السياسة العُمانية.. جذرها الشعب وثمرتها المصداقية
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
سلطان بن خلفان اليحيائي
منذ قرونٍ وعُمان تعرف طريق البحر كما تعرف طريق البر. سفنها جابت السواحل، وتجارها بلغوا موانئ بعيدة، لكنهم حملوا سمعةً واحدة: كلمةٌ تقال وتحترم.
في شرق أفريقيا وآسيا لم يكن العُماني يعرف بكثرة حديثه، بل بثبات موقفه. ومنذ عهد الأئمة مرورًا بالدولة البوسعيدية ترسخت قاعدة واضحة: إذا قالت عُمان فعلت.
هذا الإرث لم يبق في كتب التاريخ، بل أصبح نهجًا سياسيًا حاضرًا، استمر واضحًا من عهد السلطان قابوس بن سعيد - طيب الله ثراه - إلى عهد السلطان هيثم بن طارق - وفقه الله. خط واحد: توازن في العلاقات، وضوح في المواقف، وابتعاد عن الاستعراض.
لماذا تصدق عُمان؟
لأنها لا تعد بما لا تستطيع، ولا تدخل في خصومات علنية، ولا تنجرف خلف موجات عابرة. تقول ما تعنيه وتلتزم بما تقول. هذه البساطة الصادقة هي سر قوتها.
في أزمات إقليمية مُعقدة كانت مسقط محطة لقاء. تعمل بهدوء وتفضل النتائج على العناوين. لذلك، حين تتعقد الملفات، يتجه المختلفون إليها؛ لا لأنها تبحث عن دور، بل لأنهم يبحثون عمن يثقون به.
التوازن قوة لا ضعف
التوازن العُماني ليس حيادًا باردًا، بل اختيار محسوب. إبقاء الجسور قائمة حتى في أصعب الظروف، وإدارة الخلاف بالحوار لا بردود الفعل المتسرعة. ثبات عند العاصفة، لا تلون مع الرياح.
ملجأ المختلفين
ميزة السياسة العُمانية أنها تحفظ للجميع كرامتهم. لا تحرج طرفًا ولا تقصي آخر. حين تستضيف حوارًا يكون هدفها تقريب وجهات النظر لا تسجيل النقاط. هكذا تراكم احترامٌ حقيقي عبر السنوات.
الثقة لا تمنح سريعًا؛ بل تبنى بمواقف متزنة على مدى طويل. دولة تعرف حجمها وتدرك قيمة سمعتها، فتبقى صورتها واضحة: شريك صادق يمكن الاعتماد عليه.
الشعب.. الجذر الحقيقي
قوة السياسة لا تولد في القاعات الرسمية وحدها، بل في سلوك الناس. هنا يكمن العمق الحقيقي في التجربة العُمانية.
عندما أبحر العُمانيون إلى سواحل شرق أفريقيا والهند لم يذهبوا جيوشًا فاتحة، بل تجارًا وبحارة وصناع علاقات. في زنجبار ومومباسا وغوجارات كسبوا احترام الناس بعدلهم وأمانتهم. اندمجوا مع المجتمعات وأقاموا تجارة عادلة وتركوا أثرًا طيبًا قبل أي نفوذ.
أمانة في البيع، وعدل في الحكم، ووفاء بالعهد؛ لم تكن صفات عابرة، بل طبعًا راسخًا شكل الشخصية العُمانية: هدوء في الطبع، احترام للآخر، وكلمة توزن قبل أن تقال. لا ميل إلى المباهاة، ولا رغبة في إقصاء المختلف، بل استماع قبل الحديث وثبات عند الموقف.
ومن هنا انعكس طبع المجتمع على سلوك الدولة؛ فالدولة صورة أكبر لشعبها. حين تصبح الأخلاق ثقافة عامة تكون المصداقية نتيجة طبيعية، وحين يكون التواضع قيمة راسخة يصبح التوازن خيارًا دائمًا لا حلًا مؤقتًا.
مسؤولية متبادلة حتى يبقى المعدن أصيلًا
الشعب هو الجذر، والسياسة ثماره. والحفاظ عليه واجب ووفاء. المواطن ليس رقمًا في خطط التنمية، بل الأساس الذي تقاس به سمعة الدولة. وكلما شعر بالإنصاف والتقدير ازداد ثباته، وانعكس ذلك على موقف الوطن في الخارج.
المصداقية في الخارج تبدأ بالعدل في الداخل. حين يشعر المواطن بأن وطنه دعامة صلبة تبقى السياسة متينة، لا تهزها المستجدات ولا تغيرها الرياح.
الصفات الطيبة تحتاج بيئة عادلة وفرصًا حقيقية وعيشًا كريمًا يحفظ الكرامة. الضغط المستمر قد يرهق حتى أكثر الناس صلابة، وإذا تسللت الحاجة إلى النفوس أثرت في الصفات التي نعتز بها. الحفاظ على إنسان كريم هو حفاظ على السياسة نفسها. السيادة لا تصان بالشعارات، بل بمواطن مطمئن يرى في وطنه ملاذًا يمنحه الثقة والقوة.
الإكسير الحقيقي
في عالم تتغير فيه المواقف سريعًا تبقى الثقة هي الأساس. قد تمتلك الدول أدوات كثيرة، لكن من دون مصداقية تبقى ناقصة مهما كثرت.
السياسة العُمانية.. جذرها الشعب وثمرتها المصداقية
هذا الإكسير خرج من تاريخ طويل وطبيعة شعب متزن. لذلك، في زمن تتقلب فيه المواقف، يبقى اسم عُمان مرادفًا للثبات؛ لا لأنها الأعلى صوتًا، بل لأنها الأصدق عهدًا، والأوضح موقفًا، والأثبت التزامًا.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
زيارات الجبهات.. رسالة تلاحم وصمود في مواجهة الأعداء
فمنذ بدء العدوان بقيادة أمريكا والسعودية والإمارات في مارس 2015م، شكلت الجبهة الاجتماعية واحدة من الوسائل لرفع معنويات رجال الرجال في الجبهات، وزادتهم عزيمة وإصراراً على مواصلة أداء واجبهم الوطني، وهو ما يشاهده العالم في صمود الشعب اليمني وثباته في مواجهة الطغاة والمستكبرين وعلى رأسهم أمريكا وإسرائيل وأدواتهما في المنطقة، رغم فارق العدة والعتاد.
أبناء محافظة صنعاء السباقون في تعزيز الجبهة العسكرية لمواجهة العدوان يعتبرون زيارات المرابطين واجبًا وطنيًا وعملًا جهاديًا وإنسانيًا يكتسب أهمية كبرى وأبعادًا استراتيجية عميقة في ترسيخ الجبهة الداخلية ورفع الروح المعنوية، وتعزز الروابط المجتمعية والتلاحم الشعبي مع القوات المسلحة.
فلا يمر عيد أو مناسبة إلا وكان في مقدمة برنامجها زيارات الجبهات وتفقد أحوال المرابطين وتقديم الهدايا والقوافل، ومشاركتهم الأفراح العيدية، بهدف توثيق العلاقة بين رجال الجبهات وإشعارهم بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأن الشعب يقف خلفهم ويثمن تضحياتهم.
وتعكس الزيارات واللقاءات المباشرة للقيادات والشخصيات الاجتماعية مستوى العرفان بالجميل لأبطال يتركون أسرهم وبيوتهم لحماية الوطن، مما يعزز لديهم العزيمة والثبات، والأثر الكبير في شحذ الهمم واستلهام معاني الصبر.
وتمثل الزيارات أبعادًا استراتيجية تحمل في مضمونها رسالة قوية للخصوم والمتربصين بأن الجبهة الداخلية متماسكة وأن الشعب بكافة فئاته ملتف حول قضيته ومساند لخياراته، فضلا عن اسهامها في حالة الدعم النفسي والاجتماعي وزيادة تماسك القوات واستمرار الجاهزية العالية في مواقع الشرف والبطولة.
واستشعارًا للمسؤولية يواصل كافة أبناء الشعب اليمني صمودهم وثباتهم لإفشال كل المؤامرات والمخططات التي تستهدف الوطن، حيث أثبتوا أن الإرادة اليمنية قادرة على تجاوز التحديات وصناعة النصر مهما بلغت التحديات والتضحيات.
وأكد محافظ صنعاء عبد الباسط الهادي أن الأعياد الحقيقية تصنعها بنادق الأبطال في ثغور العزة والكرامة، ومن مشاركة هؤلاء الرجال العظماء مرابطتهم واستبسالهم يكتسب العيد معناه الأسمى.
وقال: "نزور الجبهات لننحني إجلالًا أمام هؤلاء الأبطال الأشاوس الذين يذودون عن حياض الوطن وعزته وسكينته في وقت يقضي فيه الجميع العيد بين أهليهم وذويهم، إنهم الصخرة الصماء التي تتحطم عليها كل المؤامرات".
وعبر المحافظ الهادي عن فخره واعتزازه بما لمسه من معنويات وجهوزية قتالية عالية لدى المرابطين، مشيرًا إلى أن هذه الروح الوثابة تطمئن أبناء الشعب بأن وطنهم في أيدٍ أمينة.
وأشار إلى أن هذه الزيارات في ظل مرحلة استثنائية يخوض فيها اليمن معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس، مؤكدًا أن موقف الشعب اليمني لن يتزحزح عن موقفه المبدأي في نصرة الشعب الفلسطيني وغزة، ومواجهة أي تصعيد من قبل أمريكا، وبريطانيا، وإسرائيل.
فيما أكد وكيل أول المحافظة حميد عاصم أن الواجب الوطني والمجتمعي في تقديم القوافل الغذائية والهدايا العيدية ليس مَكرمة، بل هو أقل الواجب وأدنى ما يمكن تقديمه لمن يقدمون أرواحهم رخيصة في سبيل الله والوطن، مشيرًا إلى أنها تمثل رسالة واضحة بأن القيادة والمجتمع يقفون صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص خلف أبطالهم المرابطين في الجبهات.
وأشاد بالوعي الكبير والسخاء اللا محدود لأبناء المحافظة، الذين لم يبخلوا يومًا بتقديم الغالي والنفيس، مؤكدًا أن هذا التلاحم بين الجبهة الشعبية والجبهة العسكرية هو السر الحقيقي وراء كل الانتصارات المحققة.
بدوره أكد مسؤول التعبئة العامة بالمحافظة فايز الحنمي أن صمود المرابطين في الجبهات هو الركيزة الأساسية للأمن والاستقرار الداخلي الذي يعيشه المجتمع، لافتاً إلى أن إدارة التعبئة العامة بالمحافظة، إلى جانب المرابطين سندًا شعبيًا وقبليًا لا يلين، وأن مسارات التدريب والتحشيد مستمرة دون توقف، وخريجو دورات طوفان الأقصى يتسابقون لرفد الجبهات والمشاركة في شرف الدفاع عن الوطن والأمة.
وطمأن المرابطين بأن الحاضنة الشعبية والقبلية في طوق صنعاء مستمرة في رفد الجبهات بالرجال والعتاد وقوافل العطاء.
ودعا الحنمي كافة الوجهاء، وأبناء القبائل الأوفياء في محافظة صنعاء، إلى استمرار اليقظة العالية، والدفع بالشباب إلى مراكز التدريب والتأهيل العسكري، فالعدو يتربص بالجميع، والقوة هي الضمانة الوحيدة لحماية سيادة واستقلال الوطن.