حكاية أبو جمال..بنصف جسد يبني خيمة لتحيا غزة
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
غزة- تحت كتلٍ خرسانية ضخمة مائلة للسقوط، تشبه فكّا حجريا يفترس الفراغ، يغوص ابن قطاع غزة أبو جمال بجسد مبتور القدمين في قلب الغبار، بينما تنبش يداه، اللتان غطّاهما قفازان برتقاليان نال منهما التمزق والكدّ، في أحشاء الردم، تقبضان على بلاطة منسية تحت أطنان الأسمنت، وتنتزعانها كمن يستخرج كنزا من بين الأنقاض.
فالحمل هنا ثقيل، لا يكسره إلا صرير احتكاك الحجارة وأنفاس الرجل المتلاحقة وهو يُطوِّع المستحيل.
وداخل مساحة ضيقة أحاطتها جدران من القماش الأبيض والنايلون الأزرق، يجثو أبو جمال (47 عاما) على أطرافه المبتورة، محوِّلا باطن الخيمة إلى ورشة بناء مصغرة يُنسِّق فيها البلاط المستخرج ببراعة هندسية، ويضعه فوق الرمال الصفراء بدقة متناهية.
ويحرص على أن تكون الأرضية مستوية لتقي عائلته وأبناءه لسعات البرد وتسلل مياه الأمطار، وكل بلاطة يضعها هي حكاية استرداد لجزء من منزله الذي كان يوما عامرا.
العودة فوق الركام
في الخارج، يبدو المشهد خياليا، خيمة بيضاء وحيدة تنتصب كشاهد على البقاء وسط بحر متلاطم من الدمار الرمادي، وأسياخ الحديد الصدئة تبرز من الأسقف المحطمة كأشواكٍ عملاقة، والمباني المجاورة تحوّلت إلى هياكل عظمية بلا أرواح، فيما تمر الريح الباردة، في هذا الشتاء القارس، بين الفتحات الممزقة كأنها تفتش عما تبقى من حياة.
وسط هذا الخراب الشامل، يتحرّك الرجل على يديه بين الركام بسلاسة تكسر منطق العجز، يجمع الأخشاب، ويبحث عن قطعة ملابس ضائعة، ويصنع من "اللاشيء" مكانا صالحا للحياة. إنه مشهد حيّ لإرادة ترفض أن توضع على الرف، تُثبت أن البيوت تُبنى بالإصرار قبل الحجارة، وأن الأرض، التي شربت دماء أصحابها، تمنحهم القوة ليقفوا عليها مجددا، حتى وإن خانتهم أقدامهم.
خيمة أبو جمال ليست مجرد مأوى مؤقت، إنها إعلان عودة، ففي منطقة الساحة وسط مدينة غزة، أمام منزله المدمر مباشرة، قرر أبو جمال أن يعود ليستقر فوق ركامه، إذ لم يعد النزوح خيارا ممكنا، ولا الطوابق العالية تحتمل جسدا أثقله الفقد مرتين.
إعلانويرفع أبو جمال رأسه عن البلاط الذي يرصّه، ويقول بصوت متقطع لكنه ثابت "والله إننا مرغمون على نصب هذه الخيام، فلم نجد مكانا آخر نلجأ إليه، فاستقر بنا الحال في الشارع".
وأشار بيده إلى الطريق الملاصق للركام، مضيفا للجزيرة نت "نحفر الآن تحت أنقاض منزلنا لنستخرج بعض البلاط لرصف أرضية الخيمة، حماية لنا من مياه الأمطار وبرد الشتاء، هذا هو حالنا، فماذا عسانا نفعل في هذه الحياة القاسية؟".
وبعد نزوح متكرر دُمّر فيه منزله على مدار عامي حرب الإبادة، كان أبو جمال يسكن في الطابق السادس من بناية أخرى، في غرفة تعود لأناس "يطالبوننا بإخلائها يوميا"، ويستذكر تلك الأيام قائلا "كنا نتنقل من منطقة إلى أخرى بحثا عن مأوى، ونحمل ما خفّ من أمتعتنا، ونصعد الدرج كما لو كان جبلا لا ينتهي، فأصل إلى الأعلى وأنا أختنق من شدة التعب".
وصمت لحظة، ثم أضاف "بسبب وضعي الصحي الذي لا يسمح لي بالصعود والنزول يوميا، اضطررت لإزالة الردم أمام منزلي ونصب خيمة للسكن فيها، فمشقة الصعود للطابق السادس صعبة جدا بالنسبة لي، كإنسان فقد قدميه في الحرب". وتابع بعدما نظر إلى طرفيه المبتورين قائلا "في تلك الحرب ظننت أنني دفعت الثمن كاملا، لكن يبدو أن للحرب أقساطا طويلة".
