لجريدة عمان:
2026-06-03@01:02:55 GMT

لماذا أخفق العالم في وقف فظائع السودان المتوقعة؟

تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT

لقد قرأ أحدث تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصّي الحقائق بشأن سقوط الفاشر في السودان، كأنه تقرير تشريح لجثة مأساة كان يمكن تفاديها. يفصّل التقرير ما يصفه بـ«سمات الإبادة الجماعية»: عمليات قتل جماعي، وعنف جنسي منهجي، وتطهير عِرقي استهدف مجتمعات غير عربية على يد قوات الدعم السريع.

لم يكن ينبغي لما جرى في الفاشر أن يفاجئ أحدا في المجتمع الدولي.

فقد تلقّت الحكومات الغربية تحذيرات متكررة من المجتمع المدني، والمنظمات الإنسانية، والصحفيين الاستقصائيين، بل ومن وكالاتها هي. في بريطانيا، اتّهم مُبلّغٌ عن المخالفات العام الماضي وزارة الخارجية بممارسة الرقابة على تحذيرات داخلية بشأن إبادة وشيكة، وفي الولايات المتحدة، تلقّت وزارة الخارجية وأعضاء في مجلس الأمن تقارير متواصلة من «مختبر ييل للأبحاث الإنسانية» توثّق الحشد العسكري لقوات الدعم السريع واستعداداتها لاجتياح المدينة. وحذّر مسؤولون أمريكيون كبار إدارة بايدن من أن الفاشر تواجه خطرًا وشيكًا. ودعا قرارٌ صادر عن مجلس الأمن عام 2024 إلى إنهاء الحصار. لكن شيئًا من ذلك لم يمنع خنق المدينة.

وأوضحُ تعبير عن هذا الفشل في تحويل المعلومات إلى فعل ظهر في أكتوبر 2025، حين استضافت واشنطن محادثات شارك فيها مسؤولون من الحكومة السودانية ومن قوات الدعم السريع. وبعد أيام قليلة فقط من تلك المناقشات، سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر وبدأت المجازر التي وثّقتها الأمم المتحدة الآن. لم تمنع تلك المحادثات الكارثة. لقد وفّرت غطاء سياسيا بينما كانت تتكشف. ثم جاءت الدعوات اللاحقة إلى هدنة من دون أي اعتراف بسبب إخفاقها في منع الهجوم.

هذا الصمت يعكس تراتبية في الأولويات. فقد جرى وضع العلاقات الاستراتيجية مع الدولة المتورطة في هذه الأحداث فوق حماية المدنيين في السودان.

أجرت تحقيقات متعددة، بما في ذلك تقارير خبراء أمميين جرى تسريبها، إثارةَ مخاوف جدّية بشأن دور دولة عربية في إبقاء قوات الدعم السريع قادرة على الاستمرار عبر تحويلات السلاح، وشبكات الإسناد اللوجستي، وقنوات التمويل. وحين باتت طرق الإمداد عبر ليبيا وتشاد مكشوفة على نطاق واسع، يُقال إن ممرات بديلة برزت عبر بونتلاند في الصومال وعبر إثيوبيا. كما عزّزت الأسلحة المتقدمة والطائرات المسيّرة والمرتزقة الأجانب قوة الدعم السريع. وفي اللحظة ذاتها التي كانت القوات المسلحة السودانية قد استعادت الخرطوم وولاية الجزيرة وسنار، بما خلق فرصة ضيقة لكنها حقيقية لخفض التصعيد، تصاعد دعم تلك الدولة لقوات الدعم السريع.

ومع ذلك، تواصل الحكومات الغربية التعامل معها بوصفها وسيطًا. فـ«الرباعية السودانية»، التي تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات، تقدّم نفسها آلية دبلوماسية لصنع السلام. لكنها عمليا تُؤسّس تناقضا؛ فعندما يُجلَس على مقعد الوساطة طرفٌ تُوجَّه إليه على نطاق واسع اتهاماتٌ بتسليح أحد المتحاربين، تتحول الوساطة إلى مسرح، ويغدو الانخراط بديلا عن المساءلة.

وانتقلت الخلافات بين بعض الدول العربية إلى ساحة القتال في السودان لتصبح أرضها لساحة تصفية الحسابات ضمن منافسة البحر الأحمر. فعاصمة تقارب الصراع من زاوية سلطة الدولة والاستقرار الإقليمي، بينما اتبعت عاصمة أخرى استراتيجية هجومية ترتكز على الموانئ والذهب ورعاية الميليشيات. وبدل مواجهة هذا التباين، اختارت واشنطن ولندن سياسة التوازن، حرصًا على عدم تنفير أي من حلفائها.

وقد تُرجم ذلك الحذر إلى صمت صارخ. ففي مؤتمر ميونيخ للأمن الأسبوع الماضي وأمام مجلس الأمن، عبّرت وزيرة الخارجية البريطانية، إيفيت كوبر، عن قلقها على المدنيين السودانيين وعلى النساء اللاتي يتعرضن للعنف الجنسي. لكنها لم تُقرّ بالادعاءات التي تتهم دولا بعينها بدعمها لقوات الدعم السريع، واكتفت بالقول إن «نحو اثنتي عشرة دولة» متورطة في تحويلات السلاح. وكانت النتيجة تشتيت المسؤولية في اللحظة التي كان مطلوبا فيها الوضوح.

وسار مستشار دونالد ترامب، مسعد بولس، على النص ذاته. ففي إحاطته لمجلس الأمن أمس، تجنّب تناول الحجم الموثّق لدول الدعم، وركّز بدلا من ذلك على التهديد الذي يشكّله الإسلاميون وفلول النظام السابق داخل الجيش السوداني. قد تكون تلك المخاوف مريحة سياسيا، لكنها لا تفسر حملة الدعم السريع في دارفور.

بهذه الاستراتيجية الملتفّة تُحمى التحالفات، لكن المدنيين لا يُحمَون. والنتيجة شللٌ يُقدَّم في هيئة دبلوماسية.

كثيرًا ما يستدعي المسؤولون الغربيون لغة المساءلة، فيما يظلون متخبطين في تحويلها إلى فعل. لقد أخفق نموذج «بناء السلام الليبرالي» الذي يفضّل الفاعلين المسلحين والصفقات النخبوية في السودان من قبل. فهو يعامل الجنرالات وقادة الميليشيات باعتبارهم أصحاب مصلحة لا غنى عنهم، ويُحيل المدنيين إلى دور المتفرجين. وعندما يُعامل المجتمع الدولي قوات الدعم السريع كمحاور سياسي شرعي، بدل النظر إليها كما هي: تنظيمًا مسلحًا متورطًا في فظائع جماعية ومسنودًا برعاية خارجية، فإنه يمنح العنف شرعية بوصفه طريقا إلى الاعتراف. وإذا كان للفاشر أن تعني شيئًا، فلا بد أن يتغير هذا النهج.

أولا، موّلوا الناس الذين يُبقون السودان حيًا. وجّهوا الموارد مباشرةً إلى شبكات المدنيين السودانيين، مثل لجان المقاومة، وغرف الاستجابة الطارئة، وشبكات الإسناد الطبي والغذائي التي تعمل خارج معسكري السلاح كليهما.

ثانيًا، سمّوا أطراف الحرب بأسمائها. يجب على الولايات المتحدة وبريطانيا والأمم المتحدة أن تُقِرّ صراحةً بدور الدولة/ الدول التي تبقي قوات الدعم السريع قادرة على الاستمرار، وأن تتعامل معها بوصفها طرفا محاربًا لا وسيطا. وهذا يعني فرض عقوبات لا على الأفراد فقط، بل أيضًا على الشركات، وقنوات التمويل، ومسارات النقل المتورطة في تحويلات السلاح والإسناد اللوجستي لقوات الدعم السريع.

ثالثًا، أرسوا مساءلة حقيقية. فأي وقف لإطلاق النار أو مسار سياسي يفتقر إلى مراقبة مستقلة، وحماية مدنية قابلة للإنفاذ، وعواقب تلقائية للانتهاكات، لن يكون سوى غطاء لإعادة التسلح.

لا يمكن بناء السلام على الصفقات النخبوية ذاتها التي انهارت مرارًا. ومن دون مواجهة المُمكّنين الخارجيين لهذه الحرب، تتحول الدبلوماسية إلى مسرح، وتغدو المساءلة شعارًا. لقد كشفت الفاشر بالفعل كلفة ذلك الوهم.

حسام محجوب هو أحد مؤسسي «سودان بكرة»، وهي قناة تلفزيونية سودانية مستقلة غير ربحية.

عن الجارديان البريطانية

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: لقوات الدعم السریع قوات الدعم السریع فی السودان

إقرأ أيضاً:

إصابات وقرارات فنية وإخفاقات.. لماذا يغيب نجوم كبار عن مونديال 2026؟

لم تكن غيابات عدد من أبرز نجوم كرة القدم عن كأس العالم 2026 نتيجة سبب واحد، بل جاءت انعكاسا لعوامل متعددة جمعت بين الإصابات والاختيارات الفنية وعدم نجاح بعض المنتخبات في الوصول إلى النهائيات.

قبل أيام من كأس العالم.. أزمة التأشيرات تربك معسكر إيران الأخير

وتكشف قائمة الغائبين أن الطريق إلى كأس العالم لا يعتمد فقط على موهبة اللاعب أو نجوميته، بل يرتبط أيضا بظروف جماعية وفنية قد تحرم حتى أكبر الأسماء من الظهور في البطولة الأهم عالميا.

أحد أبرز أسباب الغياب يتمثل في عدم تأهل بعض المنتخبات الوطنية، فالمهاجم النيجيري فيكتور أوسيمين، على سبيل المثال، وجد نفسه خارج المشهد بسبب فشل منتخب بلاده في حجز بطاقة التأهل، رغم المستويات الفردية التي قدمها خلال المواسم الماضية.

الأمر نفسه ينطبق على عدد من اللاعبين الذين يرتبط مصيرهم بمسار منتخباتهم الوطنية أكثر من أدائهم الشخصي، وهو ما يبرز الطبيعة الخاصة لكأس العالم باعتبارها بطولة تعتمد على الإنجاز الجماعي.

في المقابل، لعبت الإصابات دورا حاسما في استبعاد أسماء بارزة، فالمدافع الإسباني داني كارفخال واجه تحديات بدنية أثرت على حضوره، بينما فرضت الظروف الصحية نفسها على ملفات أخرى داخل المنتخبات المختلفة.

كما حضرت القرارات الفنية ضمن أسباب الغياب، وهي من أكثر الملفات إثارة للجدل دائما. فالمدربون يضعون اعتبارات متعددة عند اختيار القوائم، تتعلق بالانسجام التكتيكي والحالة البدنية ومستقبل الفريق وليس فقط بالأسماء اللامعة.

هذا الجدل يبرز خصوصا في حالة الإنجليزي كول بالمر أو ألكسندر أرنولد، حيث تتداخل الاعتبارات الفنية مع المنافسة الشرسة داخل منتخبات تمتلك وفرة كبيرة من المواهب.

ولا تتوقف المسألة عند النجوم أصحاب الخبرة، بل تمتد إلى المواهب الصاعدة مثل الأرجنتيني فرانكو ماستانتونو والفرنسي هوجو إيكيتيكي، وهما اسمان كان كثيرون ينتظرون ظهورهما على المسرح العالمي.

ومن اللافت أن نسخة 2026، رغم توسيعها إلى 48 منتخبا، لم تمنع استمرار ظاهرة غياب النجوم، ما يؤكد أن زيادة عدد المقاعد لا تعني بالضرورة حضور كل الأسماء الكبيرة.

وعلى مر تاريخ البطولة شهدت كأس العالم حالات مشابهة، إذ غابت أسماء أسطورية عن بعض النسخ لأسباب متباينة، ما جعل الغياب جزءا من الحكاية المونديالية وليس مجرد استثناء.

وربما يكمن الجانب الأكثر قسوة في المونديال في أنه لا يمنح فرصا كثيرة، فاللاعب قد ينتظر أربع سنوات كاملة قبل أن يكتشف أن الإصابة أو الإقصاء أو قرارا فنيا حرمه من الحلم الأكبر.

لذلك فإن قصص الغياب لا تقل تأثيرا عن قصص التأهل، بل تتحول أحيانا إلى عناوين رئيسية تسبق انطلاق المنافسات وتشغل الجماهير ووسائل الإعلام حول العالم.

وفي انتظار بداية البطولة، سيبقى السؤال مطروحا حول ما إذا كانت المنتخبات ستنجح في تعويض هذه الغيابات أم أن أثرها سيظهر بوضوح داخل الملاعب.

مقالات مشابهة

  • مفوضية اللاجئين للأحرار: لا توطين للمهاجرين في ليبيا، وتركيزنا على الدعم الإنساني
  • واشنطن : الصين التزمت الحذر .. وإمداداتها لإيران لم تغير مسار الحرب
  • وزير الخارجية الأمريكي يكشف عن أمر محبط وتحول السودان إلى صراع بالوكالة بين الإمارات والسعودية وتحديد 4 مناطق وخطة السلام
  • السفير المصري بجوبا يؤكد دعم القاهرة الكامل لبعثة الأمم المتحدة بجنوب السودان
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ﺗﺼﺎﻋﺪ اﻟﺤﺮب اﻷﻫﻠﻴﺔ ﻓﻰ اﻟﺴﻮدان.. و»اﻟﺒﺮﻫﺎن« ﻳﻄﺎرد اﻟﻤﺮﺗﺰﻗﺔ
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • إصابات وقرارات فنية وإخفاقات.. لماذا يغيب نجوم كبار عن مونديال 2026؟
  • بعيدًا عن الولايات المتحدة.. لماذا اختارت إيران الإقامة في المكسيك خلال المونديال؟