في مشهدٍ بسيط في ظاهره، عميقٍ في دلالاته، التقطت عدسات المارة لحظة إنسانية خالصة: شاب يسير في أحد شوارع محافظة الدقهلية، يحتضن سيدة مسنّة، يربّت على كتفها محاولًا أن يسند خطواتها المتعثرة. لم يكن المشهد عابرًا، ولم يكن مجرد موقف عاطفي عفوي، بل كان عنوانًا لقصة وجعٍ طويلة عاشها شاب يُدعى إسلام حسين، قرر أن يحمل والدته على كتفيه.

. حرفيًا ومعنويًا.

الفيديو الذي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي أظهر إسلام وهو يسير رفقة والدته المريضة في أحد الطرق بين السنبلاوين ودكرنس، يحاول مساعدتها على السير. لكن حين عجزت قدماها عن مواصلة الطريق، توقف فجأة، وانحنى ليحملها بين ذراعيه ويكمل بها المسافة نحو المستشفى. لحظة صمتٍ قصيرة سبقت دهشة المارة، ثم تحركت المشاعر قبل الأقدام، فاقترب بعضهم وعرضوا عليهما توصيلهما بسياراتهم.

لكن ما لم يظهر في الفيديو، كان أعمق بكثير من مجرد مشهد حمل أمٍ أنهكها المرض.

أم كانت السند.. فأصبحت تحتاج من يسندها

يقول إسلام، في تصريحات خاصة لـ صدي البلد، وهو أصغر إخوته ويبلغ من العمر 37 عامًا، إنه نشأ في أسرة تضم أخًا أكبر وأختًا كبرى، وكلاهما في حالٍ ميسورة. أخوه لديه ابنة متزوجة وأحفاد، ولديه مصدر رزق مستقر، وأخته متزوجة ولم يُكتب لها الإنجاب. أما هو، فكان يعمل بائعًا في أسواق الخضار، يخرج قبل الفجر ويعود قبل العصر في أحيانًا أخرى، باحثًا عن الرزق في الأسواق الشعبية بين السنبلاوين ودكرنس.

لكن في يوليو 2024، تغير كل شيء.

يضيف إسلام: “مرة واحدة أمي تعبت، وحصلت لها مضاعفات مفاجئة. الحالة ساءت بسرعة، ومع الأسف حصلت أخطاء في العلاج في البداية، وزادت الأمور سوءًا”.

الأم، التي كانت يومًا تقف في ظهر أبنائها، وتعمل وتكدّ لتجهزهم وتساعدهم وتساندهم، أصبحت فجأة طريحة المرض، تحتاج من يطعمها ويعالجها ويغير عليها ملابسها، ويأخذ بيدها في أصعب مراحل العمر.

خلافات الإخوة.. وقرار المواجهة وحده

بحسب رواية إسلام، فإن الخلافات العائلية لعبت دورًا في تعقيد المشهد. يقول إن أشقاءه “استخسروا” الإنفاق على علاج الأم في البداية، وإن هناك سوء تقدير لما تحتاجه من رعاية ومصاريف.

“أمي عندها مشاكل صحية كبيرة، ومحتاجة متابعة مستمرة، لكن للأسف حصل تقصير” ،وسط هذا المشهد، اتخذ قراره أن يتحمل المسؤولية وحده.

لم يكن يملك دخلًا ثابتًا، ولم يكن متزوجًا أو لديه أولاد، لكنه كان يرى أن ترك والدته في هذه المرحلة خيانة لكل ما قدمته. “أمي وقفت في ظهرنا، وجوزت إخواتي، وكانت بتشتغل وبتجيب لهم ولعيالهم، وما قصرتش في حاجة”.
 

من شقة إلى أخرى.. رحلة البحث عن مأوى

المأساة لم تقف عند حدود المرض. فالأم لا تتقاضى معاشًا، ولا تتمتع بتأمين صحي، ولا يوجد مصدر دخل ثابت يعينهما على مصاريف العلاج والإيجار.

يقول إسلام إنه اضطر إلى الانتقال من شقة إلى أخرى بسبب الإيجار، إذ لم يكن قادرًا على الالتزام بقيمة ثابتة في ظل غياب الدخل. “كل شوية أغير شقة، عشان الإيجار. الراجل يطلب الشقة، وألاقي نفسي مضطر أمشي”.

كانت رحلة التنقل هذه مرهقة للأم قبل الابن. سيدة في الثالثة والسبعين، تعاني المرض، تنتقل من مكان إلى آخر، بلا استقرار، وبلا أمان.

أما الفيديو الذي انتشر له وهو يحمل والدته على كتفه، فيؤكد أنه جاء بالصدفة، ولم يكن بقصد الشهرة أو “الترند”. “ما كانش مقصود خالص، حصل بشكل عفوي، وأنا ما كنتش مستني شهرة ولا حاجة”.

ويضيف إسلام بصوتٍ يختلط فيه الحزن بالإنهاك: “الواحد بقاله سنتين بره الدنيا… أنا ووالدتي بقينا بره الدنيا بمعنى الكلمة. مش بنختلط بحد، ولا لنا حياة زي الناس. حياتنا بقت محصورة بين أربع حيطان، ودواء، ومصاريف، وهمّ متراكم. إحنا بره الدنيا نهائي… كأن الدنيا ماشية وإحنا واقفين مكانّا. مفيش خروج، مفيش فرح، مفيش أي إحساس بالحياة غير القلق والتفكير في بكرة هيبقى شكله إيه”

نداء إلى محافظ الدقهلية

وسط هذه الظروف، وجّه إسلام نداءً مباشرًا إلى اللواء طارق مرزوق، محافظ الدقهلية، مؤكدًا أنه سمع عنه كل خير، وأنه يتمنى أن تصل إليه قصته.

يقول: “أنا مش بطلب كتير. لو في سكن بسيط، أو كشك أقدر أشتغل فيه، ده هيبقى مصدر دخل وفي نفس الوقت أمي تبقى تحت عيني”.

بالنسبة له، الكشك ليس مجرد مشروع صغير، بل طوق نجاة. مصدر رزق يحفظ له كرامته، ويمنحه القدرة على الإنفاق على علاج والدته، ويمنحهما استقرارًا يفتقدانه منذ شهور.

الإحساس بالعجز.. الوجع الأصعب

أصعب ما يمر به إسلام ليس الفقر، ولا المرض، ولا حتى قلة الحيلة. بل “الإحساس بالعجز”، كما يصفه.

“أصعب حاجة في الدنيا إنك تبقى واقف عاجز، مش عارف تعمل حاجة. ساعات الواحد بييجي عليه وقت يتمنى الموت أهون من العجز”.

كلمات ثقيلة تخرج من شاب لم يتزوج بعد، لكنه يقول إنه عرف معنى “الضنا” وهو يعتني بأمه. يرى في رعايتها واجبًا لا نقاش فيه، وبرًّا لا يحتمل التأجيل.

“أنا مش بشرك بالله، لكن أوقات بيبقى صعب قوي، لما تبص حواليك ومحدش يرحم. شهر ورا شهر، تقول هنعمل إيه؟ هنروح فين؟”.
 

قصة إسلام حسين ليست مجرد فيديو مؤثر لشاب يحمل أمه في الشارع. إنها حكاية عن البرّ في زمن القسوة، وعن مسؤولية يتحملها شاب وحده في مواجهة مرض وفقر وخلافات عائلية.

هي قصة عن أمٍ أعطت كل ما تملك لأبنائها، ثم وجدت نفسها في نهاية العمر تحتاج إلى من يعيد لها بعضًا مما قدمته. وعن ابنٍ قرر أن يكون هذا السند، مهما كانت الكلفة.

في شوارع الدقهلية، وبين أسواق الخضار وأبواب المستشفيات، يمضي إسلام يومه حاملاً والدته على كتفيه وقلبه معًا. لا يملك إلا الدعاء، وأملًا في أن تُفتح له نافذة استقرار، أو تُمد إليه يد عون تعيد إليه بعض الطمأنينة.

ورغم ثقل الأيام، لا يزال في صوته خيط رفيع من الرجاء. رجاء في غدٍ أقل قسوة، وفي باب يُفتح، وفي حياة تعود إليهما بعد طول انتظار.

طباعة شارك الفيديو مواقع التواصل الدقهلية إسلام المستشفى

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: الفيديو مواقع التواصل الدقهلية إسلام المستشفى

إقرأ أيضاً:

مصدر رسمي لبناني للجزيرة: لدينا ضمانات أمريكية بعدم استهداف المناطق التجريبية

أفاد مصدر رسمي لبناني للجزيرة، اليوم الخميس، بأن حكومة بلاده لديها ضمانات أمريكية بعدم استهداف المناطق التجريبية التي يعمل فيها الجيش اللبناني.

وأكد المصدر، في تصريحات أدلى بها للجزيرة، أن الهدف من المناطق التجريبية هو ألا تشكل تهديدا أمنيا وأن تكون خالية من أي عمل عسكري، لكنه أشار إلى أنهم لم يبلغوا بعد بمواعيد زمنية محددة لإنهاء العمل في المناطق التجريبية الثلاث المتفق عليها.

وأوضح أن وفد لبنان الذي يشارك في جولة التفاوض السابعة في العاصمة الإيطالية روما سيضم دبلوماسيين وضباطا من الجيش، مشيرا إلى أن هذه المفاوضات ستبلور الإجراءات المطلوبة من الجانبين بشأن المناطق التجريبية.

وأكد المصدر الرسمي اللبناني أيضا أن الجولة التفاوضية السابعة ستحدد آلية التحقق من حصر السلاح وسيطرة الجيش على المنطقة، مشددا على أن الجيش اللبناني لم يتلقَّ من واشنطن أي خرائط أو إحداثيات لمواقع يشتبه بوجود سلاح فيها.

وأشار إلى وجود تنسيق يومي بين الجيشين اللبناني والأمريكي عبر لجنة خاصة والسفارة الأمريكية في لبنان، مضيفا أنه على واشنطن أن تكون الضامن لعدم تجدد الاستفزازات الإسرائيلية ضد الجيش اللبناني.

وقال المصدر اللبناني إنه "لا مؤشرات على تحركات سورية عند الحدود ولدينا تطمينات سورية لكن لن نهمل الموضوع"، كما أكد أن جدولة الانسحاب ووقف الاعتداءات الإسرائيلية يساهمان في تنفيذ خطة حصر السلاح.

صورة من محيط قرية زوطر الشرقية جنوبي لبنان، تظهر تصاعد الدخان إثر عملية تفجير نفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي (الفرنسية)السلاح بعد الانسحاب الإسرائيلي

من جانبها، قالت كتلة حزب الله البرلمانية إن الزيارة الرئاسية اللبنانية إلى واشنطن فشلت في تحقيق أدنى المطالب الوطنية السيادية للبنان.

وأضافت الكتلة، في بيان، أن أي مقاربة لسلاح المقاومة خارج منطقة جنوب الليطاني تكون بعد انسحاب العدو الإسرائيلي.

إعلان

وأكد البيان أن الجيش اللبناني عزز انتشاره في مناطق لم يتمكن الجيش الإسرائيلي من احتلالها، مشددا على أن الجيش الإسرائيلي "لم ينسحب من أي من المناطق التي يحتلها، بل إنه عمد إلى إطلاق النار على وحدات الجيش اللبناني في بلدة زوطر الغربية بذريعة تقدمه 100 متر نحو مناطق محتلة"، على حد قوله.

وجدد البيان رفض المفاوضات المباشرة واتفاق الإطار الذي تمخض عنها، مشددا على أولوية الانسحاب الكامل لجيش الاحتلال من الأراضي اللبنانية وتطبيق اتفاق 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 والقرار الأممي رقم 1701 في منطقة جنوب الليطاني.

ونددت الكتلة بالتدمير الممنهج للقرى الحدودية الذي يواصله جيش الاحتلال، والذي يرمي إلى جعلها غير قابلة للحياة، وانتقدت ما وصفته بـ"الصمت المريب" للسلطة اللبنانية وإخفاقها في حشد موقف سياسي يضع حدا لهذه الجرائم أو تضمين الملف في المفاوضات.

مفاوضات روما

وكانت الجولة السادسة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما، التي انعقدت منتصف يوليو/تموز الجاري، قد أسفرت عن اتفاق مبدئي على تحديد منطقتين تجريبيتين لبدء تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، في أول اختراق محدود منذ توقيع اتفاق الإطار أواخر يونيو/حزيران الماضي، مع الإبقاء على القضايا الأكثر حساسية معلقة في انتظار جولات لاحقة من التفاوض واجتماع عسكري تكميلي.

تلا ذلك إعلان وزارة الخارجية الأمريكية، بدء مرحلة تجريبية في 3 بلدات بجنوب لبنان، على أن ينتشر الجيش اللبناني في تلك البلدات، تنفيذا لتفاهمات جرى التوصل إليها بين بيروت وتل أبيب ضمن الاتفاق الإطاري الثلاثي.

ورغم بدء تنفيذ الاتفاق، يواصل الجيش الإسرائيلي خروقاته، إذ نفّذ تفجيرات في محيط بلدتي بيت ياحون وكونين، كما دمّر منازل ومنشآت في جنوب لبنان، رغم دخول انتشار الجيش اللبناني في زوطر الغربية يومه الثالث ضمن المرحلة الأولى من تنفيذ الاتفاق.

مقالات مشابهة

  • قصف عنيف وكتل من اللهب.. الاحتلال يدمر منازل في أرجاء غزة
  • ماذا أفعل عند سماع ألفاظ خادشة في الشارع؟ أمين الفتوى يجيب
  • استشاري باطنة : ضغط الدم القاتل الصامت .. المرض الأكثر انتشارًا
  • بعد اعترافها بقتل والدتها.. تصريحات سابقة لسالي الجباس تعود للواجهة
  • فقدان الصحة..نهاية كل شيء!
  • أميمة بنت علي الراشدية
  • هل انتهت أزمة مستحقات أوليكساندريا الأوكراني مع الزمالك؟.. مصدر يٌجيب
  • مصدر رسمي لبناني للجزيرة: لدينا ضمانات أمريكية بعدم استهداف المناطق التجريبية
  • إسلام آباد تدين الهجوم الحوثي.. ولي العهد السعودي يتلقى اتصالا من رئيس وزراء باكستان
  • عن المناطق التجريبيّة ومُفاوضات روما المُقبلة... ماذا كشف مصدر لبنانيّ؟