سعيد الحاتمي -
أليست كتابة مقال جيد ورصين وفي ذات الوقت شائق ويتصف بالحس الساخر أمرا شاقا!! حسنا ألا يعد كتابة عدد كبير من المقالات من هذا النوع أمرا أكثر مشقة.
سؤالان كهذين أجدهما مناسبين للحديث عن واحد من أجمل كتب المقالات، وقد صدر عن منشورات دار جدل وبدعم من الجمعية العمانية للكتاب والأدباء للكاتب سليمان المعمري معنونا بـ" أن تروي حكاية للصلع يقف لها الشعر" يليه عنوان توضيحي وهو" تفكرات محرر أخبار سابق" ليضيف بعدا أكثر واقعية يخفف من حدة السخرية التي يتضمنها العنوان الرئيس.
وإن كان العنوان - كما سار القول- يمثل عتبة الولوج إلى النص فإن عنوان هذا الكتاب تحديدا يضعك مباشرة أمام الفكرة أو الثيمة التي تم على أساسها تعمير مقالات الكتاب، وهي تشريح القضايا الإنسانية العميقة والجادة بمشرط ساخر؛ حيث كما يبدو اختاره الكاتب بطريقة ذكية تقوم على التضاد الواضح بين الصلع ووقوف الشعر الذي ليس له وجود. فهذا التضاد وإن كان مباشرا يوحي منذ البداية بتلك الروح الساخرة التي سيناقش فيها الكاتب مواضيع الكتاب المختلفة، والتي يحاول من خلالها إنعاش أو إعادة الحياة إلى التفاصيل المهملة أو المسكوت عنها في وسط عشرات الحكايات التي تعبر يوميا أمام محرري الأخبار والذي كان سليمان أحدهم، ولكنه اختار ألا يتعامل معها بعقلية المحرر الجامدة التي تعيد صياغة الحكاية وفق قوالب معروفة دون محاولة لمنحها حياة مختلفة، وإنما قرر أن يحولها إلى حكايات تضج بالحياة والحيوية التي كانت تخلو منها سابقا مستعينا بإمكانياته السردية باعتباره قاصا قبل أن يكون محرر أخبار أو كاتب مقالات.
يحتوي الكتاب الذي جاء في القطع المتوسط على أربعة فصول بدأت في فصلها الأول بتفكرات في سبعة أخبار سياسية ساخنة في وقتها، وكانت محط سمع وبصر الكثيرين حول العالم، ولكنها أثارت انتباه الكاتب أو حفيظته ليعيد كتابتها بطريقته السردية ومعلقا عليها بأسلوب ساخر متمثلا قول الكاتب الإنجليزي أوسكار وايلد "السخرية هي أن تقول الحقيقة بطريقة تجعل الناس يضحكون". ففي مقال«عيونهم زرقاء ويشاهدون نتفلكس» يحاول تفكيك الخطاب الغربي ونظرته الدونية تجاه العرب والمسلمين، ويستذكر تصريحا عنصريا لوزيرة الخارجية الأمريكية تهون فيه من مقتل نصف مليون عراقي، ثم يعلق عليه ساخرا " نعم يا مادلين إنهم يستحقون؛ لأن عيونهم ليست زرقاء، ولا يشاهدون نتفلكس" مستحضرا تعليق أحد السياسيين البريطانيين على الحرب الروسية على أوكرانيا حين قال: أشاهد أوروبيين بعيون زرقاء وشعر أشقر يتعرضون للقتل". وغير بعيد عن مسلسل الحروب الغربية على الشعوب المسلمة يعيد سليمان المعمري كتابة مشهد تعلق مجموعة من الأفغان بالطائرات الأمريكية المنسحبة وغير مصدق أن مشهدا كتبه في أحد نصوصه القصصية منذ سنوات يراه ماثلا أمامه على الشاشات ويخاطب أمريكا ساخرا "أين هي حقوق المؤلف يا أمريكا" متهما إياها بعدم احترامها لحقوقه كمؤلف سابق للمشهد. وفي مقال آخر يخاطب فرنسا قائلا "أسمع كلامك أصدقك، أشوف فعايلك استغرب" كردة فعل على على تبجح الأخيرة باحترامها للحريات وحقوق الإنسان، ولكنها عجزت عن قبول ارتداء لاعبة مسلمة للحجاب في بطولة لكرة القدم للسيدات. وان كانت السخرية في اغلب المقالات تتمظهر في تعليقه على الأحداث فإنها تطل برأسها مباشرة في عنوان مقال "الهروب بالملعقة" حين يستعرض حضور الملعقة في العديد من الأعمال المختلفة، ويبرهن على حقيقة ما يمكن للأشياء الصغيرة أن تقوم به من أعمال عظيمة من قبيل مساعدة سجين للهروب من سجنه الأمر ذاته يمكن ملاحظته في مقال "شرير أمريكا وأخوه شرير روسيا.. طار الشر"؛ فهو ينز سخرية رغم أن موضوع المقال يتحدث عن الجرائم التي ارتكبها هذان الشريران حول العالم. ويختم المعمري هذا الفصل بمقال ضاج بالسخرية، وكيف لا يكون كذلك وهو يتناول خبرا يتعلق بالزعيم الكوري الشمالي"كيم جونج أون" المثير للجدل والضحك في نفس الوقت؟ حين تفاجأ أن وزير دفاعه يغفو في حضوره بإحدى الفعاليات مما أثار غضبه، فقرر معاقبته بطريقة بشعة لا تتناسب أبدا مع الجرم الصغير، فربطه في قذيفة مدفع مضاد للطائرات، وأرسله مباشرة إلى القيامة.
وفي تفكرات المحرر الثقافي يتناول العديد من المواضيع ذات الصلة بالشأن الثقافي من قبيل حديثه عن المكانة التي نالها المفكر وعالم اللسانيات الأمريكي تشومسكي في الوسط الثقافي العربي نتيجة موقفه المدافع عن قضايانا واعتراضه الدائم على الدعم الذي تقدمه بلاده للكيان الصهيوني. ويقارن المعمري في المقال بين ما اعتاد تشومسكي تقديمه، وما جبن أغلب المثقفين العرب فيه عن مجرد المحاولة. ثم عرج على منع الجامعات الأوربية التعاطي مع أدب دوستوفيسكي كردة فعل على الحرب الروسية الأوكرانية قبل أن يعود إلى الشأن المحلي، فيتناول الجدل الذي أثاره العديد من الشعراء العمانيين حول تضمين أحد المناهج الدراسية لقصيدة من الشعر الحر لسيف الرحبي.
ومما يجدر ملاحظته في الكتاب عموما وفي هذا الفصل تحديدا هو عناية الكاتب الشديدة باختيار المقالات وترتيبها على أساس التقارب بين أفكارها أو مواضيعها. فبعد مقاليه عن تشومسكي وديستوفسكي يضعنا أمام مقالين متتالين تحدث الأول عن أغلفة الكتب وأهميتها واهتمام الكتاب بها، وحرصهم على اختيار التصاميم المناسبة ليأتي الثاني متحدثا عن عناوين الكتب واللغط الذي يحدث حين يتشابه العنوان الواحد لدى كاتبين مختلفين. ثم ينتقل بعد ذلك للحديث عن رمز في الثقافة العربية -وهو طه حسين- ليلحقه في المقال الذي يليه عن عن أحد الرموز العمانية المعاصرة -وهو عبدالله حبيب- في مقاربة لا أظن إلا إنها مقصودة. ثم يأتي بعد ذلك حديثه عن مجلة نزوى، ويعقبه مقالا عن مجلة ماجد والتصاقها بطفولة الإنسان العربي في القرن العشرين ودورها في تشكيل شخصيته الثقافية والقرائية.
ويتناول سليمان المعمري في فصل تفكرات المحرر الفني بعضا من جوانب حيوات أربعة من أشهر القامات الفنية في الوطن العرب، وهم فيروز وسعدون جابر ومحمد عبده وسيد درويش، ليليهم في مقال شائق عن قصص خوف بعض الفنانين والأدباء من ركوب الطائرات قبل أن يسلط الضوء على الفنانة ميرفت أمين وحادثة حضورها عزاء المخرج علي عبدالخالق، وما صاحب هذا الحضور من جدل طويل حول مظهرها المرهق بفعل الحزن وسنوات العمر الطويل، وهي من كانت في زمنها أيقونة ورمزا للجمال والأنوثة لعقود طويلة مضت بينما تناولت المقالات الثلاث الأخيرة الشأن الفني المحلي من خلال الحديث عن بعض من مؤسسي الحركة الغنائية في عمان، وكيف طالهم النسيان والتنكر من المؤسسة الموكل بها رعايتهم، ليخلص في نهاية المقال إلى أن الأغنية العمانية ليست بخير قبل أن ينتقل للحديث عن الكوميديان العماني الراحل صالح شويرد متقصيا تاريخه الفكاهي لدى الذاكرة الشعبية في طول البلاد وعرضها، ليختم هذا الفصل بمقال احتفائي بالفيلم الوثائقي العماني "أثر" للمخرجة بثينة ناصر سيف والذي فاز بجائزة الجمهور في مسابقة الجزيرة الوثائقية عام 2024م.
وجاء الفصل الأخير متخما بمزيج من المواضيع المثيرة والمنوعة تماما كما سماه الكاتب "تفكرات محرر المنوعات"؛ فمن حديثه الشيق عن انتقام الحيوانات إلى استقالة الأب الروحي لشات جي بي تي؛ احتجاجا ضمنيا منه على فتح المجال لمصراعيه لأدوات الذكاء الصناعي لتتحكم وتسير حياة الإنسان دون رادع أو قوانين منظمة قبل أن يعود إلى أسلوبه الساخر حين تحدث عن الصلع وأشهر ما قيل عنه، وهو المقال الذي استل منه العنوان الجميل للكتاب. علاوة على عدد من المواضيع الأخرى المتنوعة والتي يصعب الكتابة عنها في مساحة ضيقة، ولكنها جميعا تشترك في كونها كانت من أخبار الساعة في يوم ما تعبر أمام سمع الناس وأبصارهم مثل المئات غيرها قبل أن يلتقطها سليمان المعمري، ويمنحها حياة مختلفة، أو يعيد لها الحيوية كمن يزرع شعرا، ويعيد الحياة إلى صلعته.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: سلیمان المعمری فی مقال قبل أن
إقرأ أيضاً:
د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.
فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.
لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.
بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.
الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.
ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.
الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.
الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.
فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.
ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.
ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.
أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.
كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.
فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.
أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.
ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.
وهناك أيضًا أمان المكانة.
ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.
فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟
الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.
ثم يأتي أمان الضعف.
وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.
أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.
فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.
في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.
لكن الأمان وحده لا يكفي.
فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.
الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.
فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.
أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.
وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.
فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.
هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.
وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.
وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.
وهناك ونس الصمت.
نعم، الصمت.
فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.
أما العنصر الثالث فهو العفوية.
العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.
العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.
العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.
فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.
كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟
من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟
فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.
العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.
والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.
ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.
ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.
ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟
ليس الشكل وحده.
ولا الكلمات وحدها.
ولا البدايات المبهرة وحدها.
الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.
فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.
هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.
ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.
بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.
وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.
يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.
ويكبر لأنه منحنا الأمان.
ويكبر لأنه كان مصدر ونس.
ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.
فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.
وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.
القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.
فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.
نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.
ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.
ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.
لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.
فالأمان يجعل القلب يستقر.
والونس يجعل الروح تبتسم.
والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.
أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.
فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.
شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.
وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.
ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .