئیة میدل إیست آی شرق المتوسط مع إسرائیل إلى أن

إقرأ أيضاً:

السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم

 

 

 

علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)

في زمنٍ تُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ الاقتصادي، وتُقاس فيه قوة الدول بقدرتها على بناء الشراكات الذكية لا الجدران العازلة، لم يعد المستقبل ملكًا للأكبر مساحةً أو الأكثر ثروةً فحسب، بل للأكثر قدرةً على تحويل الجغرافيا إلى فرصة، والتاريخ إلى رؤية، والعلاقات إلى مشاريع تصنع الغد.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو العلاقة بين سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية أكثر من مجرد علاقة بين دولتين جارتين؛ إنها تجربة خليجية ناضجة تتشكل بهدوء، وتكبر بثقة، وتتجه بخطى ثابتة نحو نموذج متقدم من التكامل الاقتصادي والاستراتيجي، يستند إلى وضوح الرؤية، وتوافق الإرادة السياسية، وتطلع الشعبين إلى مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا.

لقد أدركت القيادتان في مسقط والرياض أن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم لا تنتظر المترددين، وأن الدول التي ترغب في حجز مكانها في اقتصاد المستقبل عليها أن تنتقل من مرحلة التعاون التقليدي إلى فضاء الشراكة العميقة. ومن هنا جاء التقاطع اللافت بين رؤية "عُمان 2040" ورؤية "السعودية 2030"، حيث تتلاقى الأهداف والطموحات في تنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار، وتطوير البنية الأساسية، وخلق بيئات أعمال أكثر جاذبية وقدرة على المنافسة.

ولعل أجمل ما في هذه العلاقة أنها لا تكتفي بتبادل المصالح، بل تعمل على صناعة المصالح الجديدة. فالجغرافيا التي كانت يومًا حدودًا فاصلة، تحولت اليوم إلى جسور للتواصل والتنمية. ومنفذ الربع الخالي ليس مجرد معبر بري يربط بلدين شقيقين، بل بوابة اقتصادية فتحت آفاقًا واسعة أمام التجارة والاستثمار والسياحة، وأسهمت في تقليص المسافات بين الأسواق والفرص.

غير أن الطموح أكبر من ذلك، ومتطلبات المرحلة المقبلة تستدعي التفكير في شبكة أوسع من المنافذ البرية بين البلدين، بما يواكب النمو المتسارع في الحركة التجارية والسياحية والاستثمارية. فكما أسهم تعدد المنافذ بين بعض دول الخليج في رفع كفاءة الحركة الاقتصادية، فإن فتح منافذ إضافية بين السلطنة والمملكة يمكن أن يشكل نقلة نوعية في تدفق البضائع والأفراد، ويعزز التنمية في المناطق الحدودية، ويمنح المستثمرين مزيدًا من المرونة والخيارات اللوجستية.

وإذا كانت الطرق البرية تمثل شرايين الحركة على اليابسة، فإن الموانئ تمثل رئة الاقتصاد الحديثة. وهنا تبرز أهمية التكامل بين الموانئ العُمانية والسعودية باعتباره أحد أكثر المشاريع الاستراتيجية قدرة على صناعة قيمة مضافة حقيقية للمنطقة بأسرها.

فميناء صلالة، بموقعه الاستثنائي على خطوط التجارة العالمية، وميناء الدقم بما يمتلكه من إمكانات تنموية وصناعية واعدة، يشكلان مع المراكز الصناعية والاقتصادية السعودية منظومة لوجستية متكاملة قادرة على إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية والدولية. إن الربط بين هذه المكونات ليس مجرد مشروع نقل أو شحن، بل مشروع تنموي متكامل يرفع كفاءة سلاسل الإمداد، ويعزز تنافسية الصادرات، ويجذب استثمارات نوعية قادرة على خلق فرص عمل وقيمة اقتصادية مستدامة.

وفي قلب هذه المعادلة تبرز منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة بوصفها إحدى أهم الفرص الاستثمارية في المنطقة. فهذه المدينة الصاعدة لا تمثل مشروعًا عُمانيًا فحسب، بل منصة خليجية واعدة يمكن أن تستقطب رؤوس الأموال والصناعات والخدمات اللوجستية والسياحية من مختلف أنحاء العالم، بما ينسجم مع تطلعات البلدين نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعًا واستدامة.

أما سياسيًا، فإن العلاقة بين الرياض ومسقط تقدم نموذجًا راقيًا في إدارة الشراكات بين الدول. فالتفاهم العميق، والاحترام المتبادل، والنظرة المتوازنة للقضايا الإقليمية، كلها عوامل أسهمت في ترسيخ الثقة وتعزيز الاستقرار، وأثبتت أن قوة العلاقات لا تُقاس بكثرة التصريحات، بل بعمق التفاهم وحكمة المواقف.

وفي ظل عالم تتسارع فيه التحالفات الاقتصادية والدفاعية، يصبح من الطبيعي أن تتجه دول الخليج نحو مزيد من التكامل، وأن تكون الشراكة العُمانية السعودية في طليعة هذه المسيرة. فالمستقبل لن يكون للأطراف المتفرقة، بل للكيانات القادرة على توحيد مواردها وتنسيق سياساتها وتعظيم فرصها المشتركة.

إن ما يجمع سلطنة عُمان والمملكة العربية السعودية اليوم ليس مجرد مصالح عابرة، بل رؤية مشتركة لمستقبل الخليج. رؤية ترى في الطرق منافذ للنمو، وفي الموانئ منصات للازدهار، وفي الاستثمار جسرًا للتنمية، وفي التعاون قوةً تصنع الاستقرار.

ولهذا فإن الشراكة العُمانية السعودية لم تعد مجرد قصة نجاح ثنائية، بل أصبحت نموذجًا خليجيًا متقدمًا، يبرهن أن التكامل الحقيقي لا يبدأ من الاتفاقيات فحسب، بل من الإيمان المشترك بأن ازدهار الجار هو امتداد لازدهارك، وأن المستقبل الأفضل يُبنى معًا، لا فرادى.

ومن هنا، فإن كل طريق جديد يُعبد بين البلدين، وكل استثمار مشترك يُطلق، وكل مشروع لوجستي يُنجز، ليس مجرد رقم يُضاف إلى سجلات الاقتصاد، بل خطوة جديدة في صناعة مستقبل خليجي أكثر قوةً وازدهارًا وتأثيرًا في العالم.

مقالات مشابهة

  • لتلافي الآثار الكارثية للظاهرة.. السعودية: تعزيز التعاون الدولي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة
  • إسرائيل ترسم «منطقة عازلة» في جنوب سوريا
  • مصر وإيطاليا تطلقان أول منتدى إقليمي للتعليم التقني بمشاركة 13 دولة متوسطية
  • المرجعية العليا للطائفة العلوية في سوريا ترهن استقرار المنطقة بتأمين حقوق العلويين
  • السعودية وعُمان.. النموذج الخليجي المتقدم
  • شريف نور الدين: قرار إيقاف مهرجان الإسكندرية لدول المتوسط شجاع| خاص
  • الإسكندرية تستضيف بطولة البحر المتوسط في الـ17 من الشهر الجاري
  • تسونامي يهدد المتوسط.. أمواج مدمرة تضرب السواحل خلال العقود المقبلة| ما القصة ؟
  • ما تفسير قرار الإدارة الأمريكية بتغيير منصب توم برّاك في سوريا؟
  • ترامب يعين مبعوثًا رئاسيًا خاصًا إلى سوريا والعراق.. من هو توم باراك؟