لجريدة عمان:
2026-07-24@13:07:57 GMT

لماذا أخفق العالم في وقف فظائع السودان المتوقعة؟

تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT

لقد قرأ أحدث تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصّي الحقائق بشأن سقوط الفاشر في السودان، كأنه تقرير تشريح لجثة مأساة كان يمكن تفاديها. يفصّل التقرير ما يصفه بـ«سمات الإبادة الجماعية»: عمليات قتل جماعي، وعنف جنسي منهجي، وتطهير عِرقي استهدف مجتمعات غير عربية على يد قوات الدعم السريع.

لم يكن ينبغي لما جرى في الفاشر أن يفاجئ أحدا في المجتمع الدولي.

فقد تلقّت الحكومات الغربية تحذيرات متكررة من المجتمع المدني، والمنظمات الإنسانية، والصحفيين الاستقصائيين، بل ومن وكالاتها هي. في بريطانيا، اتّهم مُبلّغٌ عن المخالفات العام الماضي وزارة الخارجية بممارسة الرقابة على تحذيرات داخلية بشأن إبادة وشيكة، وفي الولايات المتحدة، تلقّت وزارة الخارجية وأعضاء في مجلس الأمن تقارير متواصلة من «مختبر ييل للأبحاث الإنسانية» توثّق الحشد العسكري لقوات الدعم السريع واستعداداتها لاجتياح المدينة. وحذّر مسؤولون أمريكيون كبار إدارة بايدن من أن الفاشر تواجه خطرًا وشيكًا. ودعا قرارٌ صادر عن مجلس الأمن عام 2024 إلى إنهاء الحصار. لكن شيئًا من ذلك لم يمنع خنق المدينة.

وأوضحُ تعبير عن هذا الفشل في تحويل المعلومات إلى فعل ظهر في أكتوبر 2025، حين استضافت واشنطن محادثات شارك فيها مسؤولون من الحكومة السودانية ومن قوات الدعم السريع. وبعد أيام قليلة فقط من تلك المناقشات، سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر وبدأت المجازر التي وثّقتها الأمم المتحدة الآن. لم تمنع تلك المحادثات الكارثة. لقد وفّرت غطاء سياسيا بينما كانت تتكشف. ثم جاءت الدعوات اللاحقة إلى هدنة من دون أي اعتراف بسبب إخفاقها في منع الهجوم.

هذا الصمت يعكس تراتبية في الأولويات. فقد جرى وضع العلاقات الاستراتيجية مع الدولة المتورطة في هذه الأحداث فوق حماية المدنيين في السودان.

أجرت تحقيقات متعددة، بما في ذلك تقارير خبراء أمميين جرى تسريبها، إثارةَ مخاوف جدّية بشأن دور دولة عربية في إبقاء قوات الدعم السريع قادرة على الاستمرار عبر تحويلات السلاح، وشبكات الإسناد اللوجستي، وقنوات التمويل. وحين باتت طرق الإمداد عبر ليبيا وتشاد مكشوفة على نطاق واسع، يُقال إن ممرات بديلة برزت عبر بونتلاند في الصومال وعبر إثيوبيا. كما عزّزت الأسلحة المتقدمة والطائرات المسيّرة والمرتزقة الأجانب قوة الدعم السريع. وفي اللحظة ذاتها التي كانت القوات المسلحة السودانية قد استعادت الخرطوم وولاية الجزيرة وسنار، بما خلق فرصة ضيقة لكنها حقيقية لخفض التصعيد، تصاعد دعم تلك الدولة لقوات الدعم السريع.

ومع ذلك، تواصل الحكومات الغربية التعامل معها بوصفها وسيطًا. فـ«الرباعية السودانية»، التي تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، تقدّم نفسها آلية دبلوماسية لصنع السلام. لكنها عمليا تُؤسّس تناقضا؛ فعندما يُجلَس على مقعد الوساطة طرفٌ تُوجَّه إليه على نطاق واسع اتهاماتٌ بتسليح أحد المتحاربين، تتحول الوساطة إلى مسرح، ويغدو الانخراط بديلا عن المساءلة.

وانتقلت الخلافات بين بعض الدول العربية إلى ساحة القتال في السودان لتصبح أرضها لساحة تصفية الحسابات ضمن منافسة البحر الأحمر. فعاصمة تقارب الصراع من زاوية سلطة الدولة والاستقرار الإقليمي، بينما اتبعت عاصمة أخرى استراتيجية هجومية ترتكز على الموانئ والذهب ورعاية الميليشيات. وبدل مواجهة هذا التباين، اختارت واشنطن ولندن سياسة التوازن، حرصًا على عدم تنفير أي من حلفائها.

وقد تُرجم ذلك الحذر إلى صمت صارخ. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن الأسبوع الماضي وأمام مجلس الأمن، عبّرت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، عن قلقها على المدنيين السودانيين وعلى النساء اللاتي يتعرضن للعنف الجنسي. لكنها لم تُقرّ بالادعاءات التي تتهم دولا بعينها بدعمها لقوات الدعم السريع، واكتفت بالقول إن «نحو اثنتي عشرة دولة» متورطة في تحويلات السلاح. وكانت النتيجة تشتيت المسؤولية في اللحظة التي كان مطلوبا فيها الوضوح.