وأشار أبو جمال إلى ابنه الأكبر وواصل حديثه "ابني الأكبر أيضا فقد ساقه في حرب الإبادة هذه، وتحديدا بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وكنت أنتظر أن يكون سندي حين تعجزني الأيام، لكننا اليوم عاجزان معا عن بلوغ الطابق السادس".
وحين عاد إلى ركام البيت أول مرة، كما يروي، توقف طويلا أمام الباب الذي لم يعد بابا "وشعرت أنني غريب في مكاني. فنظرت إلى الجدران المحطمة وقلت لنفسي: هنا كانت غرفة الجلوس، وهنا كانت ضحكات الأولاد. لم أبكِ أمامهم، لكن قلبي كان يبكي بصمت". ثم حسم أمره "قلت لنفسي: إن لم أستطع الصعود إلى بيت في السماء، فسأبني بيتا على الأرض، ولو كان خيمة".
وحول الخيمة، بدأت ملامح حياة صغيرة تتشكل، حيث ترتب زوجته الأغطية القليلة التي نجت من الحرب، وطفل أصغر سنا يراقب والده وجده وهو يرص البلاط، ويسأل ببراءة "هل سيعود البيت كما كان؟". يجيبه أبو جمال وهو يربت على رأسه "سيعود أجمل، لأننا سنبنيه بأيدينا".
وإلى جوار الخيمة، يجلس نجله جمال (20 عاما) على قطعة خرسانة كسرتها الحرب، يراقب والده وهو يعمل، وساقه المبتورة لا تزال تؤلمه، لكنه يحاول إخفاء ذلك قائلا "طوال حياتي، كان والدي هو بطلي الذي يمشي على إرادته لا على قدميه، كنتُ أرقبه وهو يصارع الحياة، وأعدُّ الأيام والسنوات لأكبر، لكي أكون أنا ساقيه اللتين يركض بهما، وظهره الذي يستند إليه".
وأكمل للجزيرة نت "كنتُ أقول لنفسي: سأحمله عن درج الطابق الـ6، سأكفيه مشقة الطريق، وكنت أعد نفسي لذلك اليوم، لكن حرب الإبادة كانت أسرع من أحلامي، فصاروخٌ إسرائيلي غادر غيّر قدري، واختطف ساقي، ليجعلني أشاطر أبي العجز ذاته والألم ذاته".
إعلانوحين عاد إلى المكان بعد إصابته، شعر جمال بثقل مضاعف، وقال "نظرتُ إلى أبي مبتور القدمين وهو يحفر الأرض بيديه العاريتين، فشعرتُ بغصة، فبدل أن أرفعه أنا إلى الأعلى، صرنا نبحث معا عن مساحة مستوية وسط الردم لننصب خيمة تسترنا".
وواصل جمال بعد أن مرّ طيف ابتسامة فوق وجنتيه "الوجع ليس في ساقي المبتورة، بل في رؤية والدي يزحف بين الحجارة ليُوفّر لي مكانا أنام فيه. لكنني اليوم، ورغم جرحي الذي لم يندمل تماما، قررت أن أتعلم منه فن الصمود، سأرصف معه هذا البلاط، وسنصنع من حطام منزلنا أرضية صلبة، ولن نسمح لهذا الركام أن يدفن عزيمتنا".
ثم مد يده إلى بلاطة أخرى، وناولها لوالده، وقال متعهدا "نحن هنا، فوق ترابنا، أنصاف أجساد لكن بهامات تلامس السماء. قد نخسر ساقا أو بيتا، لكننا لن نخسر إرادتنا".
ومع اقتراب الغروب، تتداخل ظلال الأب والابن فوق أرضية البلاط الجديدة داخل الخيمة، ويخف صرير الحجارة، والريح تهدأ قليلا.
وفي هذا الركن من مدينة غزة، لا يرتفع بيت من أسمنت، بل خيمة من قماش وإرادة، وعلى أرض رُصفت ببقايا الذاكرة، يجلس رجلان فقد أحدهما ساقا والآخر فقد ساقيه، لكنهما يُصرّان على الوقوف، كلٌّ بطريقته، فوق ترابهما، منتظرين صباحا آخر يواصلان فيه إزالة الركام، وبناء ما تبقى من الحياة.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات حرب الإبادة أبو جمال
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .