#سواليف

يجلس على حافة قفصه، يضمّ دميته بكلتا يديه، وكأنه يعرف أن العالم يراه، إنه “بانش-كن”، قرد المكاك الياباني ذو الـ 6 أشهر، الذي لم يفعل شيئاً استثنائياً سوى أنه تشبّث بما يعوّضه عن أم لم يعرف حنانها قط.

هذه البساطة وحدها كانت كافية لتجتاح صوره منصات التواصل من طوكيو إلى نيويورك، ومن أوروبا للشرق الأوسط، وتحول حديقة حيوان صغيرة في محافظة تشيبا اليابانية إلى وجهة تصطف أمامها طوابير لم تشهدها من قبل.

من الحرمان إلى حضن الدمية
وُلد بانش في 26 يوليو (تموز) 2025 بوزن 500 غرام، أمه، وهي أنثى تخوض تجربة الأمومة لأول مرة، أنهكها الوضع في قيظ الصيف، فأعرضت عنه منذ اللحظات الأولى.

مقالات ذات صلة صورة فضائية تكشف الجمال الخفي لـىمعجزة جيولوجية عمرها 2.5 مليار سنة 2026/02/21

تدخّل حارسا الحديقة فوراً، وبدآ تربيته يدوياً، مع حرص مقصود على تنشئته قريباً من روائح وأصوات القردة الأخرى تهيئة لإعادة دمجه لاحقاً.

ولكن يحتاج صغار المكاك إلى التعلّق بفراء أمهاتهم منذ الساعات الأولى؛ هذا التلامس يمنحهم الأمان العاطفي ويبني قوتهم العضلية معاً، وحين حُرم بانش من ذلك، جرّب الحارسان بدائل عدة: مناشف ملفوفة ودمى مختلفة، لكن بانش وجد ضالته في دمية “أورانغوتان” كبيرة الحجم؛ فراؤها سهل القبض عليه، وملامحها تشبه وجه قرد.

وقال شيكانو -أحد الحارسين الذين تولوا العناية ببانش- إنها باتت “أماً بديلة” يعود إليها الصغير حين يغادر الحراس في المساء.

تقدّم حذر وقلوب تترقّب
في 19 يناير (كانون الثاني) 2026، انتقل بانش رسمياً إلى قفص القردة الذي يضمّ 56 قرداً من نفس فصيلته، إلا أن الاندماج لم يكن سهلاً؛ إذ استقبله الكبار بتحفّظ، وتعرّض أحياناً للترهيب، ولم يفارق دميته لحظة.

لكن وزنه نما من 500 غرام إلى نحو 2 كيلوغرام، وبات يبادر بالتفاعل مع أفراد المجموعة بصورة متزايدة، ولاحظ حارسه أنه “يتعافى بسرعة حتى حين يُعاقب من القردة الأكبر”، ووصفه بـ”القوي نفسياً”.

الانتشار الرقمي وظاهرة “تشجّع يا بانش”
في الخامس من فبراير (شباط) 2026، نشرت الحديقة أول تعريف رسمي ببانش على منصة “إكس”، فأُعيد مشاركة المنشور أكثر من 8,000 مرة خلال ساعات.

وفي اليوم التالي، ظهر وسم ياباني عنوانه “#تشجّع-يا-بانش”، وبحلول 13 من نفس الشهر كان قد تجمّع تحته 37,000 منشور وإعادة نشر، وكتب أحد المستخدمين: “أصبح تصفح هذا الوسم والبكاء طقساً يومياً”، وقال آخر: “قلبي يشعر بالنقاء كلما رأيته”.

وتحولت قصة “بانش” من مجرد لقطات حزينة لقرد فاقد للحنان، متشبث بدميته القابلة للاحتضان، إلى ظاهرة عالمية تخطت حدود اليابان وانتشرت عبر كافة منصات التواصل الاجتماعي، وتفاعل معها المستخدمون من مشارق الأرض ومغاربها، معربين عن تعاطفهم الكامل مع الحيوان الذي حملت ملامحه ذعراً حفرته قسوة الهجران.

اللافت أن هذا التفاعل لم يكن عاطفياً فحسب؛ فقد تحوّل إلى حضور ميداني ملموس، حيث اصطفّ الزوار أمام حديقة إيشيكاوا في طوابير غير مسبوقة، فاضطرّ المسؤولون إلى نشر اعتذار رسمي عن التأخير في الدخول، مؤكدين أن ما شهدوه “لم يحدث من قبل في تاريخ الحديقة”.

وتعكس القصة تناقضاً مؤثراً بين قسوة الطبيعة التي تمثلت في رفض الأم، وبين “إنسانية” التدخل البشري الذي استعان بجماد ليمنح كائناً حياً القدرة على الاستمرار، لتصبح رحلة تحول تدريجية من الاعتماد الكامل على وسادة محشوة إلى تعلم لغة القطيع وممارسة الحياة كقرد حقيقي.

المصدر

المصدر: سواليف

إقرأ أيضاً:

من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟

 

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

 

كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.

وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.

اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.

قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.

كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.

أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.

لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.

وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.

ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟

ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • لاوندس استقبل سفير اليابان الجديد في زيارة تعارف
  • ماليزيا تحظر حسابات التواصل لمن هم دون 16 عاماً… غرامات بالملايين للمخالفين.. قرارات حاسمة بتشديد الرقابة الرقمية
  • حكم بالسجن وغرامة باهظة بحق صانعة محتوى شهيرة في الأردن
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • تضرر أثناء الحرب.. إيران تعلن عودة 3 منصات في حقل بارس الجنوبي إلى الإنتاج
  • العالم الرقمي وتأثيره النفسي.. تحذيرات متصاعدة من الاستخدام المفرط