الجسد تحت مراقبة الخوارزميات.. كيف تغير التكنولوجيا علاقتنا بالصحة؟
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
في العصر الرقمي، لم يعد الإنسان يكتفي بالإحساس بجسده لمعرفة حالته الصحية. فقبل أن يشعر بالتعب أو الراحة، تكون الساعات الذكية والتطبيقات قد حلّلت نبض القلب، وجودة النوم، ومستوى الإجهاد، وقدّمت تفسيرات جاهزة لما يجري داخل الجسم.
وهكذا يتحول الجسد من تجربة شخصية مباشرة إلى مجموعة أرقام ورسوم بيانية وتنبيهات، ما يطرح سؤالًا جديدًا: هل نعيش أجسادنا كما نشعر بها، أم كما تخبرنا الشاشات عنها؟
الصحة اليومية عبر الشاشةأصبحت العناية بالصحة ممارسة رقمية يومية.
لكن هذه الأدوات تغيّر العلاقة التقليدية بين الإنسان وجسده، إذ تنتقل الثقة من الشعور الذاتي إلى القراءة الرقمية. ومع الوقت، يصبح الإنسان وسيطًا بين جسده الحقيقي ونسخته الرقمية، التي تقدم تفسيرًا دائمًا لما يجب فعله.
ذكاء اصطناعي يقترب من التشخيص الطبيلم تعد الأجهزة الصحية تقتصر على عدّ الخطوات أو قياس النوم، بل تطورت لتقترب من التشخيص المبكر للأمراض.
فالمجسات القابلة للارتداء والأجهزة المنزلية المتصلة تجمع بيانات مستمرة عن الجسم، وتحاول التنبؤ بالمخاطر الصحية قبل ظهور الأعراض. ويُسوَّق هذا التحول على أنه انتقال من طب يعالج المرض بعد حدوثه إلى طب يستبق الخطر قبل ظهوره.
هذا التطور ليس تقنيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا. فقد بلغ حجم سوق الأجهزة الطبية القابلة للارتداء نحو 40 إلى 45 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بتجاوزه 160 مليار دولار قبل نهاية العقد الحالي.
أما سوق التكنولوجيا القابلة للارتداء عمومًا، فيتجه ليصبح من أكبر أسواق التكنولوجيا العالمية، ما يعكس اندفاع شركات التكنولوجيا وصناديق الاستثمار نحو هذا القطاع بوصفه أحد أعمدة اقتصاد المستقبل.
بين الإرشاد الطبي والتشخيص الخطيرلكن هذا النمو السريع يثير تساؤلات حساسة. فهذه الأجهزة تعمل ضمن خوارزميات تطورها شركات تجارية، ما يجعل الخط الفاصل بين النصيحة الصحية والقرار الطبي غير واضح.
إعلانفالقراءات غير الدقيقة قد تمنح المستخدم شعورًا زائفًا بالأمان، أو تثير قلقًا مبالغًا فيه بسبب إنذارات خاطئة، وهو ما قد يؤثر في قرارات صحية مهمة دون إشراف طبي.
من يملك بيانات صحتك؟من أخطر القضايا المطروحة ملكية البيانات الصحية. فالمعلومات الصحية تُعد من أكثر البيانات حساسية، لكنها تُجمع اليوم خارج المؤسسات الطبية التقليدية وتُخزن في منصات رقمية عالمية.
وفي ظل اختلاف القوانين بين الدول، تظهر مخاوف من استخدام هذه البيانات لأغراض تجارية أو للتمييز في التأمين أو التوظيف أو حتى في تقييم "الجدارة الصحية" للأفراد.
كما تكشف الصحة الرقمية عن شكل جديد من التفاوت الاجتماعي. فالوصول إلى هذه التقنيات مرتبط بالقدرة المالية والبنية التحتية الرقمية.
وقد تتحول التكنولوجيا التي يُفترض أن تقلّص الفجوات الصحية إلى عامل يوسعها، حيث يتمتع البعض برفاهية المراقبة والاستباق، بينما يبقى آخرون خارج هذا النظام أو يستخدمون أدوات أقل أمانًا.
المفارقة أن التكنولوجيا التي تهدف إلى تمكين الفرد قد تولّد قلقًا دائمًا. فالمراقبة المستمرة للجسد تجعل الإنسان مرتبطًا بالأرقام بشكل مفرط، حيث يتحول أي تغير بسيط إلى مصدر توتر.
كما يصبح "المعدل الطبيعي" معيارًا صارمًا، رغم أن الأجسام البشرية تختلف طبيعيًا بين شخص وآخر.
التكنولوجيا تسبق النقاش الأخلاقيالمشكلة الأساسية ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في غياب النقاش العام حول شروط استخدامها وحدودها. فالتقدم التقني والاستثمار الاقتصادي سبق التنظيم والقوانين، ما يجعل الصحة الرقمية ساحة صراع بين منطق الرعاية الصحية ومنطق السوق والربح.