وسار مستشار دونالد ترامب، مسعد بولس، على النص ذاته. ففي إحاطته لمجلس الأمن أمس، تجنّب تناول الحجم الموثّق لدول الدعم، وركّز بدلا من ذلك على التهديد الذي يشكّله الإسلاميون وفلول النظام السابق داخل الجيش السوداني. قد تكون تلك المخاوف مريحة سياسيا، لكنها لا تفسر حملة الدعم السريع في دارفور.

بهذه الاستراتيجية الملتفّة تُحمى التحالفات، لكن المدنيين لا يُحمَون. والنتيجة شللٌ يُقدَّم في هيئة دبلوماسية.

كثيرًا ما يستدعي المسؤولون الغربيون لغة المساءلة، فيما يظلون متخبطين في تحويلها إلى فعل. لقد أخفق نموذج «بناء السلام الليبرالي» الذي يفضّل الفاعلين المسلحين والصفقات النخبوية في السودان من قبل. فهو يعامل الجنرالات وقادة الميليشيات باعتبارهم أصحاب مصلحة لا غنى عنهم، ويُحيل المدنيين إلى دور المتفرجين. وعندما يُعامل المجتمع الدولي قوات الدعم السريع كمحاور سياسي شرعي، بدل النظر إليها كما هي: تنظيمًا مسلحًا متورطًا في فظائع جماعية ومسنودًا برعاية خارجية، فإنه يمنح العنف شرعية بوصفه طريقا إلى الاعتراف. وإذا كان للفاشر أن تعني شيئًا، فلا بد أن يتغير هذا النهج.

أولا، موّلوا الناس الذين يُبقون السودان حيًا. وجّهوا الموارد مباشرةً إلى شبكات المدنيين السودانيين، مثل لجان المقاومة، وغرف الاستجابة الطارئة، وشبكات الإسناد الطبي والغذائي التي تعمل خارج معسكري السلاح كليهما.

ثانيًا، سمّوا أطراف الحرب بأسمائها. يجب على الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة أن تُقِرّ صراحةً بدور الدولة/ الدول التي تبقي قوات الدعم السريع قادرة على الاستمرار، وأن تتعامل معها بوصفها طرفا محاربًا لا وسيطا. وهذا يعني فرض عقوبات لا على الأفراد فقط، بل أيضًا على الشركات، وقنوات التمويل، ومسارات النقل المتورطة في تحويلات السلاح والإسناد اللوجستي لقوات الدعم السريع.

ثالثًا، أرسوا مساءلة حقيقية. فأي وقف لإطلاق النار أو مسار سياسي يفتقر إلى مراقبة مستقلة، وحماية مدنية قابلة للإنفاذ، وعواقب تلقائية للانتهاكات، لن يكون سوى غطاء لإعادة التسلح.

لا يمكن بناء السلام على الصفقات النخبوية ذاتها التي انهارت مرارًا. ومن دون مواجهة المُمكّنين الخارجيين لهذه الحرب، تتحول الدبلوماسية إلى مسرح، وتغدو المساءلة شعارًا. لقد كشفت الفاشر بالفعل كلفة ذلك الوهم.

حسام محجوب هو أحد مؤسسي «سودان بكرة»، وهي قناة تلفزيونية سودانية مستقلة غير ربحية.

عن الجارديان البريطانية

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: لقوات الدعم السریع قوات الدعم السریع فی السودان

إقرأ أيضاً:

الخارجية الفلسطينية تدين المجزرة التي ارتكبها المستوطنون بالشراكة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي غرب نابلس

 أدانت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، المجزرة والجريمة الإرهابية التي ارتكبتها ميليشيات المستوطنين، بالشراكة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، بحق أبناء الشعب الفلسطيني في قرية تل غرب مدينة نابلس، اليوم الجمعة، والتي أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين على الأقل، بينهم أشقاء، وإصابة عدد آخر بجروح، بينها إصابات خطيرة، إثر اقتحام المستوطنين الإرهابيين للقرية والاعتداء على الفلسطينيين، وإطلاق الرصاص الحي باتجاه أهالي القرية، إضافة إلى استشهاد شابين برصاص قوات الاحتلال في بلدة بيت فوريك شرق نابلس أمس الخميس واحتجاز جثمانيهما.

وأكدت الوزارة - في بيان، أوردته وكالة الأنباء الفلسطينية (وفا)، اليوم /الجمعة/ - أن هذه المجزرة تمثل صورة متجددة للنكبة المستمرة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، وتعكس التكامل في الجرائم والأدوار والازدياد المتعمد لهذه الجرائم المنسقة بين سلطات الاحتلال وقواتها وعصابات المستوطنين في تنفيذ سياسة إسرائيلية رسمية ممنهجة لخدمة انتخاباتهم ومشروعهم التصفوي والتي تقوم على إطلاق يد المستوطنين لارتكاب المزيد من الجرائم بحق المدنيين الفلسطينيين، بهدف إبادتهم وترهيبهم وتهجيرهم قسرا من أرضهم، ومحاولة فرض المزيد من الوقائع الاستعمارية على الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، في إطار سياسة الضم والتطهير العرقي.

