ترمب يستعد لخطاب حالة الاتحاد وسط نكسات قضائية واقتصادية
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
يستعد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإلقاء خطاب "حالة الاتحاد" في الكونغرس الثلاثاء المقبل، في وقت يواجه فيه نكسة من المحكمة العليا بشأن الرسوم الجمركية التي فرضها، وجدلا واسعا جراء حملته الصارمة على المهاجرين.
ويأتي الخطاب المحوري في الحياة السياسية الأميركية في ظل استياء شعبي من غلاء المعيشة، ومخاوف اقتصادية متصاعدة.
وسيلقي ترمب الخطاب لأول مرة في ولايته الثانية، إذ سيعرض فيه الرئيس حصيلة عمله وأولوياته للبلاد في جلسة مشتركة لمجلسي النواب والشيوخ.
وخطاب "حالة الاتحاد" واجب دستوري وتقليد رئاسي أمريكي عريق، يلقى خلاله رئيس البلاد خطابا سنويا يستعرض فيه حالة الولايات المتحدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، ويقترح جدول أعمال تشريعيا للسنة المقبلة، إضافة إلى شرح مقاربته الشخصية للشعب الأمريكي.
وكان ترمب وعد في خطاب بشأن السياسة العامة أمام الكونغرس في مارس/آذار 2025 بأن أمريكا "ستعود بقوة لم يشهدها العالم من قبل".
نكسة قضائيةوخلصت المحكمة العليا -ذات الأغلبية المحافظة- أمس الجمعة إلى أن قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية الذي يعود إلى عام 1977 "لا يعطي الرئيس سلطة فرض الرسوم الجمركية"، مسددة ضربة قوية لبرنامج ترمب الاقتصادي وإستراتيجيته الدبلوماسية التي ترتكز على هذه الرسوم.
وانتقد ترمب بشدة القرار الذي يُعد "أكبر هزيمة" له أمام المحكمة العليا منذ عودته إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي، وقال لصحفيين "أشعر بخيبة شديدة من بعض أعضاء المحكمة، أشعر بخيبة شديدة لعدم امتلاكهم الشجاعة لفعل ما هو صائب لبلدنا".
وفي اليوم نفسه، أفادت وزارة التجارة بتباطؤ الاقتصاد الأمريكي في الفصل الأخير من عام 2025.
استياء من غلاء المعيشةوتشير جميع استطلاعات الرأي إلى استياء متزايد بين الأمريكيين من كلفة المعيشة، ورفض متصاعد لسياسات الرئيس الأمريكي العنيفة على صعيد الهجرة.
إعلانواعتمد ترمب إلى الآن إستراتيجية تقضي بأن كل شيء على ما يرام، وهو ما قام به مساء الخميس في ولاية جورجيا، إذ قال "انتصرت على صعيد كلفة المعيشة".
لكن "الناس يعرفون ما ينفقون"، وفق تود بيلت أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن، الذي أوضح أن "الناس يشعرون باستياء شديد حين يُقال لهم شيء يعلمون أنه غير صحيح"، وهو ما ينطبق على غلاء المعيشة، وحملات ترحيل المهاجرين التي تجاوز نطاقها ما أكدته الإدارة بأنها ستستهدف المجرمين الخطيرين.
عزل ترمبواعتبر بيلت أن الاقتصاد هو الذي سيحسم نتيجة انتخابات منتصف الولاية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل لتجديد مجلس النواب بالكامل وثلث مجلس الشيوخ.
وحذر ترمب منذ الآن بأنه إن خسر السيطرة على الكونغرس، فقد يباشر الديمقراطيون آلية عزل بحقه.
وواصل الرئيس تطبيق سياسته دون أن يكترث لاحتجاجات المعارضة أو حتى للتحفظات داخل معسكره نفسه.
الرئيس يتراجع عن مواقفهوتراجع الرئيس الأمريكي -المعروف في تمسكه بمواقفه- عن عدة مسائل مؤخرا، إذ حذف مقطع فيديو عنصريا يصور الرئيس الديمقراطي الأسبق باراك أوباما وزوجته ميشيل على شكل قرود.
وأثار مقطع الفيديو -الذي نشره ترمب عبر منصته تروث سوشيال- انتقادات حتى من أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ، في خطوة قلما تحدث، مما اضطر البيت الأبيض -الذي برر المقطع في بادئ الأمر- إلى إزالته عن الصفحة، ناسبا نشره إلى "خطأ ارتكبه موظف".
ووضع ترمب حدا لحملة مكثفة ضد المهاجرين نفذتها قوة من شرطة الهجرة والجمارك نشرتها إدارته في مدينة مينيابوليس، بعد أسابيع من التظاهرات، تصاعدت مع مقتل أمريكيَّين برصاص الشرطة.
وعلى الصعيد الدولي، تخلى الرئيس عن تهديداته بضم جزيرة غرينلاند الدانماركية، بعد التوصل إلى تسوية لا تزال بنودها غامضة خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي.
أما القضاء، فباشر للتو النظر في الطعون المقدمة ضد عديد من القرارات الرئاسية، مما ينذر باحتمال تلقي ترمب مزيدا من النكسات على صعيد الاقتصاد والهجرة وحملته الواسعة للانتقام من خصومه والترهيب السياسي.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026