التكنولوجيا لا تكتفي بتقديم أدوات جديدة، بل تعيد تعريف ما نراه طبيعيًا وآمنًا ومقبولًا. فالأجهزة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتدخل في قراراتنا اليومية، وتعيد رسم حدود الجسد والصحة والخصوصية، وتفرض تصورًا جديدًا لما تعنيه "الحياة الأفضل".
اختبار فلسفي للإنسان المعاصرفي النهاية، لا يتعلق الأمر بسؤال تقني فقط، بل بسؤال فلسفي عميق حول موقع الإنسان في عصر البيانات. فعندما يُعاد تعريف الجسد والعناية الصحية عبر الخوارزميات، يتغير دور الإنسان في اتخاذ القرار والمسؤولية.
التحدي الحقيقي ليس امتلاك أدوات أكثر ذكاءً، بل الحفاظ على مساحة إنسانية للفهم والاختيار والمساءلة. فأخطر ما في هذا التحول ليس ما تفعله التكنولوجيا بالجسد، بل ما تفعله بعلاقة الإنسان بذاته ومعناه في عالم تتسارع فيه الخوارزميات أسرع من قدرتنا على التفكير فيها.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
إطلاق 50 خدمة جديدة عبر منصة مصر الرقمية.. تعرف عليها
في خطوة كبرى تعزز استراتيجية الدولة نحو التحول الرقمي وبناء "مصر الرقمية"، أعلنت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بالتنسيق مع الجهات والوزارات المعنية عن إضافة 50 خدمة حكومية جديدة دفعة واحدة إلى منصة "مصر الرقمية".
ويأتي هذا التوسع الضخم لتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية المتاحة للمواطنين والمستثمرين، بما يسهم في تيسير الإجراءات، وتوفير الوقت والجهد، والقضاء التام على الروتين والبيروقراطية المعتادة.
وقد نجحت المنصة من خلال هذا التحديث في تحويل المزيد من المعاملات الورقية المعقدة إلى كبسات زر مرنة ومتاحة على مدار الساعة.
امتداد الخدمات للقطاعات الحيويةوتغطي الحزمة الجديدة من الخدمات (الـ 50 خدمة المضافة) قطاعات عريضة تهم المواطن في حياته اليومية وتعاملاته الرسمية، ومن أبرز القطاعات التي شهدت توسعاً ملحوظاً:
• خدمات التوثيق والشهر العقاري: تسهيل إجراءات استخراج التوكيلات، والإجراءات التمهيدية لتسجيل العقارات والشقق السكنية.
• خدمات المرور ونيابات المركبات: التوسع في تظلمات المخالفات، واستخراج بدل الفاقد والتالف لرخص القيادة والتسيير وتوصيلها للمنازل.
• الأحوال المدنية والتضامن الاجتماعي: إضافة مسارات رقمية جديدة لتسجيل الفئات الأولى بالرعاية، وتحديث بيانات الدعم النقدي، واستخراج الوثائق الثبوتية المميكنة.
• خدمات الاستثمار والأنشطة التجارية: ميكنة تراخيص بعض الأنشطة البحرية والسياحية، وتسهيل إجراءات تسجيل الشركات والمفوضين لتشجيع بيئة الاستثمار.
أهداف التوسع الرقمي لعام 2026وأشارت التقارير الحكومية إلى أن هذا التحديث الشامل يرتكز على عدة محاور استراتيجية لرفع كفاءة الأداء الحكومي:
1. الفصل بين طالب الخدمة ومقدمها: مما يضمن تعزيز الشفافية المطلقة والحد من أي ممارسات غير قانونية.
2. تقليل زمن الحصول على الخدمة: تقليص الدورة المستندية الإجرائية لضمان إنجاز المعاملات في أيام معدودة أو ساعات في بعض الخدمات الفورية.
3. الإتاحة على مدار الساعة: تمكين المواطن من تقديم طلباته من أي مكان (سواء عبر الهاتف المحمول أو الحواسب الآلية) دون التقيد بمواعيد العمل الرسمية للمقار الحكومية.
تطوير واجهة المستخدم والدفع الإلكترونيوشهدت المنصة بالتزامن مع إضافة الخدمات الجديدة تحديثاً شاملاً يعتمد على أحدث معايير "تجربة المستخدم" (User Experience)، حيث تم تبسيط واجهات الاستخدام وتقليل الخطوات المطلوبة لإتمام المعاملات لتناسب كافة الشرائح المجتمعية.
كما تم رفع كفاءة وموثوقية قنوات السداد الإلكتروني بالتعاون مع البنك المركزي المصري؛ لإتاحة دفع الرسوم الحكومية بأمان كامل عبر بطاقات الدفع البنكية المختلفة ومحافظ الهاتف المحمول، مع تفعيل الشحن البري المستنداتي بالتعاون مع البريد المصري لتوصيل المحررات الرسمية والشهادات مباشرة إلى محل إقامة المواطنين.