وأشارت "الخارجية" الفلسطينية، إلى أن استمرار جرائم المستوطنين الإرهابيين وتصاعدها، سببه الحماية والحصانة التي توفرها سلطات الاحتلال لمرتكبي هذه الجرائم، إلى جانب التحريض الرسمي المتواصل والتي تشكل البيئة التي ترعى وتغذي الإرهاب الاستعماري وتكرس الإفلات من العقاب.

وطالبت الوزارة المجتمع الدولي، والدول كافة، بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، واتخاذ إجراءات عملية وفورية لوقف إرهاب المستوطنين، وتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني، بما في ذلك فرض عقوبات رادعة على منظومة الاستيطان الاستعماري ورموزه، ووقف طرق تمويله بما فبه منع دخول بضائع المستوطنات إلى أسواق جميع الدول، ومقاطعة المؤسسات والشركات الداعمة للاستيطان، وتفعيل الولاية القضائية العالمية لمحاسبة مرتكبي هذه الجرائم ومن يقف خلفها.

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنون ارهابيون، قد ارتكبوا اليوم الجمعة، مجزرة جديدة في بلدة تل جنوب غرب نابلس، أسفرت عن استشهاد أربعة فلسطينيين من عائلة واحدة، في تصعيد جديد للاعتداءات في الضفة الغربية.

وأعلنت وزارة الصحة الفلسطينية استشهاد أربعة فلسطينيين، وإصابة أربعة آخرين، بينهم ثلاثة بجروح حرجة، برصاص الاحتلال، خلال تصدي الفلسطينيين لهجوم مستوطنين على البلدة.

وأفاد أمين سر حركة "فتح" في تل، عصام الصيفي، بأن مستوطنين إرهابيين هاجموا منزلين في المنطقة الشرقية من البلدة، فتصدى لهم الأهالي وأجبروهم على الانسحاب.

وأضاف: "بعد نصف ساعة، هاجم المستوطنون المنطقة الغربية من البلدة مرة أخرى، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بالأيدي بين الأهالي من جهة، والمستوطنين وجنود الاحتلال الذين اقتحموا المنطقة لتوفير الحماية لهم من جهة أخرى".

وتابع أن جنود الاحتلال والمستوطنين أطلقوا النار بشكل عشوائي باتجاه الفلسطينيين، ما أدى إلى استشهاد أربعة شبان، بينهم شقيقان وابنا عمهما، وإصابة أربعة آخرين. كما حولت قوات الاحتلال البلدة إلى منطقة عسكرية مغلقة، فيما استمر انتشار المستوطنين في محيطها.

واستشهد ثلاثة فلسطينيين، بينهم طفل، أمس الخميس، برصاص جيش الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية، وهم: الشاب محمود حسين حمدان أبو سمرة (20 عاما)، والطفل محمد سامر محمد مليطات (16 عاما) في بلدة بيت فوريك شرق نابلس، والشاب يزن فخري صوافطة (25 عاما) قرب دوار حداد شرق جنين. كما تواصلت الأنباء عن استشهاد شاب برصاص الاحتلال عند حاجز مخيم شعفاط شمال شرق القدس المحتلة، دون تأكيد رسمي حتى الآن.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، استشهد 82 فلسطينيا في محافظات الضفة الغربية، بينهم 21 برصاص مستوطنين إرهابيين، منذ بداية العام الجاري.

طباعة شارك وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية المجزرة والجريمة الإرهابية ميليشيات المستوطنين قوات الاحتلال الإسرائيلي أبناء الشعب الفلسطيني

مقالات مشابهة

  • الخارجية الفلسطينية تدين المجزرة التي ارتكبها المستوطنون بالشراكة مع قوات الاحتلال الإسرائيلي غرب نابلس
  • لماذا يراهن العرب على الباكستان في الأزمات؟.. تعرف على قواها الضاربة
  • منظمات أممية: آلاف النازحين يعيشون ظروفا مأساوية في المخيمات بالسودان
  • وزير الدفاع السوداني: الجيش يحقق تقدماً في 3 ولايات والدعم السريع يعيش حالة تشظٍ
  • مشروعا قانون في الكونغرس لتجفيف تمويل الحرب وتعزيز حماية المدنيين
  • خبراء: تحركات إقليمية قد تعيد رسم مسار الحرب في السودان
  • لقاء سري في بريطانيا يجمع الإمارات بـالدعم السريع.. الخرطوم تحتج
  • الأمم المتحدة تعرب عن قلقها البالغ إزاء التهديدات التي أطلقتها ميليشيا الحوثي ضد المملكة
  • مقتل 6 سودانيين بينهم طفلان بغارة على سوق شمالي كردفان
  • السودان.. انتقال القتال إلى الأُبَيِّض يفاقم المخاطر العسكرية والإنسانية