الجزيرة:
2026-06-02@17:23:39 GMT

هل أصلح روبيو الشرخ الكبير؟

تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT

هل أصلح روبيو الشرخ الكبير؟

مؤتمر الأمن الذي ينعقد بميونخ موعد دولي ينتظره خبراء الدراسات الإستراتيجية ليطلعوا على بورصة العلاقات الدولية، والتوجهات الجيوسياسية في العالم، أو خطاب خارج المألوف.

في دورة سنة 2007، أعلن بوتين، في نبرة مفاجئة، عن شجبه الأحادية القطبية في خطاب يحمل نُذر الحرب الباردة، وفي السنة الماضية، قرّع نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، أوروبا، بسبب ما اعتبره خيانتها قيم الغرب، ومنها حرية التعبير.

وتعزز التوجه الأمريكي الذي ينأى عن أوروبا، مع تقريع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الرئيس الأوكراني فولوديمير زلينسكي بالبيت الأبيض. ومن حينها والعلاقات الأوروبية الأمريكية تعيش نشوزا وأسئلة حول مآل العلاقات بين العالَمين.

ولم تشذّ نبرة الجفاء في منتدى دافوس، في الشهر المنصرم، سواء في خطاب ترمب، أو الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أو رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، مما يشي بضعف الثقة بين العالَمين. لذلك كان المتابعون هذه الدورة من مؤتمر ميونخ، يتوقعون خطابا يرسّخ الشرخ بين الحليفين.

بدأ مؤتمر ميونخ مع خطاب ماكرون بالدعوة لأوروبا قوية، أي ضمنيا عدم الارتكان للمظلة الأمريكية. وذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس المذهب نفسه، بالقول إن العلاقات الأمريكية الأوروبية تشهد شرخا متزايدا.

لكن المفاجأة كانت خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي ألقاه في يوم عيد الحب، والذي يقطع تماما مع الاتجاه العام حول الشرخ في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، ويعيد إلى الأذهان الترابط بينهما.

كان خطاب روبيو أشبه بمرافعة فلسفية منه لعرض حول محاور السياسة الخارجية، ركز فيه على الجذور الحضارية المشتركة ما بين أوروبا والولايات المتحدة.

لم يتضمن الخطاب إحالات للحرب أو الأمن، أو تحديد عدو أو خصم، أو تحيين خطاب الحرب الباردة. كان خطابا أكاديميا يحيل إلى القيم المشتركة ما بين أوروبا والولايات المتحدة، ومنها الحرية وسيادة القانون، وفورة العلم، ودور الجامعات، وهي مبادئ بزغت في أوروبا، كما لمّح للنتاج الحضاري والثقافي لأوروبا الذي يتشكل منه جوهر ونَسْغ الغرب، وعرّج على التجربة التي خاضها الرواد من الأوروبيين في أمريكا، من إنجليز وأيرلنديين وألمان وإسبان وفرنسيين.

إعلان

ليس هناك قطيعة ما بين الولايات المتحدة وأوروبا، فأمريكا في نهاية المطاف هي وليدة أوروبا. عيبهما أنهما بعد أن كسبتا الحرب الباردة ظنتا أن التاريخ انتهى، وأن التجارة يمكن أن تقرب بين الشعوب، ولكن العولمة- ولم يُسمها- لم تكن في صالح الغرب: هددت صناعته، وأفقرت شعوبه، وتهدد بهلهلة سبيكته الاجتماعية من خلال الهجرة، ولذلك فاليقظة لازمة للحفاظ على الحضارة الغربية؛ لأن القوة لا تفيد إلا لحماية شعوب ودول ومواطنين.

لم يتضمن الخطاب أي إحالة لصراع حضارات، وإن كان يحيل ضمنيا إليه. لم يُلغ المؤسسات الأممية القائمة ولا دورها، ومنها الأمم المتحدة، ولكن وقف على عجزها في تحقيق الأمن والسلم.

لم تتسم نبرة روبيو بالحدة، كما في خطابات ترمب، ولذلك تنفس كثير من الأوروبيين الصعداء لخطاب مُطمئن، يقطع مع ما تواتر من الخطابات الأمريكية حول أوروبا العبء، التي تقتات من الولايات المتحدة، وأوروبا التي تنكر أفضالها عليها.

بيد أن كثيرا من المراقبين لم يغتروا كثيرا بالنبرة المطمئنة للخطاب؛ ذلك أن روبيو إن ذكّر بالماضي المشترك ما بين الولايات المتحدة وأوروبا، والمستقبل الواحد، فذلك ليحيل ضمنيا إلى أن أمريكا هي من سيقود المستقبل، وأن على أوروبا أن تنغمر في ركابها. قائد الركب، حتى لا يغترنَّ أحد، أو يخطئنَّ أحد، هي الولايات المتحدة. هي حاملة راية الغرب، ودور أوروبا هو الولاء والتبعية لها، أو ما يسميه البعض بالولاء السعيد، على أنقاض العولمة السعيدة.

لذلك بقي كثير من المحللين في أوروبا، وفرنسا خاصة على حذرهم من الخطاب المطمئن الذي يدخل في توزيع المهام ما بين الخارجية الأمريكية، ووزارة الدفاع، أو وزارة الحرب كما أضحت تسمى.

كلمة البنتاغون تعلو على كلمة "فوكي باتوم" (مقر وزارة الخارجية الأمريكية)، ومرجعية السياسة الخارجية هي تلك التي نشرها البنتاغون قبل نهاية السنة المنصرمة حول الأمن القومي، ولا تجعل أوروبا ضمن أولوياتها.

يحمل خطاب روبيو ملامح أمريكا بيضاء ومسيحية، تَدين بوجودها لأوروبا، ولا شيء غير أوروبا. ولا يرى في الهجرة إلا خطرا يتهدد صفاء المجتمعات الغربية

قد لا يبلغ الأمر حد الطلاق بين أوروبا والولايات المتحدة، ولكن الانفصال قائم، رغم الماضي المشترك. تأذّى رأس مال الثقة بين العالمين لكي يرممه خطاب، ورسالة تهدئة. لكن الخطورة الكبرى، هو أن خطاب روبيو ينقل التناقض بداخل أوروبا. يضحي روبيو من هنا عراب الخطابات التي تتمحور حول الهوية في أوروبا، أو للدقة، يحضن الاتجاهات اليمينية المتطرفة، وفي هذا لا يختلف روبيو عن فانس إلا في النبرة والأسلوب.

استدعى خطاب روبيو قراءة أخرى، وهي أنه يتموقع بداخل المشهد الأمريكي، في حلبة الرئاسيات الأمريكية، وأنه مرشح محتمل، أو بتعبير أكثر وضوحا، يتهيئ لما بعد ترمب.

لكن هل يمكن لخطاب روبيو أن يكون أرضية متفقا بشأنها داخل الولايات المتحدة؟

يحمل خطاب روبيو ملامح أمريكا بيضاء ومسيحية، تَدين بوجودها لأوروبا، ولا شيء غير أوروبا. لا يرى في الهجرة إلا خطرا يتهدد صفاء المجتمعات الغربية. يخلو خطاب روبيو من أي إشارة لمن هم أصولهم أفريقية، وجزء مهم من نسيج الولايات المتحدة، عقب نشأتها، يعود إليهم، كما لم يشر للوافدين من أمريكا اللاتينية، وهو يتحدر منهم.

إعلان

القدح المذيب غائب في خطاب روبيو، وهو غياب سيكون له تأثيره إن خامرت الرغبة روبيو في أن يخوض غمار الرئاسيات، لأن أكثر من نصف الولايات المتحدة منذ إحصاء 2012 لم يعودوا من البيض، ومن شأن نظرته المختزلة للرهان المشترك للإنسان الأبيض في أوروبا وأمريكا، أن يبعث هواجس الإنسان غير الأبيض في الولايات المتحدة، ويثير ما يسمى فيها بالرد الثقافي.

هل يسعفه تجاهل أمريكا غير البيضاء في قطف التذكرة للبيت الأبيض؟

صفوة القول، لا يمكن لخطاب روبيو أن يحمل تغييرا جوهريا في السياسة الخارجية الأمريكية رغم الطمأنات التي حملها. إنه يذكّر بالخطب البلاغية التي تروق للآذان حينما يحتدم الصراع ولا تغيّر شيئا، كما خطاب أوباما في القاهرة 4 يونيو/حزيران 2009، حين صدع بأن الإسلام جزء من تاريخ أمريكا، في غمرة صراع الحضارات. ومن السابق لأوانه إعادة تقييم السياسة الخارجية الأمريكية بناء على خطاب روبيو.

الحقيقة التي تفرض نفسها بجلاء، أن الغرب لم يعد يشكل وحدة، وأن أوروبا تعيش أزمة وجودية، وأن الوحدة السياسية والعسكرية المنشودة، يمكن أن تتمخض على مزيد من التباعد بين أقطاب أوروبا: بين فرنسا وألمانيا، من جهة وبريطانيا من جهة أخرى، بين هذه الدول مجتمعة وإيطاليا، وبولندا اللتين تجريان في ركاب الولايات المتحدة، وبين إسبانيا وبعض الدول الإسكندنافية التي تنظر إلى الولايات المتحدة، مثلما تنظر الولايات المتحدة إليها بتوجس شديد.. لا يمكن لهذه الدول مجتمعة أن تتكلم بلسان واحد حول إقليم غرينلاند، وأوكرانيا، ومستقبل الناتو، ناهيك عن الدفاع المشترك.

ينبغي انتظار خطاب حالة الوحدة الذي سيلقيه الرئيس الأمريكي، في بحر هذا الشهر، والقرارات التي من شأنه أن يتخذها بخصوص إيران، لمعرفة وجهة السياسة الخارجية الأمريكية، أما خطاب روبيو في مؤتمر ميونخ، فيقدم تصورا للسياسة الخارجية الأمريكية، مع وقف التنفيذ.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الخارجیة الأمریکیة الخارجیة الأمریکی الولایات المتحدة السیاسة الخارجیة خطاب روبیو فی أوروبا فی خطاب ما بین

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • مرموش يطير إلى الولايات المتحدة للانضمام لمعسكر المنتخب
  • ماركو روبيو يبرر الحرب الأمريكية ضد طهران بمحاولتها بناء درع تقليدي
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • أستاذ علوم سياسية: لقاء الرئيس السيسي بقيادات المنظمات اليهودية الأمريكية دبلوماسية رئاسية نشطة في توقيت حساس
  • بعيدًا عن الولايات المتحدة.. لماذا اختارت إيران الإقامة في المكسيك خلال المونديال؟
  • لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي تمهد الطريق أمام اعتماد اتفاق الرسوم الجمركية مع الولايات المتحدة
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • الإسكان: موعد طرح "سكن لكل المصريين 9"
  • البنتاجون يُخطط للانسحاب الجزئي للقوات الأمريكية من نظام الدفاع الأوروبي
  • باحثة سياسية: مفاوضات الولايات المتحدة وإيران تخضع لحسابات المصالح والمكاسب المتبادلة