ترمب والمحكمة العليا.. إبطال الرسوم الجمركية يضع أمريكا أولا أمام اختبار الدستور
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
لم يكن حكم المحكمة العليا الأمريكية بإبطال معظم الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب مجرد قرار قانوني بشأن الرسوم الجمركية، بقدر ما كان لحظة اختبار حقيقية لحدود السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة.
وأوضحت المحكمة أن القوانين التي استند إليها البيت الأبيض لا تمنح الرئيس سلطة واسعة لفرض مثل هذه الضرائب دون موافقة واضحة من الكونغرس.
واللافت أن التغطية الواسعة في الصحف الأمريكية والبريطانية للحدث لم تركز فقط على الأثر الاقتصادي لإلغاء الرسوم، بل قرأت الحكم بوصفه مواجهة مباشرة بين رؤية رئاسية توسعية وبين نظام دستوري يقوم على الضوابط والتوازنات.
فالقارئ لهذه الصحف الصادرة عقب حكم المحكمة العليا أمس سيجد أنها تناولت بشكل واسع توضيح الحكم، وما يمثله اقتصاديا وسياسيا لترمب، ونتائجه المباشرة على تقييد طموحات الرئيس لتوسيع سلطاته، على حساب السلطات الأخرى في الدولة.
وبينما اعتبر منتقدو ترمب قرار المحكمة العليا بإلغاء الرسوم الجمركية انتصارا لسيادة القانون، رآه أنصاره تقويضا لقدرة الولايات المتحدة على خوض معاركها التجارية في عالم مضطرب.
لا يُنظر إلى هذا الحكم في واشنطن بوصفه نزاعا تجاريا فحسب، بل حلقة جديدة في سلسلة الصراع المزمن حول حدود السلطة التنفيذية
ولا يُنظر إلى هذا الحكم في واشنطن بوصفه نزاعا تجاريا فحسب، بل حلقة جديدة في سلسلة الصراع المزمن حول حدود السلطة التنفيذية، وهو ما جعل عددا من رجال القانون يقارنون قرار المحكمة الحالي بقرارها التاريخي عام 1952 في قضية استيلاء الرئيس هاري ترومان على مصانع الصلب.
ففي كلتا الحالتين، حاول رئيس أمريكي توسيع صلاحياته استنادا إلى ضرورات اقتصادية أو أمنية، لتأتي المحكمة وتؤكد أن الاستثناء لا يمكن أن يتحول إلى قاعدة، وأن إعلان الطوارئ لا يعفي السلطة التنفيذية من العودة إلى الكونغرس عندما يتعلق الأمر بفرض أعباء مالية واسعة على الاقتصاد.
إعلان ضربة قويةوقالت فايننشال تايمز البريطانية إن هذا الحكم يُعد ضربة قوية لمفهوم السلطة التنفيذية غير المحدودة في السياسة الاقتصادية، ويُبرز أن القرارات الاقتصادية الكبرى مثل فرض الضرائب (الرسوم الجمركية) لا يمكن أن تكون مجرد اختيار تنفيذي، بل تحتاج إلى تفويض صريح من الكونغرس.
ويأتي هذا القرار في وقت حساس سياسيا، حيث كان ترمب يعتزم توسيع نطاق هذه الرسوم، وقد جعل منها حجر الزاوية في أجندته "أمريكا أولا"، بحجة أنها ستحمي الوظائف المحلية وتوفر نفوذا في المفاوضات التجارية.
وقد جمعت الحكومة نحو 134 مليار دولار من هذه الرسوم حتى منتصف ديسمبر/كانون الأول الماضي، مما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية حول استرداد هذه الأموال. وأشارت بعض الصحف إلى أن قرار إلغاء الرسوم يثير أسئلة حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد تكون مضطرة إلى إعادة مبالغ كبيرة جُمعت من تلك الرسوم إلى الشركات والمستهلكين المتضررين.
الضوابط والتوازنات
ووصف كثير من المعلقين هذا الحكم بأنه يؤكد صمود نظام "الضوابط والتوازنات" والفصل بين السلطات، إذ أثبت أن الرئيس الأمريكي، رغم تركيزه على السلطة التنفيذية، لا يمكنه الحكم دون قيود؛ حيث تصدت له المحكمة (بما في ذلك قضاة عينهم هو بنفسه) لتؤكد أن صلاحيات الطوارئ لها حدود قانونية لا يمكن تجاوزها.
ومن بين النتائج الفورية للحكم تقليص نفوذ "صندوق أدوات" ترمب، إذ فقد أقوى أسلحته التفاوضية مع الدول الأخرى (الرسوم الجمركية المرتفعة للغاية)، وأصبح مضطرا إلى اللجوء إلى قوانين بديلة تمنحه هوامش مناورة ضيقة جدا (15% كحد أقصى) ولفترات زمنية قصيرة، مما يضعف موقفه أمام القوى الدولية كالصين وكندا على سبيل المثال.
نكسة معنوية وسياسيةوفي هذا المعنى قالت صحيفة تايمز البريطانية إن هذا الحكم يمثل رسالة سياسية قبيل الانتخابات التكميلية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، ويُعتبر نكسة معنوية وسياسية لترمب، حيث يكسر صورة القائد الذي يفرض إرادته بالقوة، ويفتح الباب أمام الخصوم (الديمقراطيين) للمطالبة بتعويضات للمتضررين مما وصفوه بـ"الضرائب غير القانونية".
وحذر خبراء من أن إلغاء الرسوم سيؤدي إلى "فوضى" لوجستية وقانونية، حيث تصطف الشركات للمطالبة باسترداد مبالغ قد تتجاوز 100 مليار دولار، في حين لم تقدم المحكمة العليا توضيحا حول كيفية إدارة عملية استرداد هذه الأموال.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن هذا الحكم كان متوقعا نظرا لشكوك القضاة في ادعاء الإدارة بأن الرئيس يمكنه فرض رسوم على أي دولة لأي سبب ولأي مدة، لكن التساؤل ظل قائما حول رغبة المحكمة في كبح جماح ترمب.
وترى نيويورك تايمز أيضا أن الحكم سيقلص بشكل كبير قدرة الرئيس على إثارة "الفوضى الاقتصادية" لاعتماده الآن على قوانين أكثر تقييدا، واعتبرت الصحيفة وكذلك كل الصحف أن الحكم ينتصر لسيادة القانون.
وستجعل القيود الجديدة من الصعب على ترمب استخدام الرسوم "هراوة" ضد الدول الأخرى لانتزاع تنازلات، حيث تتطلب القوانين البديلة إجراءات وتحقيقات مطولة تجعل من الصعب فرضها أو إلغاءها بقرار لحظي.
مأزق سياسيكذلك، نجد أن الحكم وضع ترمب في مأزق سياسي، وتركه أمام خيار صعب؛ فإما التراجع عن وعوده الانتخابية التي وصفت الرسوم بأنها "أجمل كلمة في القاموس"، أو خوض معركة شاقة في الكونغرس للحصول على موافقات تشريعية، وهو أمر غير مضمون النتائج في ظل الانقسام الجمهوري والقلق من تضرر المستهلك الأمريكي.
إعلانلذلك، نجد أن ترمب، انتقد الحكم على الفور ووصفه بأنه "قرار سياسي" يضعف قدرة البلاد على المنافسة عالميا، متعهدا بإيجاد سبل بديلة لمواصلة سياساته الحمائية، كما وصف القضاة الذين حكموا ضده بأنهم "غير وطنيين للغاية" و"حمقى".
أهان نفسهوعلقت صحيفة وول ستريت جورنال على رد ترمب على الحكم قائلة إن الرئيس أهان نفسه وهو يشن هجوما على المحكمة العليا، وقالت إنه مدين للمحكمة باعتذار، سواء للقضاة الذين شهّر بهم يوم الجمعة أو للمؤسسة ذاتها.
وبينما تنشغل الشركات بحساب كلفة الاسترداد المحتملة، وتبحث الإدارة عن مخارج قانونية بديلة، يبدو أن الحكم يتجاوز ملف الرسوم الجمركية ليعيد طرح سؤال قديم في السياسة الأمريكية: إلى أي مدى يمكن للرئيس أن يحكم عبر أدوات الطوارئ؟
وفي ظل انقسام سياسي حاد واقتراب استحقاقات انتخابية حساسة، قد يتحول هذا الحكم من معركة قانونية إلى محطة فاصلة في إعادة تعريف العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، وربما في رسم حدود المرحلة المقبلة من رئاسة ترمب.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات السلطة التنفیذیة الرسوم الجمرکیة المحکمة العلیا هذا الحکم أن الحکم لا یمکن
إقرأ أيضاً:
ترامب مخاطباً نتنياهو: «أنت مجنون ولولاي لكنت في السجن»
أفاد مسؤولان أمريكيان ومصدرٌ مطلعٌ بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وجّه انتقاداتٍ حادةً ولاذعةً إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اتصالٍ هاتفيٍ وُصف بأنه “الأسوأ” بين الطرفين، وذلك على خلفية التهديد الإسرائيلي بقصف العاصمة اللبنانية بيروت، في تطورٍ يعكس تصاعد التوتر داخل أروقة القرار بين الحليفين.
وبحسب ما نقله موقع “أكسيوس”، استخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لهجةً شديدةً خلال الاتصال، واصفاً نتنياهو بـ”المجنون”، ومتهماً إياه بنكران الجميل، في إشارةٍ إلى الدعم الذي قدمه له خلال فترة محاكمته في قضايا الفساد، وفق تعبير المصادر.
وأضافت المصادر أن ترمب حذّر من أن أي استهدافٍ لبيروت سيقود إلى تعميق عزلة إسرائيل على الساحة الدولية، متهماً نتنياهو بالتسبب في تراجع صورة إسرائيل عالمياً، حيث قال له بلهجةٍ غاضبة: “الجميع يكرهك حالياً، والجميع بات يكره إسرائيل بسبب هذا الأمر.. ما الذي تفعله بحق الجحيم؟”، في واحدةٍ من أكثر العبارات حدّةً المنسوبة للاتصال.
وفي سياقٍ متصل، أشارت المصادر إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبّر عن غضبٍ بالغٍ، في وقتٍ كانت فيه إيران تهدد بوقف مفاوضاتها مع واشنطن بسبب العمليات الإسرائيلية في لبنان، ما أضاف مزيداً من التعقيد على المشهد الإقليمي المتوتر.
كما أورد المصدر تفاصيل إضافية قال فيها إن ترمب صرخ خلال الاتصال قائلاً: “أنت مجنون تماماً. لولاي لكنت في السجن الآن. أنا من أنقذ عنقك”، في إشارةٍ إلى دوره المزعوم في دعم نتنياهو خلال أزماته القانونية.
في المقابل، أوضح مسؤولٌ أمريكي أن ترمب رغم حدّة انتقاداته، أبدى تفهماً لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة هجمات حزب الله، إلا أنه اعتبر أن توسيع العمليات البرية واستهداف مناطق مدنية، بما في ذلك تدمير مبانٍ كاملة بهدف تصفية قيادات، يثير قلقاً بالغاً ويهدد الاستقرار الإقليمي.
وبحسب كواليس الاتصال، شدد ترمب على أن استمرار هذا النهج العسكري قد يقوّض جهوده الدبلوماسية مع طهران، خصوصاً في ظل وجود مقترحات مطروحة تتعلق بإنهاء القتال في لبنان واحتواء التصعيد.
وفي المقابل، أكد مسؤولٌ إسرائيلي أن تل أبيب لا تخطط حالياً لاستهداف مواقع داخل العاصمة بيروت، فيما أوضح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في بيانٍ لاحقٍ أنه أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بأن إسرائيل ستواصل عملياتها إذا استمرت هجمات حزب الله، مضيفاً: “موقفنا لم يتغير”.