يأتي رمضان كل عام وكأنه رسالة هادئة إلى القلب قبل أن يكون تغييرًا في مواعيد الأيام يتبدّل شيء غير مرئي في الداخل تخفّ وطأة العجلة وتلين حدّة الانفعال ويصبح الإنسان أكثر ميلًا للصمت المتأمل من الضجيج المستنزف لا لأن الحياة صارت أسهل بل لأن النفس وجدت فسحة تعود فيها إلى أصلها النقي بعيدًا عن تراكمات التعب والتشتت.

ففي هذا الشهر فنحن لا نصوم عن الطعام فحسب، بل نصوم من حيث لا نشعر  عن القسوة، وعن الاندفاع وعن الفوضى الداخلية التي تستهلك أعصابنا وتجعلنا أكثر حدّة مما نريد ومع هذا الامتناع الهادئ يبدأ القلب في استعادة حساسيته الأولى يصبح أكثر رهافة تجاه مشاعر الآخرين وأكثر حرصًا على ألا يؤذي، لا بالكلمة ولا بالنبرة ولا حتى بالتجاهل.

حين يجوع الجسد قليلًا، تشبع الروح أكثر وينخفض ضجيج الرغبات فيعلو صوت المعنى يشعر الإنسان أنه ليس مجرد كائن يسابق الوقت بل روح لها احتياجها إلى السكينة، وإلى القرب، وإلى الطمأنينة التي لا يمنحها إنجاز ولا يشتريها انشغال. لذلك نلاحظ أننا في رمضان نميل إلى العفو بسهولة وإلى الصفح دون حسابات طويلة، وكأن القلب يتذكّر طبيعته الرحيمة التي غطّتها قسوة الأيام.

كما أن لرمضان دفئًا اجتماعيًا خاصًا، موائد تجمع ما فرّقته المشاغل ورسائل تصل بعد انقطاع ووجوه نلتقي بها بصدق لا مجاملة فيه يشعر الإنسان أنه ليس وحده في هذا العالم، وأن الروابط التي تجمعه بالآخرين أعمق من الخلافات الصغيرة التي أرهقته هذا الشعور بالانتماء يهدّئ الخوف الخفي في الداخل ويمنح النفس طمأنينة تجعلها أكثر لطفًا وأقل دفاعية.

والأجمل أن رمضان يمنحنا لحظات يومية نادرة نكون فيها مع أنفسنا دون أقنعة لحظات دعاء صادق أو سكون بعد صلاة أو تأمل صامت قبل الإفطار في هذه اللحظات يهدأ كل شيء إلا القلب فيتحدث بصدق لم نعتده نتذكر ما نحتاجه حقًا وما أهملناه، وما أثقلنا دون ضرورة وحين نصغي لأنفسنا بهذا العمق، تتوازن أرواحنا فنصبح أهدأ في الحكم وأرحم في التعامل وأصدق في المشاعر.

لهذا نكون أفضل في رمضان لأننا نكون أقرب إلى حقيقتنا لا إلى أدوارنا لا نتصرف بدافع السباق أو القلق أو الرغبة في إثبات شيء بل بدافع صفاء داخلي يجعلنا نختار اللطف حتى حين نستطيع القسوة ونختار الصمت الحكيم بدل الكلمة الجارحة ونختار حسن الظن بدل التفسير القاسي.

ومع انتهاء الشهر لا تختفي هذه النسخة المضيئة منا لكنها تتراجع خلف عودة الضجيج تعود الأيام مسرعة، وتعود معها الضغوط فنبتعد تدريجيًا عن تلك المساحة النقية التي التقينا فيها بأنفسنا نظن أننا تغيّرنا بينما الحقيقة أننا فقط انشغلنا من جديد.

إن سرّ رمضان ليس في اختلاف الزمن بل في عمق اللقاء مع الذات إنه يذكّرنا بأن داخل كل إنسان نبعًا من الرحمة والسكينة يمكن أن يفيض متى وجد لحظة صدق وهدوء فإذا استطعنا أن نحمل شيئًا من هذا الصفاء معنا بعد انقضائه مثل كلمة طيبة، قلبًا أوسع، نفسًا أكثر طمأنينة فإن أثره يظل ممتدًا لا تحدّه الأيام ولا تنهيه الشهور.

رمضان لا يصنع فينا إنسانًا جديدًا بل يعيدنا إلى الإنسان الجميل الذي كنا عليه قبل أن تثقلنا الحياة وحين نتذوق هذا الصفاء مرة ندرك أن الطريق إليه ليس بعيدًا… إنه يبدأ دائمًا من لحظة هادئة نعود فيها إلى أنفسنا فنجد أن الخير ما زال هناك ينتظر أن نلتقي به من جديد.

طباعة شارك رمضان عام القلب مواعيد الانفعال الطعام القسوة

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: رمضان عام القلب مواعيد الانفعال الطعام القسوة

إقرأ أيضاً:

ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

مقالات مشابهة

  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • لماذا تغيب بعض المواهب عن الشاشة؟.. طارق الشناوي يجيب
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • حسني بي: الثروة يجب أن تصل إلى المواطن نقدا لا إلى المهرب سعرًا
  • قصة محمد الطبال تشعل السوشيال ميديا في ليبيا.. ماذا فعل نجم السويحلي؟
  • الأُخوّة عندما تُختبر.. لا حين تُكتب في الديباجات
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش