بوابة الوفد:
2026-06-03@01:25:44 GMT

أسرع من وعينا

تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT

 

في لحظةٍ ما، يكتشف الإنسان أنه يركض أكثر مما يحيا، وأن العالم من حوله يتحرك بسرعة لا تُشبه إيقاعه الداخلي. كل شيء يجري... الأخبار، الأعمال، الأحداث، الناس، حتى المشاعر. وكأن الزمن قرّر أن يسبق وعينا بخطوتين، ليتركنا نتعثّر خلفه بلا أنفاس. لم يعد الركض اختيارًا، بل أصبح عادة يومية نمارسها دون أن نسأل أنفسنا، قل لي يا صديقي: إلى أين نذهب حقًا؟ وما الذي نخسره في الطريق؟

نعيش اليوم في زمنٍ تتحول فيه التفاصيل إلى ومضات قصيرة، تُرى ولا تُعاش، وتُلمس ولا تُفهم.

نمسك باللحظة قبل أن تتشكل، ونتركها قبل أن تترك أثرًا. نحاول اللحاق بكل شيء فيفلت منا كل شيء، لأن النفس بطبيعتها بطيئة، كما تعرف يا عزيزي القارئ، تريد وقتًا لتستوعب، لتتأمل، لتشعر، لكن العالم لا يمنحها ذلك. وهكذا نصبح عالقين بين سرعتين: سرعة الخارج التي تدفعنا، وسرعة الداخل التي تتعثر بنا.

ومع هذا الاضطراب الصامت، نفقد القدرة على الإصغاء لنداءاتنا الصغيرة. نسمع أصوات العالم، لكن صوتنا الداخلي يبهت حتى يكاد يختفي. نعمل، نتحرك، نتفاعل، لكننا لا نعرف إن كنا نفعل ذلك لأننا نريده، أم لأن الزمن يدفعنا دفعًا، وأنت بالتأكيد شعرت بهذا يا صديقي. ومع كل خطوة نأخذها بلا وعي، نتخلى عن جزء صغير من أنفسنا، جزء كان يستحق أن نمنحه فرصة ليُفهم ويُعاش.

السرعة لا تُطفئ الوعي فقط، بل تُخفي المعنى. حين تمرّ اللحظات بسرعة، تفقد الحياة ملامحها. تصبح الأيام متشابهة، والعلاقات سريعة، والقرارات متعجلة، وكأننا نعبر وجودنا عبورًا سطحيًا لا يلامس الجوهر. نصل إلى نهايات كثيرة من دون أن نفهم بداياتها، ونغادر محطات لم نستوعبها أصلًا. وهكذا يتسرب المعنى من بين أصابعنا، لا لأنه مفقود، بل لأننا، يا عزيزي، لم نتوقف لالتقاطه.

يظن البعض أن البطء ضعف، وأن التمهّل تراجع. لكن الحقيقة أن أعمق لحظات الوعي تنشأ في البطء، لأن البطء مساحة رؤية ومساحة إصغاء. هو اللحظة التي تستعيد فيها قدرتك على الشعور بما يحدث فيك لا حولك فقط. هو الطريقة التي تقول بها لنفسك بهدوء: لن أسمح للزمن أن يدفعني أكثر مما تحتمل روحي.

عندما نبطئ، نلاحظ تغيّرًا خفيًا. تتضح الأصوات من حولنا، لكن الأهم يتضح صوتنا نحن. ندرك أن كثيرًا مما كنا نطارده لم يكن لنا، وأن كثيرًا مما أهملناه كان يستحق أن يُحمل بعناية. عندها فقط نفهم، يا صديقي، أن المشكلة لم تكن في سرعة الزمن، بل في أننا نسينا أن نسير بإيقاعنا نحن.

وفي النهاية، لا نحتاج إلى أن نوقف العالم كي نستعيد وعينا، بل يكفي أن نمنح أنفسنا تلك اللحظة التي نقول فيها لكل شيء حولنا: انتظر. لحظة واحدة فحسب، نلتقط فيها ما سقط منا ونحن نركض، لحظة نعيد فيها ترتيب نبضنا، ونستعيد اتصالنا بما يحدث في أعماقنا.

بهذه اللحظة يتوقف الزمن عن مطاردتنا، ونبدأ نحن في ملاحظة الحياة التي كانت تمرّ بجانبنا دون أن نراها. هكذا فقط يصبح الزمن رفيقًا لا خصمًا، ونعود إلى أنفسنا قبل أن نفلت منها مرة أخرى.

********************************

بقلم/ محمد جادالله

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط

[email protected]

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

إقرأ أيضاً:

رهان حسام

مع اقتراب كأس العالم 2026، تتجدد آمال الجماهير المصرية في ظهور قوي لمنتخب الفراعنة في واحدة من أهم المشاركات في تاريخ الكرة المصرية، خاصة وأنها تأتي كالمشاركة الرابعة في المونديال بعد أعوام 1934 و1990 و2018.

هذه المرة تبدو الآمال مختلفة، محمّلة بطموح أكبر ورغبة في كسر حدود الظهور المشرف إلى المنافسة الحقيقية، ما يمنح هذه المشاركة خصوصية إضافية هو وجود قيادة وطنية خالصة متمثلة في حسام حسن على رأس القيادة الفنية، أحد أبرز رموز الكرة المصرية لاعبًا ومدربًا.

قصة حسام لا يمكن فصلها عن جذوره الكروية، فهو أحد أبناء المدرسة التي أسسها الراحل محمود الجوهري، الرجل الذي قاد مصر إلى مونديال 1990 في إيطاليا وكتب واحدة من أهم صفحات التاريخ الكروي المصري. 

وكأن الزمن يعيد رسم الدائرة من جديد، لكن بظروف مختلفة وتحديات أكثر تعقيدًا مع تجربة العميد..

حسام حسن، الذي عاش تجربة المونديال كلاعب تحت قيادة الجنرال محمود الجوهري، يعود اليوم إلى المشهد نفسه ولكن من مقعد المدير الفني، محاولًا استلهام نفس فلسفة الانضباط والالتزام والاعتماد على الشخصية القوية داخل الملعب، وهي السمات التي ميّزت مدرسة الجوهري وتركَت بصمتها على أجيال متعاقبة من اللاعبين. 

ومع ذلك، فإن كرة القدم الحديثة تفرض معايير أكثر تطورًا، سواء من حيث الإعداد البدني أو التكتيك أو حتى إدارة الضغوط، ما يجعل المهمة أكثر صعوبة وأكبر تحديًا.

الجماهير المصرية، التي لم تفقد شغفها رغم السنوات الطويلة بين المشاركات، تنظر إلى القيادة الوطنية وهذا الجيل بعين الأمل، خاصة في ظل وجود عناصر تمتلك خبرات أوروبية ومحلية، إلى جانب لاعبين شباب يسعون لفرض أنفسهم على الساحة الدولية. هذا المزيج بين الخبرة والطموح يمثل أحد أهم مفاتيح النجاح، إذا ما تم توظيفه بالشكل الصحيح.

لكن الطريق إلى المجد في كأس العالم لا يُبنى على الأسماء وحدها، بل على منظومة متكاملة تبدأ من التحضير الجيد وتنتهي بالقدرة على التعامل مع لحظات الحسم داخل الملعب.. وهو المرجو أن يدركه الجهاز الفني جيدًا، خاصة أن المنافسة في نسخة 2026 ستكون شرسة أمام مدارس كروية مختلفة تمتلك خبرات طويلة في البطولة.

ورغم صعوبة المهمة، فإن مجرد وجود المنتخب المصري في هذا المحفل العالمي يمثل خطوة مهمة، لكنها ليست كافية في نظر الجماهير التي باتت تطمح لما هو أبعد من المشاركة، إلى بصمة حقيقية تضع الفراعنة في مكان مختلف بين كبار العالم.

مونديال الولايات المتحدة ، اختبارًا جديدًا لجيل جديد يقوده حسام حسن، الذي يقف اليوم على خط التماس حاملًا إرث مدرسة الجوهري، ومحاولًا تحويل الحلم المصري القديم إلى واقع جديد، قد يكتب فصلًا مختلفًا في تاريخ الكرة المصرية.

مقالات مشابهة

  • فرق توقيت!!
  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • رهان حسام
  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • أبرز 10 نجوم غائبين عن بطولة كأس العالم 2026
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش