في كل مرة تُستأنف فيها مفاوضات جنيف بين موسكو وكييف برعاية أمريكية يتجدد التفاؤل في واشنطن، لكن الوقائع الميدانية والتباينات الغربية توحي بأن المسار التفاوضي بات أقرب إلى مناورة تكتيكية متبادلة، هدفها كسب الوقت واسترضاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لا إحداث اختراق حاسم.

جولة جنيف الأخيرة، كما أظهر نقاش ضيوف برنامج "ما وراء الخبر"، لم تُنتج تحولا جوهريا في ملف الأراضي أو الضمانات الأمنية، بل كرّست حالة انتظار مشوبة بالحسابات السياسية حيث يحرص كل طرف على تجنب تحميله مسؤولية إفشال المسار الذي تراهن عليه إدارة ترمب.

وخلال مشاركته في البرنامج، قدم الدبلوماسي الأوكراني السابق فولوديمير شوماكوف، قراءة تعكس مزاجا سائدا في كييف مفاده أن المفاوضات تحولت إلى "مفاوضات من أجل المفاوضات"، في ظل استمرار القتال وتصاعد الاستهداف للبنية التحتية لطرفي الصراع، ما يطرح سؤالا حول جدية الرهان على الطاولة السياسية.

غير أن الأهم في حديثه لم يكن توصيف الجمود، بل إشارته إلى أن الطرفين، موسكو وكييف، يحاولان تفادي إغضاب ترمب: روسيا لتجنب عقوبات أشد، وأوكرانيا خشية خسارة دعم البيت الأبيض، وهو ما يحوّل جنيف إلى ساحة رسائل موجهة إلى واشنطن بقدر ما هي منصة تفاوض ثنائي.

هذا البعد يكتسب وزنه من طبيعة اللحظة السياسية الأمريكية، فترمب الساعي إلى تسجيل إنجاز خارجي بارز يدفع نحو اتفاق، لكنه في الوقت نفسه لا يريد الظهور بمظهر العاجز عن التأثير على موسكو أو إجبار كييف على تنازلات قسرية، ما يخلق توازنا هشا في أدوات الضغط.

إنجاز في حد ذاته

ومن موسكو، ربطت المحللة السياسية إيلينا سوبونينا استمرار التفاوض بكونه إنجازا بحد ذاته، لكنها شددت على أن الخلافات حول شبه جزيرة القرم والأقاليم الأربعة "الدستورية" بالنسبة لروسيا لا تزال عميقة، بما يعني أن سقف التوقعات الواقعي منخفض في المدى القريب.

إعلان

وتعكس قراءتها قناعة روسية بأن عامل الوقت يعمل لصالح موسكو، وأن أي مفاوضات مطوّلة ستراكم مكاسب ميدانية تدريجية حتى وإن لم تكن سريعة، وهو ما يتقاطع مع تقديرات غربية تشير إلى حرب استنزاف طويلة الأمد أكثر من كونها معركة حسم قريب.

في المقابل، قدّم مارك كانسيان، مستشار أول بقسم الدفاع والأمن بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي، رؤية أكثر تحفظا حيال فكرة انتصار روسي حتمي، معتبرا أن أداء أوكرانيا الدفاعي والهجومي يحدّ من قدرة موسكو على فرض شروطها بسهولة.

لكن ما يلفت في حديث كانسيان هو إقراره بوجود اختلاف بين واشنطن والعواصم الأوروبية بشأن مسألة التنازلات، إذ تميل الإدارة الأمريكية -بخلاف الأوروبيين- إلى التفكير في صيغ قد تتضمن مرونة أوكرانية في بعض الملفات، بما فيها دونباس أو ترتيبات منزوعة السلاح.

هنا تتضح العقدة الأساسية، وهي أن جنيف لم تعد فقط ساحة تفاوض روسي أوكراني، بل أصبحت مرآة لانقسام غربي حول حدود الضغط على كييف، ففي حين تخشى أوروبا أن يؤدي أي تنازل إقليمي إلى تكريس سابقة خطِرة، ترى دوائر أمريكية أن الواقعية السياسية قد تقتضي حلولا مؤلمة.

ويمنح هذا التباين موسكو هامش مناورة إضافيا، إذ تستطيع الرهان على إرهاق الغرب وتباين أولوياته خصوصا إذا ما ارتبطت المفاوضات بمسارات موازية، مثل التعاون الاقتصادي الذي أشارت إليه سوبونينا، والذي يجري بحثه بعيدا عن الأضواء بين مسؤولين روس وأمريكيين.

منصة إدارة صراع

وفي هذا السياق، تبدو جنيف أقرب إلى منصة إدارة صراع منها إلى منصة إنهائه، فالقضايا الإنسانية وتبادل الأسرى قد تشهد تقدما محدودا لكن ملف الأراضي -جوهر الحرب- يبقى مؤجلا، ما يعني أن التفاوض يتحرك في الهوامش لا في المركز.

وحذر شوماكوف من الرهان على تنازلات أحادية باعتبارها مفتاح السلام، مستحضرا تصريحات روسية تشكك حتى في أن انسحابا أوكرانيا سيعني نهاية الحرب، ويسلط هذا الطرح الضوء على معضلة الثقة، حيث لا ترى كييف ضمانات كافية لالتزام موسكو بأي اتفاق.

في المقابل، تعتقد موسكو -كما عكسه حديث سوبونينا- أن واشنطن لا تستخدم كامل أوراق ضغطها على كييف، وأن استمرار الأزمة لا يضر بالولايات المتحدة بالقدر ذاته الذي يرهق أوروبا وروسيا، ما يضيف بعدا جيوسياسيا أوسع للحسابات الجارية.

أما في واشنطن، فيبدو أن الإدارة تحاول الجمع بين دعم أوكرانيا وعدم قطع الجسور مع موسكو. كانسيان أشار إلى وجود مساندة قوية لأوكرانيا داخل الكونغرس، ما يقيّد أي اندفاعة نحو فرض "استسلام مقنّع"، لكنه لا يلغي بحث صيغ تسوية وسط.

إزاء هذا المشهد، يصبح التفاؤل الأمريكي أقرب إلى أداة ضغط سياسية منه إلى انعكاس لاختراق فعلي، فالإيحاء بقرب الاتفاق قد يكون وسيلة لدفع الطرفين إلى إبداء مرونة، أو على الأقل تجنب خطوات تصعيدية تحرج البيت الأبيض.

غير أن استمرار القتال وتصاعد الخطاب المتبادل يشيان بأن الهوة لا تزال واسعة، فكل جولة تنتهي بالتأكيد على ضرورة مواصلة الحوار من دون تحديد مسار واضح لكسر الجمود، ما يعزز الانطباع بأن التفاوض بات غاية في حد ذاته.

إعلان

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

برشلونة يواصل تحركاته لحسم صفقة كانسيلو

البلاد (جدة)

لا يزال نادي برشلونة متمسكًا بأمل استعادة الظهير البرتغالي جواو كانسيلو خلال فترة الانتقالات الصيفية الحالية، في ظل استمرار المفاوضات مع نادي الهلال، وسعي الإدارة الكتالونية لإغلاق الملف قبل نهاية الميركاتو.

أكد الصحفي الإيطالي الموثوق فابريزيو رومانو، عبر حسابه الرسمي على منصة “إكس”، أن الاتصالات بين برشلونة والهلال لا تزال مستمرة، مشيرًا إلى أن المفاوضات لم تشهد حسمًا خلال الأسابيع الماضية، إلا أن النادي الإسباني لا يزال واثقًا من قدرته على التوصل إلى اتفاق قبل إغلاق سوق الانتقالات الصيفية.

وأوضح رومانو أن إدارة برشلونة تواصل العمل على الصفقة، وسط تفاؤل بإمكانية إنهاء جميع التفاصيل خلال الأيام المقبلة.

وأشار رومانو إلى أن جواو كانسيلو يرغب في العودة إلى صفوف برشلونة، وهو ما يمنح النادي الكتالوني أفضلية معنوية في المفاوضات، ويعزز فرص إتمام الصفقة إذا تم التوصل إلى اتفاق نهائي مع الهلال.

مقالات مشابهة

  • خوري تبحث مع ممثلي فزان العملية السياسية وأولويات التنمية والاستقرار
  • كيف تعيد موسكو بناء قوتها العسكرية؟
  • برشلونة يواصل تحركاته لحسم صفقة كانسيلو
  • “سيمفونية البناء”.. كيف تحولت المبادرات المجتمعية إلى شريان حياة للنهضة في اليمن
  • تجمع الأشراف يرفض «المتاجرة السياسية» بإقليم فزان وأهله
  • الرفادي: إعلان حكومة من جنيف “بلطجة سياسية”.. والشرعية لا تُصنع من الفنادق
  • موسكو تدخل عصر الإدارة الذكية للنقل بأكبر مركز عمليات في أوروبا
  • “الأمل الأخير”.. نجوم ألعاب القوى الروسية يعلقون على معركة العودة إلى الساحة الدولية
  • الرئيس المصري يدعو أطراف الصراعات بالمنطقة للعودة إلى المفاوضات
  • وعد أم لطفليها ينتهي بفاجعة.. كيف تحولت أمسية شواء المارشميلو إلى مأساة؟